Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يطلق الأكراد على أراضيهم التاريخية اسم كردستان ويعتمدون تقويما شمسيا يبدأ في 21 مارس
يطلق الأكراد على أراضيهم التاريخية اسم كردستان ويعتمدون تقويما شمسيا يبدأ في 21 مارس

د. عماد بوظو

تأتي قضايا الأقليات العرقية والدينية على رأس قائمة المواضيع المحظور تداولها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة عندما تكون هذه الأقليات شعوبا كبيرة وعريقة وصاحبة تاريخ ضارب في أعماق التاريخ، مثل الشعب الكردي في غرب آسيا والشعب الأمازيغي في شمال أفريقيا، فلهذين الشعبين تاريخ طويل ومتشابه في مقاومة محاولات التذويب حتى تبدو حياتهما وكأنها قصة واحدة تكررت حرفيا مع شعبين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، وأولى نقاط التشابه أن الشعبين يتوزعان على عدة دول اختلفت حكوماتها منذ الاستقلال حول كل شيء ولكنها اتفقت على موضوع واحد وهو اضطهاد الشعبين وعدم الاعتراف بحقوقهم وإنكار حقيقة وجودهم التاريخي على أرضهم.

رغم أن تاريخ الشعب الكردي يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد حسب ألواح طينية سومرية، واستمر وجوده تحت إسم كاردو في اللغة الآشورية، ثم توضّحت هويته القومية في مملكة ميتاني المنحدرة من شعوب هندو أوروبية يطلق عليها اسم الحوريين في الألف الثاني قبل الميلاد وهم أجداد الأكراد الحاليين، وفي الألف الأول قبل الميلاد وصف المؤرخ اليوناني زينفون سكان جبال تلك المنطقة بالمحاربين الأشداء وأطلق عليهم أسم الكاردوخيين، ويطلق الأكراد على أراضيهم التاريخية اسم كردستان ويعتمدون تقويما شمسيا يبدأ في 21 مارس كانت بدايته عام 612 قبل الميلاد الذي يتوافق مع معركة نينوى بين الميديين والآشوريين.

بينما يعتبر شعب الأمازيغ والتي تعني "الرجال الأحرار" السكان الأصليين لشمال أفريقيا من الصحراء الغربية في مصر حتى المحيط الأطلسي والتي تمتد على ملايين الكيلومترات المربعة ويطلق الأمازيغ على أرضهم التاريخية اسم تامازغا، وتعتبر جمجمة إنسان تافوغالت التي أجري عليها أول عملية جراحية في التاريخ قبل 12 ألف عام الأجداد البيولوجيون للأمازيغ، ثم ذكرهم رمسيس الثالث الذي حكم مصر من 1186 حتى 1155 قبل الميلاد، وفي عام 950 قبل الميلاد اعتلى عرش مصر قائد أمازيغي هو شيشنق الأول وأسس لحكم الأسرتين 22 و23 الأمازيغيتين لمصر لأكثر من قرنين، كما خرج من الشعب الأمازيغي الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس الذي حكم روما في القرن الثاني للميلاد، وكذلك للأمازيغ تقويم خاص بهم يبدأ من 950 قبل الميلاد تاريخ الانتصار على قدماء المصريين واعتلاء زعيمهم شيشنق للعرش الفرعوني، ويحتفلون برأس سنتهم في 12-13 يناير.

وكانت الديانة الرئيسية للشعب الكردي الزرادشتية ثم انضمت إليهم مجموعات من اليهود خصوصا أثناء النفي البابلي وحافظ يهود كردستان على ثقافتهم الخاصة من خلال عزلتهم في الجبال، كما تحول بعض الأكراد إلى المسيحية، أما الأمازيغ فقد عبدوا في البداية الشمس والقمر ثم الإله آمون، وفي القرن السادس قبل الميلاد نشأ في مناطقهم مجتمع يهودي كبير مكوّن من عدة قبائل أمازيغية، ثم اعتنق الأمازيغ بشكل مبكّر الديانة المسيحية وخرج منهم الكثير من القديسين وكبار رجال الدين كان أشهرهم آريوس 256-336 ميلادي الذي مازال أثره مستمرا حتى اليوم، وفيكتور الأول بابا الكنيسة الرابع عشر والبابا جلاسيوس الأول، أي كان للأمازيغ دور كبير في الديانة المسيحية.

ثم تحوّل الأكراد والأمازيغ إلى الإسلام واستغلت الدول الإسلامية قدراتهم الحربية، فقام طارق بن زياد بقيادة الجيش المكون في أغلبه من الأمازيغ بالدخول إلى إسبانيا، وفي عهد أمازيغي آخر هو يوسف بن تاشفين وصلت دولة المرابطين إلى أوج قوتها وامتدت من مناطق واسعة في جنوب إسبانيا شمالا حتى حوض نهر السنغال جنوبا شاملة ما عرف فيما بعد بموريتانيا والمغرب وغرب الجزائر الحالية، وبعد بضعة عقود قام صلاح الدين الأيوبي مع عشائر كردية بقيادة المسلمين في الحروب الصليبية وأسس مملكة كبيرة امتدت من العراق شرقا حتى أواسط ليبيا غربا ومن اليمن جنوبا حتى هضبة الأناضول شمالا.

ورغم الدور الكبير الذي لعبه الأكراد والأمازيغ في الدفاع عن الدولة الإسلامية، ولكن الدين الإسلامي كان له الدور الرئيسي في عملية تذويب الهوية القومية للشعبين، من خلال عدم قبول قراءة القرآن وتأدية الطقوس الإسلامية إلّا باللغة العربية التي تم اعتبارها لغة مقدسة، ولذلك تراجعت أعداد الناطقين باللغات الكردية والأمازيغية خلال القرون، بل لجأ الكثير من الأكراد والأمازيغ إلى إخفاء هويته القومية واختراع أصل عربي غير حقيقي له حتى يعزز مكانته في مجتمعه مما أدى إلى تحوّل هؤلاء مع الزمن إلى عرب، كما برز من الشعبين الكثير من رجال الدين المسلمين كان أهمهم وأشهرهم بلا منازع الكردي "ابن تيمية" الأب الروحي للمذهب الوهابي وحركات الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية.

استمر ذوبان الأكراد والأمازيغ تدريجيا ضمن الدول الإسلامية المتعاقبة حتى أتى الانتداب الأوروبي ومناخ الحرية النسبي الذي أوجده، وفي تلك الأيام كان الانطباع السائد أن هناك تناغم بين المكونات العربية والكردية في شرق المتوسط والأمازيغية والعربية في شمال أفريقيا، ونظاهر ذلك في تعاون الجميع في الثورات ضد الاحتلال الأوروبي، فقام الأكراد بثورات ضد البريطانيين في العراق مثل ثورة محمود الحفيد، وضد الفرنسيين في سوريا مثل ثورة إبراهيم هنانو، وثورة الأمازيغي عبد الكريم الخطابي ضد الفرنسيين في المغرب، كما تصدرت شخصيات أمازيغية المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين مثل لالا فاطمة في القرن التاسع عشر ومصالي الحاج وحسين آيت أحمد وكثير غيرهم في القرن العشرين.

ولكن ما إن نالت هذه البلدان استقلالها حتى تحولت حكوماتها إلى سلطات استبدادية عملت على فرض هوية قومية واحدة على هذه الدول، فعانى الأكراد من سياسة التتريك في الأناضول والتفريس في إيران والتعريب في العراق وسوريا، وفي نفس الوقت عانى الأمازيغ من حملة تعريب منظمة في دول شمال أفريقيا تم الاستعانة في سبيل تحقيقها بمدرسين للغة العربية من بلاد الشام، وترافق ذلك مع استعمال وسائل عنيفة لتذويب الهوية القومية للأكراد والأمازيغ شملت الاعتقالات والإعدامات ووصلت حتى استخدام الأسلحة الكيميائية في حلبجة في العراق بهدف محي كل ما هو غير عربي.

وضمن نفس السياسة تم تغيير أسماء المدن والبلدات إلى أسماء عربية، كما منع إطلاق أسماء كردية أو أمازيغية على المواليد الجدد، وتم تغيير التاريخ الذي يدرس في هذه البلاد بحيث تم تجاهل كل ما يدل على وجود مكونات غير عربية أو إسلامية، كما ترافقت محاولات محو الهوية القومية الكردية والأمازيغية مع إهمال المناطق التي يعيش فيها الشعبان من ناحية الخدمات والبنى التحتية والاستثمارات الاقتصادية حتى أصبحت الكثير من هذه المناطق بائسة وشبه معزولة عن العالم الخارجي.

وكان من الطبيعي أن تدفع هذه الظروف إلى تنشيط الهجرة للخارج ولذلك يوجد اليوم في أوروبا ملايين الأكراد والأمازيغ، ويتركز الأكراد في ألمانيا بينما يتركز الأمازيغ في فرنسا، وأصبحت الجاليات هناك بمثابة الرئة التي يتنفس عبرها الشعبان، وازداد دور هذه الجاليات وتأثيرها على الرأي العام الغربي والعالمي وترافق ذلك مع موجة من الحيوية السياسية في الربيع العربي مما دفع بعض الحكومات العربية للإعلان عن إصلاحات والاعتراف ببعض الحقوق الثقافية لهذه الشعوب دون أن ينعكس ذلك بإجراءات حقيقة وملموسة على الأرض.

ولذلك مازال أمام الشعبين الكثير لتحقيقه وتبدو الخطوة الأولى في هذا الطريق الطويل التمسك باللغة والثقافة الخاصة بكل شعب وإعادة كتابة التاريخ الحقيقي لهذه المنطقة من العالم دون إهمال أي مكوّن، وتطوير الخبرات في كيفية مخاطبة العالم وخاصة شركاء الوطن بعقل هادئ وحكمة، ومن المنطقي والمأمول أن يتعاون الأكراد والأمازيغ معا لتحقيق أهدافهم المشتركة خصوصا في دول الغرب حيث للطرفين جاليات قوية، والهدف من ذلك ليس الصدام مع المكونات الأخرى بل بناء علاقة شراكة حقيقية قائمة على العدل والمساواة وهذا من الصعب تحقيقه دون الاعتراف بأخطاء الماضي.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).