Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"كلما صنعت الملاعب وحدة عربية، خربت السياسة والسياسيون البناء"
"كلما صنعت الملاعب وحدة عربية، خربت السياسة والسياسيون البناء"

نضال منصور

هل تُصلِح كرة القدم أو الرياضة عموما ما أفسدته السياسة في العالم العربي؟ هذا السؤال الذي جال في خاطري وأنا أستمع، خلال افتتاح بطولة كأس العرب في الدوحة، إلى "النشيد الوطني" لكل دولة عربية في سياق مقطوعة غنائية موسيقية أطلق عليها البعض النشيد الوطني الموحَّد للأمة العربية.

كلما صنعت الملاعب وحدة عربية، خربت السياسة والسياسيون البناء، وعاثت خرابا، ورفعت أسوار الحدود التي تُقسم هذا الوطن من المحيط إلى الخليج، وصدقت مقدمة حفل افتتاح مونديال العرب حين قالت "يجمعهم كل شيء، ويُفرقهم كل شيء"، ومن حقها أن تُدندن وتتساءل بأغنية فيروز هل "سنرجع يوما إلى حينا"، ومتى؟

حفل الافتتاح في ملعب البيت كان يُجسد أشواق العرب، ولكنه أيضا يحكي عن خيباتهم، وفرقتهم، وصراعاتهم، وحروبهم، ولهذا تعمّد المنظمون استحضار شخصية "جحا" بحماره مقتحما الملعب، ليشرع في ذاكرتنا القصص الساخرة عن حال العرب.

وهو ما تكرر في عرض "الهولوغرام" لشخصيتين راحلتين عُرفا بالكوميديا الناقدة، وهما: عبد الحسين عبد الرضا، وسعيد صالح، وتوارد إلى ذهني "سكتشات" وحوار مسرحيتي "باي باي لندن"، و"سيف العرب" التي عُرضت بعد احتلال الرئيس الأسبق، صدام حسين للكويت عام 1990.

"إستاد" البيت الذي استضاف حفل الافتتاح، وصُمم على شكل "بيت الشعَر" الخيمة العربية، كان حميميا، فبطولة كأس العرب تُعقد بعد انقطاع دام 19 عاما، ولأول مرة يُشارك بها كل العرب.

والمُحزن المُفرح أنها لأول مرة تُقام بتنظيم الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، وهو يعكس حتما الاعتراف بفشل الاتحاد العربي على إدامة هذه التظاهرة الرياضية، فمنذ انطلاقها عام 1965، أي قبل ما يُقارب 60 عاما لم تُنظم، ولم يلتئم شملها سوى عشر مرات.

كانت قطر كريمة في استضافة مونديال العرب، فالجوائز المخصصة للمنتخبات الوطنية الفائزة والمشاركة وصلت إلى 25.5 مليون دولار، هذا عدا عن الاستضافات والأنشطة الموازية التي حفلت بها الدوحة لمدة 19 يوما عمر البطولة.

وكل المراقبين اعتبروا بطولة كأس العرب "بروفة" مُصغرة لكأس العالم الذي تستضيفه قطر العام القادم في شهر ديسمبر، وبالتالي مهما أنفقت فهو ضرورة لاستكشاف جاهزيتها، وفرصة لاستعراض قوتها على التنظيم لاستقطاب اهتمام العالم، وكان تصريح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، جياني إنفانتينو، أن "تنظيم مونديال العرب مذهل، وكأس العالم المُرتقب في قطر سيكون الأفضل على الإطلاق" في صميم ما تريده الدوحة.

مرت بطولة كأس العرب بسلام، هواجس السياسة ومُنغصاتها لم تعبث بها، وربما ساعد على مرورها بهدوء أن "الخلافات العربية" تراجعت، وحروب "داحس والغبراء" خفت طبولها، وتصوروا معي لو كانت هذه البطولة وتنظيمها حين سادت القطيعة في البيت الخليجي، أو لو كان من المفترض إقامتها بعد اندلاع شرارة ما سُميّ بـ "الربيع العربي"، واحتدام الصراعات والحروب الأهلية.

في بطولة كأس العرب لعبت الإمارات مع قطر، ورغم حالة "الهياج السياسي" فإن الأمور ظلت تحت السيطرة، وهزمت قطر مصر في التصفيات، وتصافح اللاعبون، ولم تشهد حروبا وردحا إعلاميا، وهو ما حدث أيضا حين لعبت الجزائر مع المغرب رغم القطيعة المستمرة بين البلدين.

مضت بطولة كأس العرب إلى نهايتها دون إشكالات واضطرابات، ولا أعرف السر وراء ذلك، هل لأنها أقيمت في الدوحة، حيث تنضبط الجاليات العربية في سلوكها؟ أم أن المشجعين العرب تواقون لأحلامهم العربية في الوحدة، والتكامل، وترفّعوا عن "الشجارات" التي تفتعلها أنظمتهم؟

تحتفظ الذاكرة بصور مؤذية عن أحداث رياضية عربية انتهت بمآسٍ، فما يزال شبح ما وقع في مباراة مصر والجزائر حاضرا، سواء في القاهرة، وحتى في أم درمان في السودان.

في الدوحة كان النموذج مُغايرا، وأجواء الوفاق طغت، فمدرب المنتخب الجزائري، عبد المجيد بوقرة، حين سئل عن هذه الواقعة، أجاب "اللي فات مات"، وفي مباراة الأردن وفلسطين تشارك جمهور الفريقين ذات المدرجات، وكلاهما شجع الفريقين، وهتفا لهما معا، في رمزية على وحدة الشعبين، ودلالاتها السياسية.

العلم الفلسطيني القاسم المشترك لكل المنتخبات العربية، والمنتخب والجمهور الجزائري أظهر عشقا لفلسطين، وحملوا يافطات كُتب عليها "الفوز نُهديه إلى فلسطين"، وكان واضحا أن الجماهير في الملاعب أرادت أن توجه رسائل لإسرائيل، ولأنظمتها العربية من قبل، أنها عصية على التدجين، ورافضة للتطبيع، وأن فلسطين قضيتها الأولى، وهو ما تكرَّس فعليا في مباراة أساطير الكرة العربية ضد العالمية حين انسحب لاعبون جزائريون احتجاجا على وجود مدرب إسرائيلي.

بالمحصلة، تصنع الرياضة ما تعجز عنه السياسة، وأتذكر نكتة كانت تُروى على لسان المسؤولين العراقيين، فهم كانوا خارج مظلة مجلس التعاون الخليجي، ولكنهم كانوا يشاركون ضمن بطولة "كأس الخليج"، ولهذا كانوا يقولون للخليجيين: "نحن معكم فقط بالطوبة" أي الكرة، و"افتح يا سمسم"، وهو المسلسل المشهور المخصص للأطفال، الذي كان إنتاجاً تشارك فيه العراق دول الخليج.

في بطولة كأس العرب أعادت قطر تكريس نفسها كقائد بلا منازع في الاستحواذ على المشهد الرياضي في العالم العربي، بما يُعطيها حضورا طاغيا عند الشباب، ويكفي للدلالة دخول شبكة "بي إن سبورت" كل بيت.

وما فعلته في الرياضة كانت قد فعلته بالسيطرة على الإعلام، فشبكة "الجزيرة" بعد مرور ربع قرن على تأسيسها لا تزال تفرض حضورها، وتحتل مكانة متقدمة عند الجمهور العربي، وتُنافس أكبر محطات العالم، وتحتفظ بمساحة واسعة للحريات، وكانت أفضل سلاح لقطر في أزماتها.

انتهت بطولة كأس العرب بانتصار الجماهير العربية على خيباتها، واستعادتها لأحلامها التي تراها تتجسد على أرض الملعب لوقت قصير، وترنو أن تراها حقيقة مُعاشة في حياتها، فلا يبقى نشيد "بلاد العرب أوطاني" شعارا، وأغنية تهزج بها، فتمتلئ النفس فخرا، وتغرورق العيون بالدموع حسرة، وألما.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس
لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس

عبد الرحيم التوراني

في إطار "خارطة الطريق" المنبثقة عن لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس، من المرتقب أن ينعقد بالرباط  في الأول والثاني من شهر فبراير 2023، اجتماع رفيع المستوى بين إسبانيا والمغرب. سيمثل حدثا بالغ الأهمية، وعنوانا صريحا على تعزيز الارتباط بين البلدين الجارين.

هي قمة ثنائية ظلت منتظرة منذ سبعة أعوام، بعد إلغاء اجتماعين كانا مجدولين  في عامي 2020 و2021، بعِلّة "عدم استيفاء الشروط الصحية" لعقدها، حسب الرباط.  مرة بسبب انتشار جائحة كورونا، وثانية بعد أزمة استقبال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في مدريد، وهي الأزمة التي أوصلت الجارين المتوسطيين إلى حدود القطيعة، خصوصا بعد تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين- أغلبهم من الأطفال والمراهقين- إلى سبتة المحتلة. ما وصفته مدريد حينها بـ "الابتزاز والعدوان" من جانب الرباط، التي استدعت سفيرتها لدى إسبانيا، ولم تعد إلى مدريد إلا بعد تغيير إسبانيا  لموقفها التقليدي بشأن قضية الصحراء، وإعلانها لموقف واضح عبرت عنه رسالة بعث بها رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي محمد السادس. وتضمنت الرسالة دعم إسبانيا لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب في الصحراء، معتبرة أن الخطة المغربية تشكل "الأساس الأكثر صلابة ومصداقية وواقعية" لحل النزاع الصحراوي. ما يفيد الاعتراف الإسباني بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية، وما يفسح المجال أساسا لـ"بدء مرحلة جديدة تقوم على أساس الاحترام والثقة المتبادلة والتشاور الدائم والتعاون الصريح والمخلص".

وقد كرر سانشيز التأكيد على هذا المضمون قبيل أسابيع، بكون حكومته اتخذت القرار الصحيح بشأن تأييد مبادرة التفاوض على قانون للحكم الذاتي لإنهاء الخلاف حول الصحراء المغربية. وبأن إسبانيا لن تتأثر بأي ردود فعل من الممكن أن تلوح في الأفق، وأنها ستبقى مستقيمة في مكانها.

ولا شك أن هذا التغيير يمثل رغبة صريحة لإسبانيا في التغلب على الأزمة الدبلوماسية مع الرباط، والإعلان عن بدء مرحلة جديدة في العلاقات الاسبانية المغربية، تتجه صوب "التحرك نحو تعاون أكثر ازدهارًا" مع المنطقة بأكملها، من خلال الإعلان عن "تنظيم قمة مع الجوار الجنوبي على المستوى الأوروبي، لتنفيذ وتطوير هذه الأجندة الإيجابية التي يجب أن تكون لدينا مع جيراننا في الجنوب".

وسبق لسانشيز أن ذكر بأن الطرفين اتفقا على "خارطة طريق واضحة تسمح بإدارة الأمور محل الاهتمام بطريقة منسقة، بروح طبيعية وحسن جوار، دون مجال لأفعال أحادية الجانب".

يبدو أن المسؤولين الإسبان أدركوا أن مشكلة الصحراء التي طال أمد استمرارها، تشكل عائقا حقيقيا يحول دون النهوض بتطوير علاقات إسبانيا مع جيرانها في المنطقة المغاربية، ويساهم في زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن في منطقة شمال إفريقيا. في ظل تمسك الأطراف الأساسية للنزاع بمواقفها الأصلية واعتمادها لمفردات تنهل من قاموس مشيطن متبادل، بعيدًا عن إيجاد حل سياسي مقبول على النحو الذي دعت إليه الأمم المتحدة.

كما أدرك الإسبان أن النزاع المطروح منذ حوالي نصف قرن في الصحراء الغربية، هو بالنسبة لمدريد ليس مجرد صراع إقليمي عقيم، بل إنه إشكالية مستعصية لا تفتأ عن تعقيد العمل بالشأن الخارجي الإسباني، في واحدة من أكثر نقاطها حساسية، وهي حدودها الجنوبية. وبالتالي فهو صراع له تأثيراته المباشرة على السياسة المحلية والخارجية الإسبانية، خصوصا أن مدريد لها روابط  ومسؤولية تاريخية جمعتها بالإقليم، لاستعمارها الصحراء الغربية لعقود طويلة، قبل الجلاء عنها (بعد اتفاقية مدريد 1975). ناهيك عن التضامن الذي تحظى به جبهة البوليساريو لدى أحزاب ومنظمات اليسار وقطاعات واسعة من الرأي العام الإسباني. لذلك لا يجانب أحد الصواب إذا تناول قضية الصحراء الغربية باعتبارها  مشكلة داخلية كبرى في السياسة الإسبانية تثقل كاهل العلاقات الاستراتيجية بين إسبانيا والمغرب. خصوصا بعدما بدأت قضية الصحراء تكتسب أبعادا أمنية جديدة من شانها التورط أو الانغماس في مناخ انعدام الأمن الذي يهدد منطقة الساحل، هكذا أخذت مدريد تشعر بالقلق بشكل مباشر من عدم الاستقرار في المنطقة الصحراوية، وبضرورة إيقاف مصادر التوتر وانعدام الأمن في المستقبل، كمهمة أساسية في سياستها الخارجية، تستوجب التعامل الجدي لحل مشكلة الصحراء كعامل أساسي بالنسبة لمدريد.

من هذه المحبرة مداد الرسالة التي أرسلها سانشيز إلى البلاط المغربي، والتي كشف عن مضمونها للرأي العام في شهر أبريل 2022، وتوجت بلقاء رئيس الحكومة سانشيز بالعاهل المغربي، مما سمح بتطبيع إسباني مغربي مشمول بخارطة طريق ستدشن في مستهل فبراير المقبل أولى معالمها بالاجتماع الرفيع المستوى بين الجارين المغربي والإسباني.

لكل ذلك يرى المراقبون أن إعادة العلاقات الإسبانية المغربية تتجاوز مجرد أن تكون تكتيكية في نطاقها، بل إنها تنطوي ولا ريب على تغييرات استراتيجية، بالرغم من احتواء جدول أعمالها على بعض القضايا المعقدة، مثل قضية الجمارك التجاري بمعبري سبتة ومليلية، وقضية التأشيرة لدخول المدينتين، إضافة إلى قضية ترسيم الحدود البحرية، التي عهدت إلى لجنة مغربية إسبانية مشتركة مهمتها الخروج بخلاصات تُرضي البلدين. وفي المقدمةهناك الوضع المعقد المرتبط بقضية المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، والحدود البحرية لجزر الكناري مع المغرب.

لكن التفاؤل بين الطرفين سيظل مطروحا، بتجميد القضايا المعقدة، والعمل على التقاط أهمية وأبعاد التطبيع التاريخي بين الجارين في ظل مناخ غير مسبوق من الثقة بين الجانبين، والعمل على تحويل"الاجتماع الرفيع المستوى" إلى مناسبة قوية لتعميق وتعزيز العلاقات الثنائية، في المجالات السياسية والاقتصادية والتعاونية. 

وستكون على جدول الاجتماع عدة قضايا ومواضيع، منها قضايا الهجرة والدفاع والأمن، والتهريب الدولي للمخدرات، والإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما سيمثل الاجتماع مناسبة سانحة للتحقق من مدى التقدم الجيد للعلاقات الدبلوماسية، ما سيعبر عنه عدد الاتفاقيات المنتظر توقيعها، والتي يفوق مجموعها المائة اتفاقية.

لكن مسألة النزاع بين المغرب والجزائر بشأن الصحراء، هي ولا شك قضية أكثر من شائكة، بل تبدو راهنا صعبة المنال، تحول دون تحقيق التكامل الإقليمي للبلدان المغاربية. فهل تمكن المراهنة على تحولات السياسة الإسبانية الجديدة في ملف الصحراء، من أجل توفير المناخ اللازم لوضع أسس إنهاء لمشكلة الصحراء يمكن بلورته على طريق الحل.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).