Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحكومة المغربية أعلنت قرار إلغاء احتفالات السنة الميلادية وحظر التجول ليلة رأس السنة
الحكومة المغربية أعلنت قرار إلغاء احتفالات السنة الميلادية وحظر التجول ليلة رأس السنة

عبد الرحيم التوراني

مهما حاول الرائي لأوضاع المغرب أن يتلفع بثوب التفاؤل وأن يكون إيجابيا، أو نصف متفائل، "متشائلا" باصطلاح الروائي الفلسطيني إميل حبيبي، فسيصعب عليه التوفيق لبلوغ مبتغاه. بل سيجد نفسه دائما إزاء لعبة النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، أو التعامل مع نصفه الفارغ؟ ولن ينأى عن السقوط في متاهات من العبث الموصوف.

ولأن التفاؤل من شأنه المساعدة على التخلص من الضغوط وتحسين العافية، سيرغم المعني على نهج التفكير الإيجابي مهما ساءت الأحوال أمام ناظريه، فالتشاؤم مضر بالصحة، ولا سبيل للراحة إلا بتجاهل الأوضاع المقلقة، والابتعاد عن تضخيم النقاط السلبية والاكتفاء باستحضار ما هو إيجابي فقط. هكذا تأتي النصائح من أجل التغلب على الانشغال بالسلبيات والتحكم في التوتر، تفاديا للصداع والاكتئاب والإحباط وكل الأسباب المؤدية إلى اليأس. 

الممكن من المستحيل

أفلا ترون البنيان والإعمار والإنجازات التي لا تضاهى؟

ألم تسمعوا بالمشاريع العملاقة لإنتاج وتطوير الطاقات الريحية والشمسية، وما تختزنه بواطن بحارنا وأرضنا المعطاء؟

ألم يصلكم حديث "النموذج التنموي الجديد"، وأنباء انتصار الديمقراطية المغربية المتواصل بتنظيم انتخابات "حرة ونزيهة وشفافة" في مواعيدها!؟ 

ولا شك أنكم أخذتم علما بدخول المغرب إلى نادي التكنولوجيا الدقيقة العسكرية. ولا ضرر إن حدث هذا بفضل التطبيع مع العدو الشقيق. 

ربما لستم مؤهلين لحساب حصيلة السنة التي ستمضي بعد قليل، ولا التي قبلها أو بعدها. أكيد إن فعلتم فإنكم لن تسعوا إلا إلى التقاط السلبيات، مهملين إبراز الإيجابيات وعَدّ المنجزات. وعذركم معكم، لأن ما يدور في رؤوسكم لا يتعدى الأفكار المتشائمة. إن العيب فيكم وفي أمثالكم، ممن لا يرون إلا أخطار الحافة والهاوية ووشوك الكارثة، من لا تتوقف خيالاتهم المهتزة عن توهم ارتجاج الزلزال وزمجرة الإعصار.

ألا ترون أن عليكم التسليم بفشلكم وبنظرتكم السوداوية؟ والسلبيون لا يتوقَّع منهم أن يتحولوا في رمشة عين إلى متفائلين، أو يصبحوا أقل انتقادا لما يجري حولهم. إذ ليس بالإمكان تغيير طريقة تفكيرهم ورؤيتهم للعالم وللأشياء.

نعم، أنتم تحلمون بالعدالة والمساواة، وبمحو الفوارق الاجتماعية، وبتحقيق الديمقراطية، ليصبح البلد أفضل مما عليه، وأقرب إلى ديمقراطيات العالم المتقدم. لكن أفكاركم الجميلة وأمانيكم هي مجرد أحلام وردية، طوباوية بعيدة المنال. لأنكم ببساطة تغضون الطرف عن الخصوصية والاستثناء الذي يميزنا عن باقي بلاد الله. وأن الديمقراطية لا تحصل فقط بتنظيم الانتخابات وتلوين أصابع الناخبين بالحبر الخاص، وفتح الصناديق لفرز الأصوات. الأمر أعقد من كل هذه المظاهر بكثير لو تدرون.

أحيانا كثيرة يمسي فيها "الممكن من المستحيل" كما كتب الأديب المغربي عبد الجبار السحيمي. وقد يأتيك من يخبرك أن السعادة لا تعني امتلاك كل شيء. فلتقنعوا بما أتاكم الله القائل في كتابه الكريم "وأما بنعمة ربك فحدث".

سرعة قياسية لفضائح الحكومة

من الأحداث العريضة والكبرى التي ميزت مجريات العالم خلال 2021، استمرار انتشار وباء كورونا ومواصلة الجهود الحثيثة من أجل مكافحته والقضاء عليه. عنوان بارز انضوت تحت كلماته مختلف أقطار المعمورة، وضمنها المغرب، الذي كان من بين الدول السباقة لإقرار الحجر الصحي وتعميم التلقيح. فقد فرضت الحكومة المغربية الحجر لأشهر، ورفعته لتعود لفرضه من جديد، وشددت من التدابير الوقائية والاحترازية، ومنها إغلاق الأجواء. كم أطال الإعلام الرسمي في الكلام عن تقدم البلاد بهذا الشأن والخصوص، فـ"المغرب من بين البلدان الإفريقية التي حققت الهدف العالمي للتلقيح ضد كوفيد-19"، وفق المنظمة العالمية للصحة. والمغرب يلقح بوتيرة "أسرع من ألمانيا وفرنسا وغالبية الدول الأوروبية الكبرى بـ 50 في المائة"، يقول مركز علمي أمريكي. ورغم كل ذلك لم تنج البلاد من وصول الأنواع المتحورة عن كورونا، ومنها "أوميكرون" المتسم بقدرته الكبيرة على العدوى والانتشار. 

وبعد أن شرعت السلطات بتقديم التطعيم بالجرعة الثالثة، ووجهت برفض تلقيها من جانب كبير من المواطنين، الذين شككت غالبيتهم في مدى فعالية اللقاحات في الوقاية، متأثرين بأخبار (بعضها إشاعات) عن أعراض سلبية ومميتة لأفراد تلقوا الجرعة الثالثة. 

ومن أجل إجبار المواطنين على أخذ الجرعة الثالثة، قررت السلطات في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، العمل بـتعميم " جواز اللقاح" كشرط ضروري للتنقل بين المدن والجهات، وللسفر إلى الخارج، ودخول الإدارات العامة والمؤسسات المصرفية والمقاهي والفنادق والفضاءات المغلقة. وهو ما أسفر عن خروج المئات من المحتجين بأكثر من مدينة في مسيرات ووقفات توحدت جميعها تحت راية "الجبهة الاجتماعية المغربية"، المكونة من تنظيمات يسارية وفعاليات إسلامية راديكالية ونشطاء مستقلين.

وما لبث أن انقلبت الاحتجاجات ضد فرض "جواز اللقاح" إلى احتجاجات ضد سياسة الحكومة وضد الغلاء والبطالة، وضد فرض سن دون 30 سنة كشرط للمشاركة في مباريات ولوج سلك التعليم، وإلى الاحتجاج ضد التطبيع مع إسرائيل. واحتدت نبرة شعارات المحتجين لتصل إلى الهتاف بـ "إسقاط النظام". كما تناقلت ذلك فيديوهات منصات التواصل الاجتماعي. ولم يكن أمام السلطات غير إشهار هراوات القمع لمواجهة المظاهرات السلمية، بضرب واعتقال أعداد من المتظاهرين. لكن الاحتجاجات لم تتوقف لتتواصل على مدى أسابيع، في ظل إجراءات أمنية مكثفة. إلى أن التحقت بها، الأسبوع الأخير، هيئات المحامين بالمغرب، حيث رفض المحامون الإدلاء بـ"جواز اللقاح" كشرط لولوجهم أبواب المحاكم. ومن الطرائف المثيرة جدا اكتشاف مدونين أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، لم يتلق أي جرعة للوقاية من الوباء، ولكن ذلك لم يحل دون توقيعه لقرارات فرض "جواز اللقاح". ما وصف بـ"الفضيحة الأخلاقية" التي أضيفت إلى فضائح أخرى راكمتها حكومة عزيز أخنوش بسرعة قياسية منذ تنصيبها في أكتوبر الماضي. ولم يف وزير العدل بما وعد به في الحملة الانتخابية لحزب "الأصالة والمعاصرة"، الذي يتولى أمانته العامة، مثله في ذلك مثل شريكيه في الحكومة، حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. فمعتقلو الرأي يقبعون في السجون. وسقطت الوعود الملونة بألوان الرخاء وتعميم الحماية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية مع أوراق الخريف قبل هبوب الريح الشتوية. لتستمر الأوضاع على ما هي عليه، وليستمر سجن نشطاء حراك الريف، واستهداف الحقوقيين والانتقام من الصحفيين غير المنضمين لأوركسترا الأبواق والطبول. 

غاب عام آخر قادم!

قبل حلول أعياد الميلاد وليلة رأس السنة بأيام، أعلنت الحكومة المغربية قرار إلغاء احتفالات السنة الميلادية وحظر التجول ليلة رأس السنة، لمواجهة تفشي فيروس كورونا. وسيستعد المغاربة لعام آخر، في مواجهة الأفق المنسد، في انتظار تمكن مختبرات الدول المتقدمة من القضاء على الوباء المعولم، بإنهائه كما قيل في غضون 2022، التي يؤمل أن تكون سنة نهاية وباء كوفيد 19. 

لكن بأي تاريخ ستنتهي سياسات ضرب الحريات والقمع والاستبداد ورعاية الفساد؟ 

أم أن الإجابة هي أن الحكومة الحالية هي مماثلة ولن تختلف عما سبق. وليس بالإمكان أبدع مما كان أو ابتكار حلول سحرية، أمام "إكراهات الظرفية الدولية". 

وما علينا إلا التسلح بالتفكير الإيجابي، الذي يعني الاعتقاد بأن الأفضل سيأتي حتما، وأنه سيحل مكان الأسوأ. كما تقول أغنية "العيطة" القديمة بصوت الفنانة الشعبية المتفائلة الحاجة الحمداوية.. "زيدو بنا القدام.. إلى خْيابَتْ دَبَا تَزْيانْ"، والمعنى الفصيح: (هيا بنا إلى الأمام.. إذا ساءت الأحوال فإنها ستتحسن وتزدان). وأن نواجه سنة أخرى بما نستطيع من قوة التفاؤل ورباط الأمل، ومواصلة الحلم بالغد الأفضل، لتحقيق "النموذج التنموي الجديد" المختلف عن نسخة شكيب بنموسى. ففي أفق التغيير المنتظر لا نملك غير الأمل والتضامن والتطلع إلى الأمام. حتى لا نضطر لتقمص شخصية بطل رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" ونجد أنفسنا نردد معه كل صباح: "(...) إننا لا نميز التشاؤم عن التفاؤل. فنسأل أنفسنا: من نحن؟ أمتشائمون نحن أم متفائلون؟ نقوم في الصباح من نومنا فنحمد الله على أنه لم يقبضنا في المنام. فإذا أصابنا مكروه في يومنا نحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهم نحن: أمتشائمون نحن أم متفائلون".

والأهم من كل هذا، هو ألا يبلغ بنا "التشاؤل" مبلغه لدرجة الاستواء مع العرافين في حساب الزمن واستباق الوقت، فنضطر لتحوير قول الشاعر المغدور طرفة بن العبد: "ما أشبه الليلة بالبارحة"، بـ "ما أشبه الغد بالبارحة".. وما أشبه العام المقبل بالأعوام التي سبقته ورحلت. 

في لحظة مارقة ستطفأ أضواء سنة راحت لتشعل أضواء سنة أقبلت، لكن "لاشيء يحدث ولا أحد يجيء"، كما "في انتظار غودو".

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).