تعرض بن بركة تعرض للأذى حتى من بعض رفاقه الحزبيين، فبعد يوم من تأكيد خبر اختطافه سارعت جماعة من خصومه إلى التملص من التضامن مع الضحية
تعرض بن بركة تعرض للأذى حتى من بعض رفاقه الحزبيين، فبعد يوم من تأكيد خبر اختطافه سارعت جماعة من خصومه إلى التملص من التضامن مع الضحية

عبد الرحيم التوراني

رغم مرور أزيد من نصف قرن على ذلك اليوم البعيد، الذي اختفى فيه إلى الأبد زعيم المعارضة المغربي المهدي بن بركة، لم تتوقف مطاردة روحه وفكره، ولم تنته ملاحقته من قبل الجهات المسؤولة عن مصيره المأساوي، ملاحقة أخطر مما حصل معه وهو ينعم بالحياة. والهدف ليس دفن ملف القضية فقط، بل تشويه سيرته والإساءة إلى ذاكرته وأمجاده، وبالتالي إخراس الأصوات التي لا تزال تصر على المطالبة بالكشف عن حقيقة لغز هذا الاختطاف الذي يعد من أكبر ألغاز اغتيالات القرن العشرين. 

هذا ما يمكن استشفافه من مزاعم اتهمته بالتجسس وبأن بن بركة ليس بطلا أمميا ضد الإمبريالية صارع من أجل توحيد الحركات الثورية في العالم الثالث.  

المُروِّج المتجول للثورة  

فعشية نهاية السنة المنصرمة، استعيدت صفحة تم الاعتقاد بأنها طويت قبل عقد ونصف، إذ حدث تكرار لأزمة الإساءة لـ بن بركة، الذي ظلت تحركاته تحت مراقبة أكبر الشبكات الاستخباراتية العالمية، من "السي أي إيه" الأمريكية، والموساد الإسرائيلي، والـ"سيديك" الفرنسية، وصولا إلى جهاز "الكاب وان" في الرباط. التي سعت للتخلص من شخصيته المزعجة، بعد أن تحول إلى قائد أممي يرأس أكبر تكتل ضد الهيمنة الإمبريالية والاستعمارية (رئيس مؤتمر القارات الثلاث). وسبب تنحيته "يكمن في هذا الزخم الثوري لـ"التريكونتيننتال"، كما ذكر المؤرخ الفرنسي روني غاليسو. 

ورغم السنوات والعقود، وطول الانتظار للكشف عن الحقيقة الكاملة لعملية اختطافه من وسط باريس في يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965، لم يلتفت لمطالب العائلة ومعها القوى الديمقراطية والحقوقية عبر العالم، ولم تتم الاستجابة للإفراج عن وثائق القضية لدى فرنسا وأميركا. وسبق لـ"السي إيه أي" أن أقرت بامتلاكها لـ 1800 وثيقة تخص بن بركة، وعددها أكبر من الوثائق التي لديها حول رفيقه الثائر تشي غيفارا. إلا أن الانتظار تمخض عن "سبق صحفي" يزعم أن قائد اليسار المغربي في الستينيات لا يستحق الوصف الذي أطلقه عليه المؤرخ الفرنسي جان لاكوتور، حينما نعته بـ"الدينامو" و"المُروِّج المتجول للثورة"، ولم يكن ذاك "المفكر صاحب الشخصية الجذابة والمنظم السياسي" فقط، فلربما كان أيضا جاسوسًا وعميلا صغيرا لاستخبارات دولة صغيرة تابعة للاتحاد السوفييتي. 

"سبْقٌ" تصدر العديد من المواقع والصحف، وتلقته المجالس من غير تدقيق لمدى صدقيته وتحليل لخلفياته، خاصة أن الأمر يتصل بحقبة هامة من التاريخ السياسي للمغرب والعالم. إلا أن "الخبر" سرعان ما أعيد إلى أصحابه كقذيفة كروية ارتدت بعكس المجرى. إذ اصطفت القوى الديمقراطية والحقوقية، ممثلة بأطياف سياسية وثقافية عديدة في المغرب وخارجه، على رفض الإساءة إلى "عريس الشهداء"، والعبث بذاكرته الحية، باعتباره "رمزا لمقاومة الاستعمار والكفاح ضد الاستعمار الجديد والصهيونية والإمبريالية". 

من أجل حفنة دولارات  

الملف يطرح "عمالة المهدي بن بركة للمخابرات التشيكوسلوفاكية" أثناء الحرب الباردة. ولم يكن صعبا التذكر بأن المنشور ليس جديدا، بل هو تسخين لأكلة بائتة، جلبت من مطبخ 2006 حيث أعد أول مرة ونشر بـ "الإكسبريس" الأسبوعية الفرنسية. وتبنته نقلا عنها منابر أخرى، منها مجلة "جون أفريك" لصاحبها التونسي - الفرنسي بشير بنيحمد، الذي زاد من نسخ كمية ذلك العدد الموجه إلى الأكشاك المغربية، بعد أن خصص له غلافا مثيرا بصورة بن بركة.  

ليس خفيا أن من روجوا لهذه الإساءة وأطلقوها في البداية، لم يجنوا منها ما انتظروه. لتصل جهة ثانية (في حالة لم تكن نفس الجهة الأولى) لتقديم تلك "الأكلة" السيئة الطهي، في توقيت وظرفية مختلفة عما سبقها قبل 15 سنة. وبدل وضعها على مائدة من باريس، التي شهدت آخر ظهور لبن بركة ماشيا على قدميه في منتصف نهار خريفي دافئ ومشمس أمام مطعم "براسري ليب"، ستقدم فوق مائدة بعاصمة الضباب، بواسطة صحيفة "الغارديان" البريطانية، التي عمدت إلى نشر تقرير خاص في ملحقها الأسبوعي "الأوبزرفر"، جاء فيه أن "المهدي بن بركة كان جاسوسا"، عمل لفائدة الأجهزة السرية التشيكوسلوفاكية، "من أجل حفنة دولارات"، كما عنوان أحد أفلام رعاة البقر الإيطالية (وسترن سباغيتي)، الذي عرض سنة 1964، عاما قبل واقعة اختطاف بن بركة. 

بن بركة مهرب مخدرات! 

ما تضمنه تقرير "الإكسبريس" سنة 2006 من "سكوب" لا يختلف عن مضمون المعطيات التي أعيد نشرها في "الغارديان" يوم 26 ديسمبر 2021، بل إنه نسخة طبق الأصل من دون إضافة. والاختلاف الوحيد هو في اللغة، إذ تمت ترجمته من لغة المارشال فيليب بيتان إلى لغة المرأة الحديدية مارغريت تاتشر. ولا حقيقة معززة بالبرهان الساطع والحجة الموثقة الدامغة، لم يكن صعبا على المخلصين لذاكرة بنبركة دحض وتفنيد اتهامات "الوثائق السرية" المزعومة. بما أنها معطيات متناقضة إجمالا وتفصيلا مع شخصية صاحب "الاختيار الثوري" ومع تاريخه، وفق ما تناقله عنه أصدقاؤه ورفاقه وعدد كبير من الشخصيات العالمية التي عايشته وأتت على ذكره في شهاداتها، بصفته مناضلا ومثقفا موسوعيا حاد الذكاء، كافح بإيمان منذ يفاعته وعلى امتداد سنوات عمره القصير (45 سنة) من أجل سيادة الحرية والديمقراطية والعدالة في بلده وفي العالم الثالث. 

لكنها ليست الأولى في تجريب تشويه سيرة بن بركة. فقد اتهم بعيد استقلال المغرب، بتسيير عصابة لتصفية عدد من رجالات المقاومة ضد المستعمر الفرنسي، أبرزهم المقاوم عباس المسعدي. وتزعم الاتهام الدكتور عبد الكريم الخطيب راعي تنظيمات الإسلاميين في المغرب (حزب العدالة والتنمية)، من ضمنهم وفتح لهم مجال العمل ضمن إطار الشرعية.  

وفي 2009 لم يتردد حميد شباط الأمين العام للاتحاد العام للشغالين (مركزية نقابية تابعة لحزب الاستقلال) ليتهم بن بركة بكونه وراء اغتيال عدد من المقاومين بين سنتي 1955 و1959، وذهب شباط أبعد من ذلك، ووصفه بـ"القاتل"، محملا إياه مسؤولية مجزرة ذهب ضحيتها مئات القتلى في مدينة سوق الأربعاء (شمال الرباط) في 1958. إلا أن "هيئة الإنصاف والمصالحة" أكدت على أن الحقائق التي توصلت إليها لا تشير من قريب ولا من بعيد لتورط أو مشاركة بن بركة في أي عمل من هذا القبيل. 

وكان أحد شيوخ الحركة الإسلامية (عبد الباري الزمزمي) قد أفتى في مقال نشره بجريدة "التجديد" الناطقة باسم حزب العدالة والتنمية، بعدم أحقية المهدي بن بركة بصفة "الشهيد". 

بل إن بن بركة تعرض للأذى حتى من بعض رفاقه الحزبيين، فبعد يوم من تأكيد خبر اختطافه في 29 أكتوبر 1965 في فرنسا، سارعت جماعة من خصومه في الذراع النقابي لحزبه بزعامة المحجوب بن الصديق أحد قادة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى التملص من التضامن مع الضحية، قائلين: "من يدرينا ماذا كان يفعل بن بركة في جولاته بالخارج؟! لعله ذهب ضحية تصفيات عصابات المخدرات (!!!)". 

ولم تتوقف أجهزة الجنرال محمد أوفقير، المتورط في جريمة الاختطاف والاغتيال، في فبركة الأكاذيب المضللة وبثها عبر أجهزة الإعلام الرسمي.  

وكان الحسن الثاني إثر عملية الاختطاف، أدلى بتصريحات ضد بن بركة المتهم بالخيانة العظمى والمحكوم غيابيا بالإعدام، ورفض تسليم الجنرال أوفقير للقضاء الفرنسي، كما أمر التلفزيون بعدم بث أي لقطة يظهر فيها بن بركة، خصوصا وأن الأرشيف المصور يتضمن أفلاما يظهر فيها بجانب الملك محمد الخامس ومع الحسن الثاني نفسه. إلا أن الملك في آخر حياته ألقى بعض عبارات الإطراء لصالح بن بركة، وردت في كتاب "ذاكرة ملك" (1993)، ثم أمر بإطلاق اسم المهدي بن بركة على أكبر شوارع الرباط، بحضور زعماء أحزاب اليسار، يتقدمهم وزير الداخلية إدريس البصري.  

صداقة الضحية والجلاد  

في 2019، تحدث الصحفي حميد برادة عن صلات "صداقة غير عادية" جمعت بن بركة بالجنرال أوفقير. وأعاد نشر نفس الكلام بأسبوعية "تيل كيل" الصادرة بالدار البيضاء، في مقال نعته نجل المهدي بن بركة بـ"المقال الملغوم". وللإشارة فإن الصحفي حميد برادة كان اتحاديا في الستينيات، ومن المحكومين بالإعدام غيابيا. وأن والده عبد القادر برادة ، من حزب الشورى والاستقلال، اختطف وجرت تصفيته رفقة صهره في بداية الاستقلال، في عملية تنسب لرجال بن بركة. وقد استفاد حميد برادة من العفو الملكي في الثمانينيات، وصار من المقربين من القصر في العهد الجديد. 

وبالاطلاع على بطاقات تعريف مطلقي الاتهامات ضد شخصية بن بركة، ومعرفة سيرهم ومآلاتهم، ندرك خلفيات الإصرار على اغتيال الرصيد الرمزي لزعيم اليسار التاريخي في المغرب (اليسار الذي يستحق اليوم وصفه بـ"التاريخي" بعد انتكاسته). ونعرف، كما يقول مثقف طنجاوي: "إنهم لا يتورعون عن تزوير التاريخ والتدثر بلباس الوطنية الزائفة". ومن هؤلاء الوزير السابق المحجوبي أحرضان، أمين عام حزب مخزني (توفي عام 2020)، وكان أورد في مذكراته أن "بن بركة بالنسبة إليه خائن وقاتل، ومجرد طامع في السلطة، وصفته الوحيدة التي التصقت به هي المكر، وهو من المتآمرين على الملكية". 

لكن الملك محمد السادس في الرسالة الملكية التي بعثها إلى المحتفلين في الرباط  بالذكرى الخمسين لاختفاء بن بركة (2015) أثنى عليه كرجل وطني، وأكد أن "بنبركة قد دخل التاريخ.. التاريخ الذي يمثل ذاكرة شعب بأكمله". ما زرع التفاؤل وقتها لدى عائلة بن بركة ورفاقه باقتراب حل الملف. لكن لا شيء حصل سوى التضليل والتلفيق والاعتداء على ذاكرة بن بركة، و"لا جديد تحت شمس الافتراء"، كما صرح البشير بن بركة الابن بعد نشر ملف "الغارديان". 

في الحاجة لشجاعة أنجيلا ميركل  

كل هذا وغيره يفضي إلى التساؤل حول مغزى هذه الهجومات، خصوصا عندما نجد زعيم ثورة الريف محمد عبد الكريم الخطابي لم ينج هو الآخر من الإساءة والتشويه.  فقد اتهم الخطابي بالعمالة لاسبانيا قبل انقلابه عليها، وبسرقة أموال المجاهدين، وأنه وظف هو الآخر الغازات السامة في الحرب. إلى نهاية التهم المنتقاة من قاموس القتل المعنوي.  

هي لعبة مفضوحة لخلط الأوراق، ولتضليل الرأي العام الوطني والدولي، لن تثني أصحاب الحق في مطلبهم من أجل استجلاء الحقيقة كاملة في قضية اختطاف بن بركة.   

حرب شرسة تخاض ضد الذاكرة، وأصحابها ينطلقون من أن السيطرة على المستقبل تقتضي السيطرة على الماضي، وأن السيطرة على الحاضر تبنى على السيطرة على التاريخ، وما دام التاريخ ليس في صالحهم فلا ضير من تزويره وإعادة كتابته و"تصحيحه". ألم يزعم رئيس وزراء إسرائيل السابق بنيامين نتنياهو أن فكرة الهولوكست هي نصيحة من الفلسطيني الحاج أمين الحسيني قدمها لهتلر، إلا أن المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ماركيل كذبت زعيم "الليكود"، محملة مسؤولية ما حدث إلى الألمان ولهتلر "الذي لم يكن بحاجة إلى نصيحة أحد". 

***  

كان الطعم الذي استدرج به المهدي بنبركة هو استشارته في صنع فيلم سينمائي حول قضية العالم الثالث، بعنوان "باسطا!" (كفى!). ويبدو أنهم في كل مرة يلجؤون إلى تعديل السيناريو وتنقيحه، وآخر ما تفتق عنه خيال السيناريست هو تحويل البطل الإيجابي في نهاية الفيلم إلى "جاسوس" ماكر، أليست هي هكذا أفلام الجريمة والغموض المليئة بالإثارة والتشويق؟   

- هل نردد كفى !... أم نستسلم ونستمتع، ونصمت على ترك جثة الضحية بلا قبر في عراء الإفلات من العقاب؟؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).