Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تعرض بن بركة تعرض للأذى حتى من بعض رفاقه الحزبيين، فبعد يوم من تأكيد خبر اختطافه سارعت جماعة من خصومه إلى التملص من التضامن مع الضحية
تعرض بن بركة تعرض للأذى حتى من بعض رفاقه الحزبيين، فبعد يوم من تأكيد خبر اختطافه سارعت جماعة من خصومه إلى التملص من التضامن مع الضحية

عبد الرحيم التوراني

رغم مرور أزيد من نصف قرن على ذلك اليوم البعيد، الذي اختفى فيه إلى الأبد زعيم المعارضة المغربي المهدي بن بركة، لم تتوقف مطاردة روحه وفكره، ولم تنته ملاحقته من قبل الجهات المسؤولة عن مصيره المأساوي، ملاحقة أخطر مما حصل معه وهو ينعم بالحياة. والهدف ليس دفن ملف القضية فقط، بل تشويه سيرته والإساءة إلى ذاكرته وأمجاده، وبالتالي إخراس الأصوات التي لا تزال تصر على المطالبة بالكشف عن حقيقة لغز هذا الاختطاف الذي يعد من أكبر ألغاز اغتيالات القرن العشرين. 

هذا ما يمكن استشفافه من مزاعم اتهمته بالتجسس وبأن بن بركة ليس بطلا أمميا ضد الإمبريالية صارع من أجل توحيد الحركات الثورية في العالم الثالث.  

المُروِّج المتجول للثورة  

فعشية نهاية السنة المنصرمة، استعيدت صفحة تم الاعتقاد بأنها طويت قبل عقد ونصف، إذ حدث تكرار لأزمة الإساءة لـ بن بركة، الذي ظلت تحركاته تحت مراقبة أكبر الشبكات الاستخباراتية العالمية، من "السي أي إيه" الأمريكية، والموساد الإسرائيلي، والـ"سيديك" الفرنسية، وصولا إلى جهاز "الكاب وان" في الرباط. التي سعت للتخلص من شخصيته المزعجة، بعد أن تحول إلى قائد أممي يرأس أكبر تكتل ضد الهيمنة الإمبريالية والاستعمارية (رئيس مؤتمر القارات الثلاث). وسبب تنحيته "يكمن في هذا الزخم الثوري لـ"التريكونتيننتال"، كما ذكر المؤرخ الفرنسي روني غاليسو. 

ورغم السنوات والعقود، وطول الانتظار للكشف عن الحقيقة الكاملة لعملية اختطافه من وسط باريس في يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965، لم يلتفت لمطالب العائلة ومعها القوى الديمقراطية والحقوقية عبر العالم، ولم تتم الاستجابة للإفراج عن وثائق القضية لدى فرنسا وأميركا. وسبق لـ"السي إيه أي" أن أقرت بامتلاكها لـ 1800 وثيقة تخص بن بركة، وعددها أكبر من الوثائق التي لديها حول رفيقه الثائر تشي غيفارا. إلا أن الانتظار تمخض عن "سبق صحفي" يزعم أن قائد اليسار المغربي في الستينيات لا يستحق الوصف الذي أطلقه عليه المؤرخ الفرنسي جان لاكوتور، حينما نعته بـ"الدينامو" و"المُروِّج المتجول للثورة"، ولم يكن ذاك "المفكر صاحب الشخصية الجذابة والمنظم السياسي" فقط، فلربما كان أيضا جاسوسًا وعميلا صغيرا لاستخبارات دولة صغيرة تابعة للاتحاد السوفييتي. 

"سبْقٌ" تصدر العديد من المواقع والصحف، وتلقته المجالس من غير تدقيق لمدى صدقيته وتحليل لخلفياته، خاصة أن الأمر يتصل بحقبة هامة من التاريخ السياسي للمغرب والعالم. إلا أن "الخبر" سرعان ما أعيد إلى أصحابه كقذيفة كروية ارتدت بعكس المجرى. إذ اصطفت القوى الديمقراطية والحقوقية، ممثلة بأطياف سياسية وثقافية عديدة في المغرب وخارجه، على رفض الإساءة إلى "عريس الشهداء"، والعبث بذاكرته الحية، باعتباره "رمزا لمقاومة الاستعمار والكفاح ضد الاستعمار الجديد والصهيونية والإمبريالية". 

من أجل حفنة دولارات  

الملف يطرح "عمالة المهدي بن بركة للمخابرات التشيكوسلوفاكية" أثناء الحرب الباردة. ولم يكن صعبا التذكر بأن المنشور ليس جديدا، بل هو تسخين لأكلة بائتة، جلبت من مطبخ 2006 حيث أعد أول مرة ونشر بـ "الإكسبريس" الأسبوعية الفرنسية. وتبنته نقلا عنها منابر أخرى، منها مجلة "جون أفريك" لصاحبها التونسي - الفرنسي بشير بنيحمد، الذي زاد من نسخ كمية ذلك العدد الموجه إلى الأكشاك المغربية، بعد أن خصص له غلافا مثيرا بصورة بن بركة.  

ليس خفيا أن من روجوا لهذه الإساءة وأطلقوها في البداية، لم يجنوا منها ما انتظروه. لتصل جهة ثانية (في حالة لم تكن نفس الجهة الأولى) لتقديم تلك "الأكلة" السيئة الطهي، في توقيت وظرفية مختلفة عما سبقها قبل 15 سنة. وبدل وضعها على مائدة من باريس، التي شهدت آخر ظهور لبن بركة ماشيا على قدميه في منتصف نهار خريفي دافئ ومشمس أمام مطعم "براسري ليب"، ستقدم فوق مائدة بعاصمة الضباب، بواسطة صحيفة "الغارديان" البريطانية، التي عمدت إلى نشر تقرير خاص في ملحقها الأسبوعي "الأوبزرفر"، جاء فيه أن "المهدي بن بركة كان جاسوسا"، عمل لفائدة الأجهزة السرية التشيكوسلوفاكية، "من أجل حفنة دولارات"، كما عنوان أحد أفلام رعاة البقر الإيطالية (وسترن سباغيتي)، الذي عرض سنة 1964، عاما قبل واقعة اختطاف بن بركة. 

بن بركة مهرب مخدرات! 

ما تضمنه تقرير "الإكسبريس" سنة 2006 من "سكوب" لا يختلف عن مضمون المعطيات التي أعيد نشرها في "الغارديان" يوم 26 ديسمبر 2021، بل إنه نسخة طبق الأصل من دون إضافة. والاختلاف الوحيد هو في اللغة، إذ تمت ترجمته من لغة المارشال فيليب بيتان إلى لغة المرأة الحديدية مارغريت تاتشر. ولا حقيقة معززة بالبرهان الساطع والحجة الموثقة الدامغة، لم يكن صعبا على المخلصين لذاكرة بنبركة دحض وتفنيد اتهامات "الوثائق السرية" المزعومة. بما أنها معطيات متناقضة إجمالا وتفصيلا مع شخصية صاحب "الاختيار الثوري" ومع تاريخه، وفق ما تناقله عنه أصدقاؤه ورفاقه وعدد كبير من الشخصيات العالمية التي عايشته وأتت على ذكره في شهاداتها، بصفته مناضلا ومثقفا موسوعيا حاد الذكاء، كافح بإيمان منذ يفاعته وعلى امتداد سنوات عمره القصير (45 سنة) من أجل سيادة الحرية والديمقراطية والعدالة في بلده وفي العالم الثالث. 

لكنها ليست الأولى في تجريب تشويه سيرة بن بركة. فقد اتهم بعيد استقلال المغرب، بتسيير عصابة لتصفية عدد من رجالات المقاومة ضد المستعمر الفرنسي، أبرزهم المقاوم عباس المسعدي. وتزعم الاتهام الدكتور عبد الكريم الخطيب راعي تنظيمات الإسلاميين في المغرب (حزب العدالة والتنمية)، من ضمنهم وفتح لهم مجال العمل ضمن إطار الشرعية.  

وفي 2009 لم يتردد حميد شباط الأمين العام للاتحاد العام للشغالين (مركزية نقابية تابعة لحزب الاستقلال) ليتهم بن بركة بكونه وراء اغتيال عدد من المقاومين بين سنتي 1955 و1959، وذهب شباط أبعد من ذلك، ووصفه بـ"القاتل"، محملا إياه مسؤولية مجزرة ذهب ضحيتها مئات القتلى في مدينة سوق الأربعاء (شمال الرباط) في 1958. إلا أن "هيئة الإنصاف والمصالحة" أكدت على أن الحقائق التي توصلت إليها لا تشير من قريب ولا من بعيد لتورط أو مشاركة بن بركة في أي عمل من هذا القبيل. 

وكان أحد شيوخ الحركة الإسلامية (عبد الباري الزمزمي) قد أفتى في مقال نشره بجريدة "التجديد" الناطقة باسم حزب العدالة والتنمية، بعدم أحقية المهدي بن بركة بصفة "الشهيد". 

بل إن بن بركة تعرض للأذى حتى من بعض رفاقه الحزبيين، فبعد يوم من تأكيد خبر اختطافه في 29 أكتوبر 1965 في فرنسا، سارعت جماعة من خصومه في الذراع النقابي لحزبه بزعامة المحجوب بن الصديق أحد قادة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى التملص من التضامن مع الضحية، قائلين: "من يدرينا ماذا كان يفعل بن بركة في جولاته بالخارج؟! لعله ذهب ضحية تصفيات عصابات المخدرات (!!!)". 

ولم تتوقف أجهزة الجنرال محمد أوفقير، المتورط في جريمة الاختطاف والاغتيال، في فبركة الأكاذيب المضللة وبثها عبر أجهزة الإعلام الرسمي.  

وكان الحسن الثاني إثر عملية الاختطاف، أدلى بتصريحات ضد بن بركة المتهم بالخيانة العظمى والمحكوم غيابيا بالإعدام، ورفض تسليم الجنرال أوفقير للقضاء الفرنسي، كما أمر التلفزيون بعدم بث أي لقطة يظهر فيها بن بركة، خصوصا وأن الأرشيف المصور يتضمن أفلاما يظهر فيها بجانب الملك محمد الخامس ومع الحسن الثاني نفسه. إلا أن الملك في آخر حياته ألقى بعض عبارات الإطراء لصالح بن بركة، وردت في كتاب "ذاكرة ملك" (1993)، ثم أمر بإطلاق اسم المهدي بن بركة على أكبر شوارع الرباط، بحضور زعماء أحزاب اليسار، يتقدمهم وزير الداخلية إدريس البصري.  

صداقة الضحية والجلاد  

في 2019، تحدث الصحفي حميد برادة عن صلات "صداقة غير عادية" جمعت بن بركة بالجنرال أوفقير. وأعاد نشر نفس الكلام بأسبوعية "تيل كيل" الصادرة بالدار البيضاء، في مقال نعته نجل المهدي بن بركة بـ"المقال الملغوم". وللإشارة فإن الصحفي حميد برادة كان اتحاديا في الستينيات، ومن المحكومين بالإعدام غيابيا. وأن والده عبد القادر برادة ، من حزب الشورى والاستقلال، اختطف وجرت تصفيته رفقة صهره في بداية الاستقلال، في عملية تنسب لرجال بن بركة. وقد استفاد حميد برادة من العفو الملكي في الثمانينيات، وصار من المقربين من القصر في العهد الجديد. 

وبالاطلاع على بطاقات تعريف مطلقي الاتهامات ضد شخصية بن بركة، ومعرفة سيرهم ومآلاتهم، ندرك خلفيات الإصرار على اغتيال الرصيد الرمزي لزعيم اليسار التاريخي في المغرب (اليسار الذي يستحق اليوم وصفه بـ"التاريخي" بعد انتكاسته). ونعرف، كما يقول مثقف طنجاوي: "إنهم لا يتورعون عن تزوير التاريخ والتدثر بلباس الوطنية الزائفة". ومن هؤلاء الوزير السابق المحجوبي أحرضان، أمين عام حزب مخزني (توفي عام 2020)، وكان أورد في مذكراته أن "بن بركة بالنسبة إليه خائن وقاتل، ومجرد طامع في السلطة، وصفته الوحيدة التي التصقت به هي المكر، وهو من المتآمرين على الملكية". 

لكن الملك محمد السادس في الرسالة الملكية التي بعثها إلى المحتفلين في الرباط  بالذكرى الخمسين لاختفاء بن بركة (2015) أثنى عليه كرجل وطني، وأكد أن "بنبركة قد دخل التاريخ.. التاريخ الذي يمثل ذاكرة شعب بأكمله". ما زرع التفاؤل وقتها لدى عائلة بن بركة ورفاقه باقتراب حل الملف. لكن لا شيء حصل سوى التضليل والتلفيق والاعتداء على ذاكرة بن بركة، و"لا جديد تحت شمس الافتراء"، كما صرح البشير بن بركة الابن بعد نشر ملف "الغارديان". 

في الحاجة لشجاعة أنجيلا ميركل  

كل هذا وغيره يفضي إلى التساؤل حول مغزى هذه الهجومات، خصوصا عندما نجد زعيم ثورة الريف محمد عبد الكريم الخطابي لم ينج هو الآخر من الإساءة والتشويه.  فقد اتهم الخطابي بالعمالة لاسبانيا قبل انقلابه عليها، وبسرقة أموال المجاهدين، وأنه وظف هو الآخر الغازات السامة في الحرب. إلى نهاية التهم المنتقاة من قاموس القتل المعنوي.  

هي لعبة مفضوحة لخلط الأوراق، ولتضليل الرأي العام الوطني والدولي، لن تثني أصحاب الحق في مطلبهم من أجل استجلاء الحقيقة كاملة في قضية اختطاف بن بركة.   

حرب شرسة تخاض ضد الذاكرة، وأصحابها ينطلقون من أن السيطرة على المستقبل تقتضي السيطرة على الماضي، وأن السيطرة على الحاضر تبنى على السيطرة على التاريخ، وما دام التاريخ ليس في صالحهم فلا ضير من تزويره وإعادة كتابته و"تصحيحه". ألم يزعم رئيس وزراء إسرائيل السابق بنيامين نتنياهو أن فكرة الهولوكست هي نصيحة من الفلسطيني الحاج أمين الحسيني قدمها لهتلر، إلا أن المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ماركيل كذبت زعيم "الليكود"، محملة مسؤولية ما حدث إلى الألمان ولهتلر "الذي لم يكن بحاجة إلى نصيحة أحد". 

***  

كان الطعم الذي استدرج به المهدي بنبركة هو استشارته في صنع فيلم سينمائي حول قضية العالم الثالث، بعنوان "باسطا!" (كفى!). ويبدو أنهم في كل مرة يلجؤون إلى تعديل السيناريو وتنقيحه، وآخر ما تفتق عنه خيال السيناريست هو تحويل البطل الإيجابي في نهاية الفيلم إلى "جاسوس" ماكر، أليست هي هكذا أفلام الجريمة والغموض المليئة بالإثارة والتشويق؟   

- هل نردد كفى !... أم نستسلم ونستمتع، ونصمت على ترك جثة الضحية بلا قبر في عراء الإفلات من العقاب؟؟

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).