Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

احتفالات نيويورك بعام 2022
احتفالات نيويورك بعام 2022

عريب الرنتاوي

الأحداث والتطورات الجسام، لا تتنظر لحظة "العد العكسي" المميزة في "تايمز سكوير" لتوديع عام واستقبال آخر، حتى تُحدث استدارتها، فتطوي فصلاً أو تفتح آخر...ما سيحدث في عامنا الجديد، هو امتداد ثقيل لما شهده عامنا المنصرم، وما سبقه من أعوام...وبهذا المعنى، يبتعد "الاستشراف" عن لغة "العرّافين"، مكتفياً برصد "الاتجاهات الكبرى" للأحداث والتطورات، تاركاً المجال دوماً، لمفاجآت لم تخطر ببال، ولهامشٍ من الخطأ والصواب، سيما في إقليم كالشرق الأوسط، رماله متحركة ومياهه هائجة طيلة فصول السنة. 

وبهذا المعنى أيضاً، يمكن الافتراض بأن الصراع الدولي على الإقليم، سيتواصل في السنة المقبلة، وربما بجرعة أعلى من احتدام المنافسة، فليس صدفة أن تغلق السنة الفائتة آخر أيامها على خبرين من العيار الثقيل: وقف العمل بميناء صيني (قاعدة) في الإمارات، واستمرار العمل بمنشأة سعودية لإنتاج الصواريخ البالستية الصينية كذلك...أما روسيا، فستواصل مدّ نفوذها في الإقليم، من سوريا مروراً بليبيا، وصولاً إلى بورتسودان ومالي والساحل والصحراء. 

وليس صدفة أن يكون "داعش" على موعد مع طريق الحرير الصينية في القارة السمراء، وأن تتطابق جغرافية انتشار مقاتليه مع خرائط "الطريق والحزام"، بعد أن تحول في بلاد الشام إلى "بقايا" و"فلول"...أفريقيا، هي الوجهة الجديدة للإرهاب العالمي، ومن غير المستبعد، أن يعيد "داعش" فيها، إنتاج تجربة القاعدة في أفغانستان ضد "العدو الأحمر"، فينبري متصدياً لتفشي "الخطر الأصفر" في أفريقيا، ليبقى السؤال مشروعاً حول مواقف الأطراف الدولية من "رايات الخلافة السوداء"، وما إذا كانت ستواجهها بما يليق بها من قوة وحزم، أم أنها ستدير ظهرها لها تاركةً المهمة لغيرها، مُغمضة الأعين عن خطرها المتنقل ككرة النار، من بلد لآخر ومن قارة لأخرى. 

ليس من قبيل المبالغة القول، بأن العام الفائت سجّل انتكاستين كبريين لمسار الانتقال الديمقراطي في العالم العربي: السودان وتونس، وأن حال الحريات وحقوق الانسان انتكس في معظم دوله، كما أننا لن نبالغ إن "استشرفنا" مزيداً من القمع والاستبداد، مقابل المزيد من الاحتجاجات والانتفاضات المتنقلة والمتعاقبة...أزمة الاقتصاد التي ترخي بثقلها الكئيب على شعوب منطقتنا، معطوفة على جائحة صحية وانسداد سياسي، تُبقي المنطقة برمتها فوق مرجل يغلي، وتجعلنا نتأكد من خلاصة انتهينا إليها من قبل: مهمة الربيع العربي لم تنته بعد، وإن كان "معسكر الثورة المضادة" قد سجل بعض النجاحات والانتصارات. 

ولن تكون "أم المفاجآت" إن واصل الإسلام السياسي، الإخواني بخاصة، مسلسل انهياراته المتلاحقة، من مصر مروراً بالمغرب وتونس، وعطفاً على السودان، وليس انتهاء بالعراق والجزائر وليبيا واليمن...الإسلام السياسي في هبوط مضطرد، ولكن ما يُبقيه على مقاعد "الاحتياط" غياب أي بديل ثالث، عنه وعن الدولة العميقة وحكم العسكر والجنرالات. 

حالة السيولة بين المحاور الإقليمية، والتي أطلت برأسها في السنة قبل الفائتة، وتحولت إلى "ترند" بعد انتخاب إدارة بايدن، ستواصل مفاعيلها...تركيا ستسجل اختراقاً في استعادة علاقاتها مع السعودية ومصر وإسرائيل، أما إيران فإن نجاحها أو فشلها بهذا المسعى، رهن بمفاوضات فيينا من جهة، واستعدادها للتخلي عن "أدواتها الخشنة" في سياستها الخارجية وعلاقاتها بدول الإقليم. 

إسرائيل بدورها، ستواصل حث مسار التطبيع مع الدول العربية، حتى وهي تلحظ بأن وجهة هذا التطبيع واتجاهاته، لم تعد مواجهة طهران، وبناء "حلف استراتيجي شرق أوسطي" لاحتوائها وعزلها...هي تعرف أن مياه كثيرة قد جرت في أنهار المنطقة بعد رحيل ترامب ونتانياهو، وهي تدرك أن التطبيع فقد زخمه كحلف استراتيجي في مواجهة إيران، ولكنها ليست بوارد التخلي عن الثمار الأخرى المترتبة عليه...ولا يختلف حال الدول العربية "المطبعة" عن حال إسرائيل، بعد أن استدخلت "التطبيع" في صميم حساباتها الداخلية ومصالح أنظمتها الحاكمة، وغالباً في مواجهة "الآخر" في المنظومة العربية: المغرب في الصراع من أجل الصحراء، والإمارات في السباق مع السعودية، والسودان في حرب العسكر ضد المسار الانتقالي. 

وإن نحن هبطنا من "العام" إلى "الخاص"، فسنرى "المزيد من الشيء ذاته"...لا تغيير جدياً سيطرأ على المسار الفلسطيني، فلا مصالحة وطنية فلسطيني في الأفق المرئي، ولا عملية سلام ذات مغزى مع إسرائيل، جديد السنة الجديدة، أن فريقاً فلسطينياً قرر على ما يبدو "التكيف" مع مقتضيات "السلام الاقتصادي" و"نظرية تقليص الصراع" التي يرفع لواءها بينت – لبيد – غانتس، حتى وإن ظل "لفظياً"، يشدد على "المسار السياسي" و"حل الدولتين"...السنة الفائتة سجلت في مختتمها بدء عملية التكيف هذه، بلقاء رأس العين بين عباس وغانتس، و"الحبل على الجرار".

اليمن بانتظار استحقاقين سياسيين وثالث "ميداني"، في السياسة، سيكون لنتائج مفاوضات فيينا والقناة البغدادية للحوار السعودي الإيراني، أشد الأثر على وجهة واتجاه الأزمة اليمنية، أما ميدانياً، فإن "أم المعارك" في مأرب، سيكون لها ما بعدها...فإما أن ينتحر الحوثي عند سدّها التاريخي الأشهر، أو أن تودع الشرعية (والإخوان) آخر معاقلها في شمال البلاد، بعد أن ودّعت آخر معاقلها في الجنوب، شبوة، ولكن لصالح الانفصاليين الجنوبيين المدعومين من أبو ظبي. 

العراق يستقبل عاماً جديداً، بدأ بسحب القوات الأمريكية القتالية منه، وتلقي حلفاء إيران الأقربين هزيمة نكراء في انتخابات أكتوبر البرلمانية...ثمة فرصة أمام العراق للتخلص من وظيفته كـ"صندوق بريد" بين واشنطن وطهران، لكن طريق العراقيين للأمن والاستقرار والازدهار، لا تقاس بالسنوات، بل بالعقود...وما ينطبق على العراق ينطبق على سوريا ولبنان كذلك، فطريق هذين البلدين للتعافي، ما زال مديداً ومريراً، وهو سيتأثر حكماً، بنتائج مفاوضات فيينا ومستقبل العلاقات السعودية الإيرانية، ومآلات التنافس الإيراني الروسي في سوريا وعليها، ودور إسرائيل الذي خرج عن كل حدود "المتوقع"، سيما بعد الاستهدافات غير المسبوقة لميناء اللاذقية والعمق السوري، وإخفاق دمشق وحلفائها في خلق "منظومة ردعية" للاستباحة الإسرائيلية، وسط تواطؤ روسي مع تل أبيب، يصل حد منحها "ضوءاً برتقالياً" للعربدة بحرية في السماوات السورية. 

جديد السنة الجديدة، ربما يأخذ شكل انفجارات/مفاجآت، لا نستبعد حدوثها في دولٍ ضربها الربيع العربي من قبل مثل مصر، أو لم يضربها بقسوة مثل الأردن، وحال البلدين ينطبق على مروحة أوسع من الدول، التي تجلس فوق مرجلٍ يغلي، يتكئ إلى ثلاث قوائم: ضنك العيش وقسوة الجائحة والانسداد السياسي، إلى غير ما هنالك من عوامل ودوافع، قادت لاندلاع ثورات الربيع العربي وانتفاضاته قبل أزيد من عقد، وما زالت تتفاعل كامنةً تحت السطح، بانتظار "صاعق التفجير" الذي لا يعرف أحداً متى يأتي وكيف وأي شكل سيتخذ؟ 

جديد سنتنا الجديدة، قديم يجري تظهيره، وتفاعلات ستبلغ مداها، بعضها سيترك أثراً في دزينة الأشهر القادمة، فيما بعضها قد ينتظر الترحيل لسنة جديدة إضافية.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).