Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"علينا أن نتعلم تحديد المسؤوليات الحقيقية. هذا هو الشرف الحقيقي"
"علينا أن نتعلم تحديد المسؤوليات الحقيقية. هذا هو الشرف الحقيقي"

سناء العاجي

صورتك أمام الناس، أهم من مشاعر  ابنتك. أهم من طموحاتها وأحلامها.  

حين تكون هناك إمكانية لأن يتكلم المجتمع والجيران وحارس العمارة والبقال الذي يوجد في آخر الشارع عن سمعة وشرف ابنتنا، فمن المستحيل أن نسمح لها بالدراسة في مدينة أخرى، أو بعدم وضع الحجاب (الحجاب اختيار طبعا... لكن ماذا سيقول الناس؟) أو بخلعه بعد ارتدائه أو... بالرقص على تيكتوك أو بنشر صورتها (الحقيقية أو المفبركة) على الفيسبوك أو بالسفر بمفردها أو الضحك بصوت عال أو البكاء بصوت مسموع أو حتى... بالحلم! من يدري؟ لعل الجيران يطلعون على الأحلام! 

حتى الإشاعة الصغيرة قد تهدد شرف العائلة.  

ابنتك قاصر طبعا. أنت أو أخوها وجدها (وابنها لاحقا) يفترض أن تأخذوا كل القرارات التي تتعلق بسفرها وزواجها وحجابها وتعليمها (إن تعلمت). لكن، في نفس الوقت، فهي تتحمل مسؤولية شرف العائلة بأسرها. لا تَناقض في الموضوع. أين ترى التناقض؟ جسد البنت وحده يحمل علامات الشرف.

الدين لم يفرق بين الرجال والنساء في الممارسة  الجنسية خارج الزواج؟ نعم، لكن، ابنك يستطيع أن "يلعب" كما يشاء. جسده لا يدنس العائلة! صورتنا أمام الجيران والعائلة مهمة. الولد يتزوج دائما في النهاية. لكن، البنت، لا، فشرف العائلة من شرفها! 

هذا مختصر الحكاية!  

حكاية يختلط فيها الظلم بالجهل بقهر النساء في مجتمعات تختزل الشرف في أجسادهن (وليس في السلوكيات اليومية لكل المواطنين، رجالا ونساء، وفي احترام الآخر وفي قيم المواطنة). حكاية نجد فيها  أنفسنا أمام حلقة جديدة من آلاف حكايات الظلم باسم فزاعة "الشرف".  

إنها حكاية بسنت خالد، شابة مصرية لم يكن عمرها يتجاوز السابعة عشر. انتحرت بسنت بعد أن تعرضت للابتزاز من طرف مجرم فبرك صورا لها ونشرها على مواقع التواصل.  

طبعا، لم يفكر الوالدان أساسا في احتمال الفبركة، ولا فكرا في دعم ابنتهما أمام المبتز والتوجه للشرطة. قبل كل ذلك، فكرا: ماذا سيقول الناس؟ كيف ستكون صورتنا أمام الجيران؟ 

بل حتى بعد أن تركت بسنت رسالة موجعة تقسم فيها لأمها بأن الصور مفبركة وأنها تشعر بالقهر والألم والاكتئاب، وحتى بعد أن وضعت حدا لحياتها؛ بقي الوالدان يتحدثان عن "أخذ الحق... لأن صورة العائلة وشرفها في المحك"! هذا كل ما يهم! لا حياة بسنت ولا وجعها ولا الظلم الذي تعرضت له! 

الآن، لنفترض أساسا أن الصور حقيقية وليست مفبركة. ألا يفترض في الأسرة دعم الفتاة؟ هل، لو كانت الصور حقيقية، يكون من حق الأهل والجيران والمجتمع ممارسة هذا الضغط الرهيب عليها حتى تقدم  على الانتحار؟ هل، لو كانت الصور حقيقية واستعملها ضدها شخص آخر، سنعتبر أنها تستحق التشهير وتستحق الضغط النفسي الذي أدى بها للانتحار؟

أليس هذا الضغط الرهيب هو ما يشجع المجرمين على ابتزاز الفتيات، لأنهم يعرفون جيدا أنهن سيخفن من الفضيحة ويرضخن؟ أم أنها ضحية للابتزاز والتشهير سواء كانت الصور حقيقية أو مفبركة؟ وأنها ضحية مجتمع يختزل كل همومه في جسد النساء، حتى حين يكون هناك مجرم حقيقي في مكان ما من اللعبة؟ 

إلى متى سنستمر في توجيه اللوم للضحايا، بدلا من تحميل المسؤلية للمجرمين الحقيقين؟ المبتز، لكن أيضا كل من ساهم في نشر الصور، وأيضا الأسرة التي يفترض أن تدرك أن نفسية ومصلحة أبنائها، أهم وأسبق وأقوى مما سيقوله الناس.

في الواقع، المجتمع برمته مجرم في قضايا من هذا النوع؛ لأن هذا المجتمع، عليه أن يتعلم عدم التدخل في شؤون الآخرين. عليه أن يتوقف عن "القتل" غير المباشر للضحايا: ضحايا الاعتداء الجنسي والاستغلال والابتزاز والتحرش. آن الأوان لكي نعي بأن اللوم و"الفضيحة" و"العيب" يجب أن يغيروا الوجهة ليصبحوا من نصيب المجرمين، وليس الضحايا. 

لا يمكننا أن نستمر في إلقاء اللوم على النساء، بسبب ملابسهن، بسبب صور حقيقية أو مفبركة، بسبب رسائل أخرجت من سياقها، بسبب تغريدة قديمة أو ضحكة أو بسبب وجودها في مكان ما بالصدفة. 

علينا أن نتعلم تحديد المسؤوليات الحقيقية. هذا هو الشرف الحقيقي.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).