Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جانب من الاحتجاجات التي شهدتها بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة
جانب من الاحتجاجات التي شهدتها بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة

عمران سلمان

هل الأزمة في المجتمعات العربية هي أزمة سياسة أم اقتصاد أم فكر أم ثقافة أم دين.. الخ؟ 

رب قائل يقول إنها كل ذلك مجتمعة، وهذا قد يكون صحيحا إلى حد ما، ولكن السؤال العملي هو ما الذي يجعل الاستبداد أمرا ممكنا أو سلوكا مقيما في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية رغم تغير الظروف والأحوال؟ والسؤال الآخر المكمل له هو: هل الاستبداد أو عقلية الاستبداد محصورة فقط في الحكومات أو أنظمة الحكم أم هي منتشرة أيضا في المجتمع؟

الإجابة المباشرة هي أن الاستبداد ثقافة منتشرة في مجتمعاتنا وأكثر من ذلك هو أيضا سلوك جرى تأصيله عبر التاريخ بواسطة الدين والثقافة والاجتماع.

والملمح الأعمق الذي يمكن ملاحظته هو ذلك الفارق الرهيب بين مكانة الحكام أو الخلفاء وبين مكانة الناس العاديين. التاريخ الذي يقدم لنا والمعتمد في المناهج الدراسية أيضا كله مركز في جهة واحدة وهي جهة الحاكم، حروبه ومعاركه وتحالفاته ومتعه ولهوه وعلاقته بالنساء والقصور.. الخ، بينما يندر الحديث عن الأفراد العاديين. وحتى عندما يجري الحديث عن هؤلاء فهو يجري بسبب علاقتهم بالحاكم من قريب أو بعيد وليس لشأنهم الخاص. 

وقد أشبعت كتب التراث من أحاديث وفقه وما شابه هذه العلاقة قولا وبحثا إلى الدرجة التي شرعت فيه لعبودية الإنسان للحاكم وإن بطريقة مواربة أو غير مباشرة، فبما أن المسلم هو عبد لله وبما أن الحاكم هو ولي أمر المسلمين والساهر عمليا على تطبيق شرع الله والحامل للوائه، فإن طاعة الحاكم تدخل في إطار طاعة الله أو على الأقل في إطار شيء مشابه لذلك، مما نظّر له الفقهاء عبر التاريخ من عدم جواز الخروج على الحاكم، إلا بشروط، وهذه الشروط في الغالب يتم تصميمها لمصلحة حاكم آخر، ينتظر دوره للقفز على الكرسي ويجلب معه حاشيته الجديدة.  
لكن الأمر لا يقتصر على الطاعة للحاكم فقط، وإنما يذهب أبعد من ذلك.  

والملمح الأبرز الذي يمكن ملاحظته هنا هو الدور الرهيب لفكرة التقديس في الثقافة العربية والإسلامية. التقديس ليس بمعنى تعظيم شيء أو شخص ما، ولكن بمعنى الانسحاق التام أمام المقدس، وإلى درجة التضحية بالأرواح وما دونها في سبيله.   

وهذا المقدس قد يكون شخصا وقد يكون فكرة وقد يكون جمادا، المسألة الأهم هنا هي العلاقة بين الإنسان وهذا المقدس. هذه العلاقة هي عادة في اتجاه واحد وهي غير خاضعة للمساءلة أو النقد.  

وثقافة التقديس استفاد منها الحكام والزعماء السياسيون ورجال الدين وحتى بعض الأشخاص ممن يلعبون أدوارا اجتماعية أو ثقافية معينة.  

ويمكن ملاحظة أثر التقديس في ردة الفعل الغاضبة، بل والعنيفة أحيانا، لدى الكثير من المسلمين عندما يتم توجيه الانتقاد إلى بعض زعمائهم السياسيين أو الدينيين، ولا فرق إن كان هؤلاء أحياء أو أموات.

وليس مهما ما إذا كان الانتقاد صحيحا أم خاطئا، إن مجرد فكرة الانتقاد نفسها تصبح غير مقبولة لأنها تمس شيئا أو شخصا أصبح مقدسا وبالتالي غير قابل للمساءلة.

والطاعة والتقديس لا يكونان ممكنين الا عندما يتم ربطهما بأمر آخر قوي وهو الأفضلية. أي خلق وترسيخ القناعة لدى الأفراد بأنهم ينتمون إلى كل ما هو أفضل (الإسلام أفضل ديانة والعربية أفضل لغة.. الخ). وهكذا لا يمانع الفرد في تقديم الطاعة والتقديس ما دام أن الثمن المقابل هو التشريف العظيم من قبل الله بأن يكون في الموقع الذي هو فيه!

الواقع أن ثقافة الطاعة وثقافة التقديس وثقافة الأفضلية تخدم الاستبداد بصورة نموذجية، لأنها ترتبط مباشرة بالحقيقة المطلقة – الشكل الأكثر تجليا للاستبداد – وهي الحقيقة التي يعتقد المؤمن بها بأنها الوحيدة الموجودة أو التي تستحق أن توجد أو الذي وجودها هو فعل ضرورة وليس ممكنا!  

وبالطبع كلما زادت الحقائق المطلقة في حياة الإنسان كلما كان ميله للاستبداد أكبر، فهو حينها لا يرى ضرورة لمشاركة الآخرين أفكارهم أو آرائهم لأنها مهما بلغت قيمتها تظل في مستوى أدنى وأقل أهمية. 

لذلك فإن الباحثين عن حلول للأزمات في مجتمعاتنا ربما يتعين عليهم أن لا يكتفوا فقط بالانشغال بالسياسة أو الاقتصاد، ولكن النظر أعمق من ذلك في البناء الثقافي والديني ومنظومة القيم السائدة في هذه المجتمعات.
فهذا البناء وهذه المنظومة هي التي جعلت وتجعل من الاستبداد منتجا أصيلا في البيئة العربية والإسلامية، بل ومقبولا في أحيان كثيرة وإن جرى تغليفه بالشعارات والمبادئ والثوابت والخبرة وما شابه.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).