Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أصبح بنكيران يحرص على ارتداء الزي التقليدي الشعبي منذ فشله في القيام بمهمة تشكيل الحكومة في مارس 2017
أصبح بنكيران يحرص على ارتداء الزي التقليدي الشعبي منذ فشله في القيام بمهمة تشكيل الحكومة في مارس 2017

عبد الرحيم التوراني

وضع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية "البيجيدي" عبد الإله بنكيران نفسه موضع سخرية وانتقادات لاذعة، عندما اختار اليوم الأول من السنة الجديدة 2022 ليجتمع بالأطر المحلية والجهوية لحزبه، ويخاطبهم بكلمة توجيهية، لم تتخلص من ثقل شوائب الشعبوية المتكلسة، ولا من استجلاب الفرجة والإثارة بمعناها الجديد وفق ظاهرة "البوز" Buzz  بمواقع التواصل الرقمي.  

وصل بنكيران إلى مقر الحزب وسط الرباط، بسيارة فاخرة من سيارات المربد الملكي، كان بنكيران نفسه أخبر أنها هدية له من الملك محمد السادس الذي أنعم عليه بتقاعد استثنائي غير مسبوق (تسعة آلاف دولار شهريا)، محاطا بحراس شخصيين تؤدى رواتبهم أيضا من خزينة الدولة. ولأنه أصبح يحرص على ارتداء الزي التقليدي الشعبي منذ فشله في القيام بمهمة تشكيل الحكومة في مارس 2017، فقد بدا بجلباب رمادي أنيق وقميص من درجات اللون نفسه من دون ربطة عنق، مع شعر رأس قصير ولحية شبه حليقة، وغزا الشيب الأبيض الرجل الذي يخطو نحو السبعين من سنوات عمره. 

تطرق بنكيران في كلمته المرتجلة إلى الأسباب التي أدت بـ "البيجيدي" إلى التقهقر في الاستحقاقات البرلمانية التي جرت في 8 سبتمبر 2021، بعدما كان في المقدمة مترئسا للحكومة على مدى عقدين. واصفا ما حدث بالتسونامي وبالكارثة، مستدركا أن التعبير الأدق تلخصه اللفظة الدراجة العامية "التْكَرْدِيعَة" (الكاف جيم مصرية). مستثنيا من الأسباب توقيع الأمين العام السابق سعد الدين العثماني من موقعه رئيسا للحكومة المغربية على وثيقة التطبيع مع إسرائيل في ديسمبر 2020. نافيا أن يكون موقف "البيجيدي" من إسرائيل قد يتغير، بل "سيظل ضد التطبيع بدون شك ولا خلاف". وأضاف إنه "لا يمكن لأحد أن يؤاخذنا على موقف حزبنا من التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو يلزمنا بموقف معين". خصوصا وأن الإسرائيليين "لازالوا يسيئون إلى إخواننا الفلسطينيين ويأخذون أراضيهم ويجرفون أشجارهم ويعتدون عليهم". مستغربا من "هرولة البعض نحو التطبيع بأي شكل من الأشكال". مع التأكيد على أنهم في الحزب يتفهمون موقف الدولة ولن يدينوه. ولا تناقض في كل هذا حسب رأي بنكيران. 

لكل مقام مقال 

سبق لعبد الإله بنكيران أن صرح في أول ظهور له بعد عودته لقيادة سفينة العدالة والتنمية في ديسمبر الماضي، بأن "علاقات المغرب مع إسرائيل قديمة، لكن لولا الجزائر ما وصلت إلى هذا الحد". وكأن الأمين العام لـ"البيجيدي" يسعى لمسح موقفه السابق، لما خرج في اليوم التالي لتوقيع التطبيع، وقام بمهمة قمع قواعد "البيجدي" التي بدأت تتململ وتستعد للتمرد ضد قيادتها. ومما قاله في تلك المناسبة: "لأننا حزب مؤسسات، وأيضاً نحن حزب يقود الحكومة، ولا يمكن خذلان الدولة في قضية حرجة". وأن "المغرب يعرف ما يفعل، وجلالة الملك يعرف مصلحة البلاد". 

واليوم، وقد اصطف حزب "البيجيدي" في المعارضة، فإن بنكيران بصدد تطبيق ما عبر عنه غداة التطبيع، حين قال إن وجود حزبه في الحكومة "يفرض عليه القبول بكل القرارات، وإذا كان سيرفض أي قرار فالمفروض أن يظل في المعارضة، وحينها يمكن أن يقول ما يشاء، أما والحال أن الحزب يترأس الحكومة وأمينه العام هو الرجل الثاني في الدولة، فلا يمكن للرجل الثاني أن يخرج عن الرجل الأول". 

إننا أمام ما وصفه الأسلاف بـ "لكل مقام مقال". لكن يجب إتمام القول: بأن "لكل زمان رجال، ولكل ساقطة لاقطة، ولكل طعام آكله". لذلك لا يجد بنكيران اليوم من يقدم على تلذذ طبخته وأكلته الجديدة، بعد أن أثار كلامه موجة انتقادات واسعة في صفوف الرأي العام، خاصة وأن العقيدة السياسية لحزب العدالة والتنمية مؤسسة على رفض التطبيع. وقد عبرت عدد من التدوينات بمواقع التواصل الاجتماعي عن امتعاضها الشديد وعن سخريتها من انتقال الإسلاميين من الموقف إلى نقيضه. ما جعل البعض يتكلم عن "قمة النفاق"، وبأن "الكذب والفساد والنفاق سلعة رائجة لدى المتاجرين بالدين". وبأن "كذب بنكيران لا يمكن أن ينطلي على أحد. ألم يكن حزبك هو الذي وقع على التطبيع مع العدو الصهيوني؟ ألم يكن من الأجدر بك أن تغرب بوجهك إلى الأبد عن الساحة". وكتب آخر إن "كلام بنكيران من المزايدات السياسية والنفاق ليس غير، وهو توزيع أدوار، بعدما أصبح الأمر معروفا ومكشوفا عند الفرع المغربي لتنظيم للإخوان المسلمين". 

وتجدر الإشارة إلى أن بنكيران كان مضي شهرين على توقيع المغرب لوثيقة التطبيع مع إسرائيل، حاول امتصاص غضب حلفائه الإسلاميين في المنطقة، وقال بتاريخ 18 فبراير 2021 "إن الدولة التي يسيرها الملك هي التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل وليس حزب "العدالة والتنمية". ثم هاجم بالمناسبة ذاتها المنتقدين من الإسلاميين في العالم، ونعتهم بـ"الأغبياء" لعدم فهمهم الخصوصية المغربية. 

التخلي عن الفلسطينيين 

لم ينس بنكيران في نفس الكلمة التوجيهية لأول السنة الجديدة مهاجمة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، وسماه بـ"الغدار" و"البلطجي"، لكون الأخير أخلف اتفاقه معه و"تآمر عليه مع عزيز أخنوش (رئيس التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة الحالي)، عندما كان بنكيران مكلفا بتشكيل الحكومة إثر نتائج انتخابات 2016. وأضاف بنكيران إن لشكر أهلك حزب الاتحاد وأساء إلى تاريخه ولتراثه النضالي فأوصله اليوم إلى الحضيض. تلميحا للأزمة المتفاعلة حاليا داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، ووجود إدريس لشكر وسط مؤاخذات حادة، بعدما مبادرته بتغيير قوانين الحزب لضمان استمراريته في القيادة. ويشيع بعض مناصري لشكر أن جهات عليا هي من ترغب في بقائه لولاية ثالثة، لذلك لا يتردد لشكر في التماهي مع مواقف النظام، ولا يتأخر عن تأييد التطبيع والمزايدة على غيره في هذا المجال، ناسخا مواقف الاتحاد الوطني/الاشتراكي للقوات الشعبية "اللامشروطة" من القضية الفلسطينية، مغيبا كون "الموساد" الإسرائيلي شريك في اغتيال الزعيم المهدي بن بركة.  

صرح لشكر لقناة "البي بي سي" البريطانية في آخر أيام ديسمبر الأخير، أن "تطبيع المغرب مع إسرائيل يأتي في إطار ما له علاقة بالمؤامرات التي تحاك ضده وبالجوار والإساءات المتكررة التي تستهدف أمنه واستقراره ووحدته". لكن الحماسة المبالغ فيها أوقعته في زلة لسان مسيئة للمهاجرين المغاربة، حين قال في نفس المقابلة، أنه يعتبر "المغاربة اليهود من أخلص الجاليات المغربية في الخارج". متجاهلا تضحيات مغاربة العالم خاصة في بلدان الاتحاد الأوروبي وكندا، الذين ظلوا مرتبطين بالوطن وبدعم عائلاتهم ماديا، ورغم الجائحة فقد بلغت تحويلاتهم للسنة المنصرمة 95 مليار درهم، وهومبلغ قياسي مقارنة بسنة 2020. ولأن الرهان على قصر ذاكرة المغاربة، فقد أنسانا إدريس لشكر، ونسي هو أولا، ما تفوه به أمام الصحفيين في قاعة مصطفى الخوضي بوكالة المغرب العربي للأنباء في سنة 2015، لما هاجم بصفته الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي "هؤلاء المخلصين"، مطالبا بسحب الجنسية المغربية منهم. يومها صرح لشكر إن حزبه "قدم مقترح قانون يقضي بسحب الجنسية من المغاربة اليهود الذين يقيمون في المستوطنات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية، لأنه تم اكتشاف أن العديد من المغاربة الإسرائيليين يقطنون هذه المستوطنات". 

لقد ارتكب إدريس لشكر خطأ فادحا، علميا وقانونيا وتاريخيا، غالبا ما يتعمد إسقاط كثيرين فيه، ربما لأنه كان يتحدث "بلا قيود" (اسم البرنامج)، عندما نعت يهود المغرب بـ"الجالية المغربية"، بينما تؤكد الحقائق على أرض الواقع أنهم ليسوا كذلك، بعدما هاجروا طوعا أو قسرا إلى فلسطين واستوطنوها، بل انضموا إلى صفوف " تْسْاهَل" المختصر العبري لاسم جيش الدفاع الإسرائيلي، ويقال إنهم كانوا أشد قساوة على الشعب الفلسطيني من غيرهم من شتات يهود العالم الذين هبطوا إلى "أرض الميعاد". وبالتالي لم تعد تربطهم بوطنهم الأول سوى الأضرحة التي يواظبون على زيارتها في مواسم دينية منظمة. أضرحة أسلافهم وأوليائهم الصالحين التي يعنى بالمحافظة عليها فقراء المسلمين، وهو موضوع الوثائقي الذي أنجزته المغربية الإسرائيلية الفرنسية سيمون بيتون، حمل الفيلم عنوان "زيارة". وبمناسبة خروج الفيلم إلى القاعات استضافت قناة "فرانس 24" المخرجة والكاتبة والمنتجة للحديث عن جديدها، ومن أهم ما قالته سليلة الرباط بصدد التطبيع المغربي مع إسرائيل: "إن كان هناك من فضل لهذا التطبيع فهو وضع حد للنفاق السياسي الذي استمر طويلا، فالمغرب ربطته بإسرائيل علاقات منذ تأسيسها". ودون ذلك فإن سيمون بيتون ترى أن التطبيع المغربي مع إسرائيل لم يكن ذا قيمة وفقا للأعراف الديبلوماسية، متمنية لو استعمل المغرب هذا التطبيع لتحقيق شيء ما للفلسطينيين، هذه هي الدبلوماسية، تقديم شيء ما مقابل الحصول على آخر. وختمت بالقول: "أعتقد أن الفلسطينيين اليوم يشعرون أنهم تركوا لحالهم".  

وكان محمد السادس قال بعد التطبيع إنه لم يتخل عن القضية الفلسطينية.  

والملاحظ أن دينامية التطبيع تمشي بسرعة أكبر بين المغرب وإسرائيل. فقد جرت في أكتوبر الأخير ترقية مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط إلى سفارة، مع استمرار عدم اعتراف تل أبيب بمغربية الصحراء والتزامها بموقف الأمم المتحدة من النزاع، رغم أن التطبيع تأسس على مبدأ مقايضة اعتراف ترامب بمغربية الأقاليم الصحراوية بتطبيع مغربي مع إسرائيل. كما تابع المراقبون سابقة إبرام عقد اتفاق أمني وعسكري بين إسرائيل والمغرب، بعد زيارة وزيري الخارجية والدفاع الإسرائيليين للرباط، وفتح خط جوي بين المغرب وإسرائيل. كل ذلك مقابل رفض شعبي واسع يتم التعبير عنه بوضوح في مسيرات ومظاهرات، فبمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني المتزامن مع الذكرى الأولى لتوقيع التطبيع في ديسمبر 2021، نظمت في حوالي 40 مدينة مغربية احتجاجات ضد التطبيع. وأعادت "الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع" تأكيدها بنزع الشرعية الدستورية عنه التطبيع. بل إن الجبهة المغربية قارنت التطبيع مع إسرائيل باتفاقية الحماية الاستعمارية الفرنسية للمغرب في مستهل القرن الماضي.  

هذا في وقت اعترف فيه ممثل إسرائيل في الرباط بفشل التطبيع شعبيا، وعزمه بذل جهد مضاعف لربح هذا الرهان. جهد ينعكس في جلب بعض الوفود لزيارة إسرائيل، وفي تجنيد كتائب إلكترونية مستعيرة لثقافة الذباب عبر تويتر والفيسبوك، وغالبا ما تسقط هاته التدوينات في الابتذال والسفه، بتوجيه شتائم للشعب الفلسطيني، واعتبار الإسرائيليين إخوة وأشقاء، مقابل الهجوم مثلا على الجزائريين وإنكار الروابط التي تجمعهم بإخوانهم المغاربة، بل اعتبارهم هم الأعداء. وهو للأسف ما يسقط فيه جزائريون باستعداء المغاربة. لعل ذلك من التمهيدات الضرورية لحرب تلوح في الأفق بين الجارين. طبعا لن تكون إسرائيل بعيدة عنها. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).