Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جاء الكاتب وشهيد الفكر فرج فودة في تلك الحقبة الزمنية برد رائع على كتاب الفريضة الغائبة وكان رده بكتاب آخر أسماه "الحقيقة الغائبة"
جاء الكاتب وشهيد الفكر فرج فودة في تلك الحقبة الزمنية برد رائع على كتاب الفريضة الغائبة وكان رده بكتاب آخر أسماه "الحقيقة الغائبة"

د. توفيق حميد

العديد منا قد يتذكر كتاب «الفريضة الغائبة» لمحمد عبد السلام فرج وهو من أكثر الكتب تأثيرًا في مسار الجماعات والتنظيمات المتطرفة.

وقد استطاع مؤلف الكتاب وهو خريج كلية الهندسة أن يستخدم القرآن والأحاديث وآراء الفقهاء وكتب التفاسير بقدرة فائقة لإلهاب حماس الشباب وإقناعهم بأن الجهاد المسلح هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة.

واستشهد عبد السلام فرج بتاريخ الخلافة التوسعي لنشر الدين وفرضه بالقوة على باقي الأمم. وقد أصبح هذا الكتاب - والذي كان يباع في الأسواق وعلى الأرصفة في أرجاء مصر في السبعينات من القرن الماضي – مرجعاً للعديد من التنظيمات الجهادية في تلك الحقبة .

ومن هذه التنظيمات "تنظيم الجهاد" الذي ولد في مصر وخرجت من عباءته وتأثرت به الكثير من تنظيمات وجماعات "السلفية الجهادية" التي ساحت على خريطة العالم الإسلامي من المحيط إلى الخليج.

ولم أزل أتذكر حينما اشتريت كتاب "الفريضة الغائبة" من أحد بائعي الجرائد في شارع شريف باشا بالقاهرة حيث كنت أعيش وأنا شاب صغير مع أسرتي. وكان  كتاب "الفريضة الغائبة" كتاباً صغيراً في حجمه يقع في 152 صفحة من القطع الصغير ولكنه كان قادراً على إشعال الفكر الجهادي في عقول الكثيرين وخاصة من الشباب المتحمس دينياً.

وجاء الكاتب وشهيد الفكر فرج فودة في تلك الحقبة الزمنية برد رائع على كتاب الفريضة الغائبة وكان رده بكتاب آخر أسماه "الحقيقة الغائبة".  ولقد كان فرج فودة واضحاً بلا مواراة في فكرة أن الإسلام دين وليس دولة، وأن الشريعة وسيلة وليست غاية وأن الدين موجود ليس ليحكم بالقوة بل ليمارسه الناس كشعائر فقط يتقربون بها إلى الله. 

ولا يمكنني أن أنسى بعض كلمات ومفاهيم الراحل فرج فودة وأكاد أتخيله وهو يقولها بنفسه. ومن هذه المفاهيم التي لا تُنسى "أن الإسلام على مفترق طرق، وطريق منها أن نخوض جميعاً في حمامات الدم، نتيجة  للجهل وضيق الأفق وقبل ذلك كله نتيجة لانعدام الاجتهاد المستنير، وطريق آخر أن يلتقي العصر والإسلام، وذلك هين يسير، وسبيله الوحيد هو الاجتهاد  المستنير، والقياس الشجاع، والأفق المتنور".

رحمك الله يا فرج فودةّ!

ووسط هذا الصراع تتجلى أمامي الفريضة الغائبة الحقيقية والتي أهملها المتطرفون والجهاديون والمتعصبون ألا وهي "عدم الظلم"!
فالظلم تكرر ذكره في القرآن عشرات المرات وتوعد الله مرتكبيه بأشد أنواع العقاب.

فمن يقهر اليتيم ظالم! ومن يقسو على إنسان آخر ظالم! ومن يتعصب ضد إنسان لأنه مختلف عنه في العقيدة ظالم!

ومن يحرم المرأة من ميراثها ظالم! ومن يجبر الناس على عقيدته وفكره ظالم! ومن يدعو للعدوان على البشر لإكراههم على الدين ظالم! ومن يستضعف مجموعة من البشر لأنهم أقلية عددية في بلده ظالم! ومن يعوق دفن جثة إنسان لأنه من دين آخر لا يؤمن هو به فهو ظالم! ومن لا يرحم الآخرين فهو ظالم! ومن...ومن...ومن...ولا أدري هنا كيف أنتهي ولكن لا يسعني إلا أن أقول وأكررها بصوت عال أن الفريضة الحقيقية الغائبة هي ألا نظلم أحداً. وصدق ربي حينما قال: " ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا"- سورة الفرقان  
وقال تعالى: "وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ" - (سورة الشورى).
وقال تعالى: " بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " – (سورة آل عمران)
فهل ياترى سيفيق البعض إلى الفريضة الغائبة الحقيقية التي نسيها الكثيرون ألا وهي "عدم الظلم"!

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).