16 ألف أسرة مغربية تستفيد من العمل الموسمي في قطف الفراولة
16 ألف أسرة مغربية تستفيد من العمل الموسمي في قطف الفراولة

عبد الرحيم التوراني

شهد يوم الأربعاء الأخير من هذا الأسبوع، وصول أول باخرة قادمة من ميناء طنجة المتوسط، شمال المغرب إلى ميناء "ألخِثيراس"، أو "الجزيرة الخضراء"، بالجنوب الإسباني، وعلى متنها 800 عاملة موسمية تمثلن الفوج الأول من مغربيات "نساء الفراولة"، كما تسميهن الصحافة الإسبانية، وستليها رحلات بحرية أخرى لنقل بقية الأفواج في غضون الأسابيع الموالية، ليستكمل العدد الإجمالي لهؤلاء العاملات بما يقارب 13 ألف عاملة موسمية أمضين عقد عمل مع تعاونيات فلاحية لجني الفراولة بالإقليم الأندلسي. 

يحدث هذا تحت ظلال يافطة عريضة مكتوبة بأحرف التوتر وبحبر أزمة ثنائية بين إسبانيا والمغرب، وتحت حراب وباء كورونا واحتداد انتشاره، لدرجة إضاءة علامته الحمراء بأكثر مناطق العالم، والمنطقة المتوسطية واحدة منها، وهو يتكاثر بمسميات جديدة وسلالات مخيفة، يتقدمها حاليا متحور "أوميكرون".

في ظل هذه المعطيات وغيرها، أعلن في كل من المغرب وإسبانيا عن فتح معبر صحي استثنائي بحدودهما المغلقة بسبب الجائحة، لتمكين عاملات جني الفراولة من العبور إلى إقليم "هويلفا" بالجنوب الإسباني.

شهادة النخاسة

لم يفت السلطات المعنية في البلدين الجارين تأكيد حرصهما على إنجاح هذه العملية بكل ما يلزم من شروط ضرورية، أولها اتخاذ كل التدابير الوقائية لتجنب تفشي الوباء بين العاملات.

وللإشارة، فإن إسبانيا تعد ثاني بلد منتج ومصدر للفراولة في العالم بعد الولايات المتحدة، أما المرتبة الثالثة فيحتلها المغرب بمحصول سنوي يبلغ 150 ألف طن، وبحوالي 30 ألف فرصة عمل معظمها تعود للنساء. 

إلا أن المستفيد الأساسي من إنتاج الفراولة المغربية، حسب خبراء اقتصاديين، هم المستوردون الإسبان، خصوصا وأن مزارع الفراولة تقع بمنطقة الغرب وسهول اللوكوس بالشمال المغربي، ما يجعلها نقلها ميسرا وقريبا إلى الجارة الإيبيرية، حيث يتم تصدير معظم الإنتاج بالشاحنات إلى إسبانيا وفرنسا وباقي الاتحاد الأوروبي.

وبسبب إجراءات إغلاق الحدود ضمن برنامج الوقاية من تفشي كورونا، لم تستطع العاملات بقطاع جني الفراولة الانتقال إلى إقليم الأندلس في السنة الماضية. ما أحدث خسائر كبرى بقطاع الفلاحة الإسباني.
ولأن العمال الإسبان يعتبرون مثل هذا العمل الفلاحي مزريا ومضنيا، ومقابله المادي ضعيف جدا، فإنهم يتجهون لأعمال أخرى أفضل وأريح وأكثر مردودية. لذلك تحتاج إسبانيا ما بين 100 ألف و150 ألف شخص للعمل في جني الفراولة بضيعاتها في الجنوب.

في السابق، كانت التعاونيات الفلاحية الإسبانية تستقطب عاملات موسميات من رومانيا وأوكرانيا وبولونيا، وبلدان أخرى من أوروبا الشرقية، ثم لجأت إلى تشغيل عاملات من بلدان أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية، مثل الإيكوادور والهندوراس. لكن المغربيات مشهود لهن بـ"الجدية الاحترافية والمردودية الإنتاجية"، كما يقول مسيرو التعاونيات الفلاحية بالأندلس. ناهيك عن ميزة القرب الجغرافي للمغرب. 

وأمست اليوم أكثر من 16 ألف أسرة مغربية تستفيد من هذا العمل الموسمي. حيث تدفع التعاونيات الإسبانية لكل عاملة أجرا يوميا في حدود 37 يورو. علما أن العاملات بنفس القطاع في المغرب لا يتعدى أجرهن اليومي 30 درهما، (أي ما يزيد قليلا عن ثلاثة يورو). وهناك حوالي ثلاثة آلاف عاملة مسجلة، كاحتياط يمكن استقدامه إلى إسبانيا عند الحاجة.  

وطبقا لإتفاقية مغربية - إسبانية فقد وقع البلدان على فتح ممر خاص صحي يتجاوز قرار إغلاق الحدود بين الضفتين، إنقاذا لموسم الفراولة في اسبانيا، ودعما لأسر فقيرة تعاني من انعكاسات وطأة كورونا، للاستفادة من فرصة عمل، ولو كانت موسمية.

عقود الإذعان

لا تفتأ الجمعيات الحقوقية في المغرب بالمطالبة بتحسين شروط عمل "مغربيات الفراولة" بإسبانيا، ليس فقط برفع أجورهن وتحسين ظروف الاستقبال، بل أساسا بضرورة معاملتهن معاملة إنسانية تؤكد عليها مواثيق العمل الدولية. 

وبهذا الصدد ذكر حقوقيون أن "نساء الفراولة" المغربيات يعملن في إسبانيا في أوضاع سيئة لا إنسانية، بعقود إذعانية يضطررن لقبولها بسبب أوضاع الهشاشة والفقر والبطالة والتهميش. وبشروط إلزامية تذكرنا بما كان يفعله العهد الفرنسي في مستعمراته، لما كان يحشد شباب البوادي ليفحصهم كالبهائم، ليختار من بينهم الأقوى والأمتن، فيوجه بعضهم للعمل بأوراش فرنسا، ويرسل آخرين إلى التجنيد الإجباري بالصفوف الأمامية للقوات الفرنسية كحطب بجبهات القتال في الحرب العالمية.

يطلب من المرشحة المغربية لجني الفراولة باسبانيا أن تكون امرأة شابة قوية، لا تقل عن عمر الخامسة والعشرين أو الثلاثين، ولا تتعدى الأربعين. وغير طويلة القامة، حتى تكون أقرب لرفع صندوق المحصول بسهولة. ويفضلون المرتبطة بالزواج أو المطلقة أو الأرملة، وفي كل هذه الحالات الاجتماعية الثلاث يؤكدون على أن يكون لديها أطفال صغار لا تستغني عن فراقهن، فتعود مسرعة بعد انقضاء أشهر عملها الموسمي، الذي لا يزيد ف أقصاه عن ستة أشهر، وبذلك يضمنون عدم انخراطها في صفوف الهجرة غير الشرعية التي تشكو الدولة الإسبانية من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وكما أوضحت عدة تقارير ومشاهد مصورة ولقطات فيديوهات فداحة الأوضاع غير اللائقة التي تعيشها "مغربيات الفراولة" بإسبانيا، حيث يعانين من ظروف سيئة وصعبة، شبه متشردات في أكواخ بئيسة، مكتفيات بوجبات بسيطة وغير صحية، بسبب توفيرهن لليوروهات التي يكسبنها لإعالة أسرهن المنتظرة في المغرب.

لكن لماذا يفضل أصحاب الضيعات الفلاحية بإسبانيا العاملات المغربيات؟ يأتي الجواب على لسان مسؤول بمصلحة الهجرة في السفارة الإسبانية بالرباط، أن سبب الإقبال "يعود لكونهن لا تشتكين من التعب، ومشاجراتهن قليلة، ويفرحن بالأجر المقدم لهن".

كرامة مفتقدة

وزاد استفحال الأوضاع الاستغلالية لنساء الفراولة بعد انتشار أنباء الاغتصاب والتحرش الجنسي الذي تعرضت له عاملات مغربيات، وقد تحدثت عن الموضوع بعض وسائل الإعلام الإسبانية، وأنجزت تحقيقات بصدده. 

لكن الجانب المغربي ظل دون مستوى الدفاع عن مواطناته العاملات، إذ نفى وزير العمل وقتها، محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية وجود حالات الاغتصاب أو التحرش الجنسي، ليستدرك أن هناك حالة واحدة معزولة ولا يجب التعميم، وأن الأمر عادي، ووارد أن يحدث في أي بلد". 

ولم ينبس الوزير بكلمة  تحث على وجوب مراعاة أرباب العمل الإسبان لأحوال العاملات المغربيات وحفظ  كرامتهن وحقوقهن. ربما لأن الوزير لا يدرك عن أي حقوق يا ترى سيتحدث، وأي كرامة ستكون مقصده؟ فلو توفر لهؤلاء المغربيات الحد الأدنى من الحقوق والكرامة ما أقدمن على مغامرة الكدح المذل والمهانة برمي أنفسهن في متاهات الاستغلال المضاعف ببلد ليس بلدهن، ولا قبلن بالفراق ساعة عن أطفالهن، وأكثرهم في سن الرضاعة والرعاية الأولية، ولا ابتعدن يوما عن أسرهن وعائلاتهن ووطنهم.

أم أن هذا هو "التمكين الاقتصادي والاجتماعي" للنساء المغربيات الذي تكلمت عنه الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، كجواب على ضعف مشاركة النساء المغربيات في سوق الشغل؟ 

دبلوماسية الفراولة

قصص كثيرة مثقلة بالأحزان والأسى تحكى في هذا المجال، فلكل واحدة من "نساء الفراولة" حكايتها وقصتها الأكثر حزنا، ولا تنتظر سوى كاتب من حجم الفرنسي العظيم فيكتور هيغو لينقلها في رواية بعنوان: "البئيسات" تضاف إلى ملحمته الروائية الخالدة "البؤساء".

ماذا بإمكان الفقيرات عمله حين تجد الواحدة منهن نفسها في أسرة لا معيل لها، فيها الزوج عاطل أو مريض أو ميت؟ ماذا تجد غير الخيارات التي تقدم لها ولأمثالها حين تمضي بلادها على اتفاقيات مع بلد أجنبي لاستغلالهن أبشع استغلال. 

فبعد إغلاق معبر باب سبتة ألقي بـ "نساء التهريب" إلى سبل القهر والضياع. لذلك لا تلام أسرة فقيرة مدقعة إلى إرسال بناتها كخادمات ببلدان الخليج، أو إلى امتهان أول مهنة في التاريخ الإنساني بمواخير الجهات الأربع، حيث أصبحت لا تخلو أي منطقة على الخريطة من قصص مأساوية للمغربيات، مآس تحكي عن مصارعة سيزيفية من أجل كسب لقمة العيش وإنقاذ أسرهن من براثن الجوع وقساوة الفقر.

وبالعودة إلى الأزمة المتفاعلة بين المغرب وإسبانيا، والتي تصاعدت منذ العام الماضي باستقبال مدريد لزعيم البوليساريو قصد التشافي بأحد مستشفياتها، رغم كونه مطلوب للعدالة الإسبانية، وفي حالة متسلل إلى إسبانيا بهوية مزورة. ولما أتى الجواب الإسباني مخيبا للرباط، جاء الرد بهجوم مغربي منظم لاختراق حدود سبتة المحتلة، تم فيه توظيف آلاف المهاجرين غير الشرعيين، بحوالي خمسة آلاف متسلل أغلبهم قاصرين. ما ضاعف من حدة توتر العلاقات بين البلدين، ثم مع الاتحاد الأوروبي.

واليوم يطرح سؤال حول ما إذا كان بإمكان عملية "نساء الفراولة" المتواصلة منذ أعوام، أداء دور ما باتجاه حلحلة الأزمة والتخفيف من حدتها. خصوصا وقد جلس الطرفان (المغرب وإسبانيا) للتفاهم من أجل إيجاد حل لأزمة القطاع الفلاحي الإسباني. فكيف لا يستتبع بخطوة موالية باتجاه حل بقية نقاط ملفات الخلاف لإنهاء التوتر العالي؟

للفراولة حلاوتها في الفم وتحت اللسان، ولها فوائدها الصحية أيضا، وفق إخصائيي التغذية، ومنها تنظيم ضغط الدم والحفاظ عليه تحت السيطرة قدر الإمكان، وتقوية وتحسين الدورة الدموية في الدماغ. وكلها فوائد تحتاجها "الدورة الدبلوماسية" السليمة بين الجارين. فبعد التوافق على فتح معبر صحي استثنائي لعاملات الفراولة، ألا يستدعي الموقف القطع مع سياسة الآذان الصماء وعدم الثقة بين الجارين، والعمل الجاد لفتح "معابر دبلوماسية" تؤدي إلى الرسو بميناء طي صفحات الخلاف والعودة الطبيعية بالعلاقات إلى الصداقة وموقعها الذي يجب أن تكون عليه.

أم أن الفراولة والتوت الأحمر فاكهة موطنها التربة الخصبة المشبعة بالمياه، وهذا طبعا ليس متوفرا في "الصحراء" العائمة في الرمال الحارقة؟

 لكن المستحيل ليس من معجم الدبلوماسية أبدا، الدبلوماسية القادرة على زرع الثقة وإنبات أوراق التفاهم والتوافق الموضوعي حول مسألة استرجاع المغرب لأقاليمه بالمستعمرة الاسبانية السابقة في "الصحراء الغربية"، أصل الخلاف ومنبته، وأفق أي حل ممكن.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).