Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

16 ألف أسرة مغربية تستفيد من العمل الموسمي في قطف الفراولة
16 ألف أسرة مغربية تستفيد من العمل الموسمي في قطف الفراولة

عبد الرحيم التوراني

شهد يوم الأربعاء الأخير من هذا الأسبوع، وصول أول باخرة قادمة من ميناء طنجة المتوسط، شمال المغرب إلى ميناء "ألخِثيراس"، أو "الجزيرة الخضراء"، بالجنوب الإسباني، وعلى متنها 800 عاملة موسمية تمثلن الفوج الأول من مغربيات "نساء الفراولة"، كما تسميهن الصحافة الإسبانية، وستليها رحلات بحرية أخرى لنقل بقية الأفواج في غضون الأسابيع الموالية، ليستكمل العدد الإجمالي لهؤلاء العاملات بما يقارب 13 ألف عاملة موسمية أمضين عقد عمل مع تعاونيات فلاحية لجني الفراولة بالإقليم الأندلسي. 

يحدث هذا تحت ظلال يافطة عريضة مكتوبة بأحرف التوتر وبحبر أزمة ثنائية بين إسبانيا والمغرب، وتحت حراب وباء كورونا واحتداد انتشاره، لدرجة إضاءة علامته الحمراء بأكثر مناطق العالم، والمنطقة المتوسطية واحدة منها، وهو يتكاثر بمسميات جديدة وسلالات مخيفة، يتقدمها حاليا متحور "أوميكرون".

في ظل هذه المعطيات وغيرها، أعلن في كل من المغرب وإسبانيا عن فتح معبر صحي استثنائي بحدودهما المغلقة بسبب الجائحة، لتمكين عاملات جني الفراولة من العبور إلى إقليم "هويلفا" بالجنوب الإسباني.

شهادة النخاسة

لم يفت السلطات المعنية في البلدين الجارين تأكيد حرصهما على إنجاح هذه العملية بكل ما يلزم من شروط ضرورية، أولها اتخاذ كل التدابير الوقائية لتجنب تفشي الوباء بين العاملات.

وللإشارة، فإن إسبانيا تعد ثاني بلد منتج ومصدر للفراولة في العالم بعد الولايات المتحدة، أما المرتبة الثالثة فيحتلها المغرب بمحصول سنوي يبلغ 150 ألف طن، وبحوالي 30 ألف فرصة عمل معظمها تعود للنساء. 

إلا أن المستفيد الأساسي من إنتاج الفراولة المغربية، حسب خبراء اقتصاديين، هم المستوردون الإسبان، خصوصا وأن مزارع الفراولة تقع بمنطقة الغرب وسهول اللوكوس بالشمال المغربي، ما يجعلها نقلها ميسرا وقريبا إلى الجارة الإيبيرية، حيث يتم تصدير معظم الإنتاج بالشاحنات إلى إسبانيا وفرنسا وباقي الاتحاد الأوروبي.

وبسبب إجراءات إغلاق الحدود ضمن برنامج الوقاية من تفشي كورونا، لم تستطع العاملات بقطاع جني الفراولة الانتقال إلى إقليم الأندلس في السنة الماضية. ما أحدث خسائر كبرى بقطاع الفلاحة الإسباني.
ولأن العمال الإسبان يعتبرون مثل هذا العمل الفلاحي مزريا ومضنيا، ومقابله المادي ضعيف جدا، فإنهم يتجهون لأعمال أخرى أفضل وأريح وأكثر مردودية. لذلك تحتاج إسبانيا ما بين 100 ألف و150 ألف شخص للعمل في جني الفراولة بضيعاتها في الجنوب.

في السابق، كانت التعاونيات الفلاحية الإسبانية تستقطب عاملات موسميات من رومانيا وأوكرانيا وبولونيا، وبلدان أخرى من أوروبا الشرقية، ثم لجأت إلى تشغيل عاملات من بلدان أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية، مثل الإيكوادور والهندوراس. لكن المغربيات مشهود لهن بـ"الجدية الاحترافية والمردودية الإنتاجية"، كما يقول مسيرو التعاونيات الفلاحية بالأندلس. ناهيك عن ميزة القرب الجغرافي للمغرب. 

وأمست اليوم أكثر من 16 ألف أسرة مغربية تستفيد من هذا العمل الموسمي. حيث تدفع التعاونيات الإسبانية لكل عاملة أجرا يوميا في حدود 37 يورو. علما أن العاملات بنفس القطاع في المغرب لا يتعدى أجرهن اليومي 30 درهما، (أي ما يزيد قليلا عن ثلاثة يورو). وهناك حوالي ثلاثة آلاف عاملة مسجلة، كاحتياط يمكن استقدامه إلى إسبانيا عند الحاجة.  

وطبقا لإتفاقية مغربية - إسبانية فقد وقع البلدان على فتح ممر خاص صحي يتجاوز قرار إغلاق الحدود بين الضفتين، إنقاذا لموسم الفراولة في اسبانيا، ودعما لأسر فقيرة تعاني من انعكاسات وطأة كورونا، للاستفادة من فرصة عمل، ولو كانت موسمية.

عقود الإذعان

لا تفتأ الجمعيات الحقوقية في المغرب بالمطالبة بتحسين شروط عمل "مغربيات الفراولة" بإسبانيا، ليس فقط برفع أجورهن وتحسين ظروف الاستقبال، بل أساسا بضرورة معاملتهن معاملة إنسانية تؤكد عليها مواثيق العمل الدولية. 

وبهذا الصدد ذكر حقوقيون أن "نساء الفراولة" المغربيات يعملن في إسبانيا في أوضاع سيئة لا إنسانية، بعقود إذعانية يضطررن لقبولها بسبب أوضاع الهشاشة والفقر والبطالة والتهميش. وبشروط إلزامية تذكرنا بما كان يفعله العهد الفرنسي في مستعمراته، لما كان يحشد شباب البوادي ليفحصهم كالبهائم، ليختار من بينهم الأقوى والأمتن، فيوجه بعضهم للعمل بأوراش فرنسا، ويرسل آخرين إلى التجنيد الإجباري بالصفوف الأمامية للقوات الفرنسية كحطب بجبهات القتال في الحرب العالمية.

يطلب من المرشحة المغربية لجني الفراولة باسبانيا أن تكون امرأة شابة قوية، لا تقل عن عمر الخامسة والعشرين أو الثلاثين، ولا تتعدى الأربعين. وغير طويلة القامة، حتى تكون أقرب لرفع صندوق المحصول بسهولة. ويفضلون المرتبطة بالزواج أو المطلقة أو الأرملة، وفي كل هذه الحالات الاجتماعية الثلاث يؤكدون على أن يكون لديها أطفال صغار لا تستغني عن فراقهن، فتعود مسرعة بعد انقضاء أشهر عملها الموسمي، الذي لا يزيد ف أقصاه عن ستة أشهر، وبذلك يضمنون عدم انخراطها في صفوف الهجرة غير الشرعية التي تشكو الدولة الإسبانية من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وكما أوضحت عدة تقارير ومشاهد مصورة ولقطات فيديوهات فداحة الأوضاع غير اللائقة التي تعيشها "مغربيات الفراولة" بإسبانيا، حيث يعانين من ظروف سيئة وصعبة، شبه متشردات في أكواخ بئيسة، مكتفيات بوجبات بسيطة وغير صحية، بسبب توفيرهن لليوروهات التي يكسبنها لإعالة أسرهن المنتظرة في المغرب.

لكن لماذا يفضل أصحاب الضيعات الفلاحية بإسبانيا العاملات المغربيات؟ يأتي الجواب على لسان مسؤول بمصلحة الهجرة في السفارة الإسبانية بالرباط، أن سبب الإقبال "يعود لكونهن لا تشتكين من التعب، ومشاجراتهن قليلة، ويفرحن بالأجر المقدم لهن".

كرامة مفتقدة

وزاد استفحال الأوضاع الاستغلالية لنساء الفراولة بعد انتشار أنباء الاغتصاب والتحرش الجنسي الذي تعرضت له عاملات مغربيات، وقد تحدثت عن الموضوع بعض وسائل الإعلام الإسبانية، وأنجزت تحقيقات بصدده. 

لكن الجانب المغربي ظل دون مستوى الدفاع عن مواطناته العاملات، إذ نفى وزير العمل وقتها، محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية وجود حالات الاغتصاب أو التحرش الجنسي، ليستدرك أن هناك حالة واحدة معزولة ولا يجب التعميم، وأن الأمر عادي، ووارد أن يحدث في أي بلد". 

ولم ينبس الوزير بكلمة  تحث على وجوب مراعاة أرباب العمل الإسبان لأحوال العاملات المغربيات وحفظ  كرامتهن وحقوقهن. ربما لأن الوزير لا يدرك عن أي حقوق يا ترى سيتحدث، وأي كرامة ستكون مقصده؟ فلو توفر لهؤلاء المغربيات الحد الأدنى من الحقوق والكرامة ما أقدمن على مغامرة الكدح المذل والمهانة برمي أنفسهن في متاهات الاستغلال المضاعف ببلد ليس بلدهن، ولا قبلن بالفراق ساعة عن أطفالهن، وأكثرهم في سن الرضاعة والرعاية الأولية، ولا ابتعدن يوما عن أسرهن وعائلاتهن ووطنهم.

أم أن هذا هو "التمكين الاقتصادي والاجتماعي" للنساء المغربيات الذي تكلمت عنه الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، كجواب على ضعف مشاركة النساء المغربيات في سوق الشغل؟ 

دبلوماسية الفراولة

قصص كثيرة مثقلة بالأحزان والأسى تحكى في هذا المجال، فلكل واحدة من "نساء الفراولة" حكايتها وقصتها الأكثر حزنا، ولا تنتظر سوى كاتب من حجم الفرنسي العظيم فيكتور هيغو لينقلها في رواية بعنوان: "البئيسات" تضاف إلى ملحمته الروائية الخالدة "البؤساء".

ماذا بإمكان الفقيرات عمله حين تجد الواحدة منهن نفسها في أسرة لا معيل لها، فيها الزوج عاطل أو مريض أو ميت؟ ماذا تجد غير الخيارات التي تقدم لها ولأمثالها حين تمضي بلادها على اتفاقيات مع بلد أجنبي لاستغلالهن أبشع استغلال. 

فبعد إغلاق معبر باب سبتة ألقي بـ "نساء التهريب" إلى سبل القهر والضياع. لذلك لا تلام أسرة فقيرة مدقعة إلى إرسال بناتها كخادمات ببلدان الخليج، أو إلى امتهان أول مهنة في التاريخ الإنساني بمواخير الجهات الأربع، حيث أصبحت لا تخلو أي منطقة على الخريطة من قصص مأساوية للمغربيات، مآس تحكي عن مصارعة سيزيفية من أجل كسب لقمة العيش وإنقاذ أسرهن من براثن الجوع وقساوة الفقر.

وبالعودة إلى الأزمة المتفاعلة بين المغرب وإسبانيا، والتي تصاعدت منذ العام الماضي باستقبال مدريد لزعيم البوليساريو قصد التشافي بأحد مستشفياتها، رغم كونه مطلوب للعدالة الإسبانية، وفي حالة متسلل إلى إسبانيا بهوية مزورة. ولما أتى الجواب الإسباني مخيبا للرباط، جاء الرد بهجوم مغربي منظم لاختراق حدود سبتة المحتلة، تم فيه توظيف آلاف المهاجرين غير الشرعيين، بحوالي خمسة آلاف متسلل أغلبهم قاصرين. ما ضاعف من حدة توتر العلاقات بين البلدين، ثم مع الاتحاد الأوروبي.

واليوم يطرح سؤال حول ما إذا كان بإمكان عملية "نساء الفراولة" المتواصلة منذ أعوام، أداء دور ما باتجاه حلحلة الأزمة والتخفيف من حدتها. خصوصا وقد جلس الطرفان (المغرب وإسبانيا) للتفاهم من أجل إيجاد حل لأزمة القطاع الفلاحي الإسباني. فكيف لا يستتبع بخطوة موالية باتجاه حل بقية نقاط ملفات الخلاف لإنهاء التوتر العالي؟

للفراولة حلاوتها في الفم وتحت اللسان، ولها فوائدها الصحية أيضا، وفق إخصائيي التغذية، ومنها تنظيم ضغط الدم والحفاظ عليه تحت السيطرة قدر الإمكان، وتقوية وتحسين الدورة الدموية في الدماغ. وكلها فوائد تحتاجها "الدورة الدبلوماسية" السليمة بين الجارين. فبعد التوافق على فتح معبر صحي استثنائي لعاملات الفراولة، ألا يستدعي الموقف القطع مع سياسة الآذان الصماء وعدم الثقة بين الجارين، والعمل الجاد لفتح "معابر دبلوماسية" تؤدي إلى الرسو بميناء طي صفحات الخلاف والعودة الطبيعية بالعلاقات إلى الصداقة وموقعها الذي يجب أن تكون عليه.

أم أن الفراولة والتوت الأحمر فاكهة موطنها التربة الخصبة المشبعة بالمياه، وهذا طبعا ليس متوفرا في "الصحراء" العائمة في الرمال الحارقة؟

 لكن المستحيل ليس من معجم الدبلوماسية أبدا، الدبلوماسية القادرة على زرع الثقة وإنبات أوراق التفاهم والتوافق الموضوعي حول مسألة استرجاع المغرب لأقاليمه بالمستعمرة الاسبانية السابقة في "الصحراء الغربية"، أصل الخلاف ومنبته، وأفق أي حل ممكن.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).