Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

16 ألف أسرة مغربية تستفيد من العمل الموسمي في قطف الفراولة
16 ألف أسرة مغربية تستفيد من العمل الموسمي في قطف الفراولة

عبد الرحيم التوراني

شهد يوم الأربعاء الأخير من هذا الأسبوع، وصول أول باخرة قادمة من ميناء طنجة المتوسط، شمال المغرب إلى ميناء "ألخِثيراس"، أو "الجزيرة الخضراء"، بالجنوب الإسباني، وعلى متنها 800 عاملة موسمية تمثلن الفوج الأول من مغربيات "نساء الفراولة"، كما تسميهن الصحافة الإسبانية، وستليها رحلات بحرية أخرى لنقل بقية الأفواج في غضون الأسابيع الموالية، ليستكمل العدد الإجمالي لهؤلاء العاملات بما يقارب 13 ألف عاملة موسمية أمضين عقد عمل مع تعاونيات فلاحية لجني الفراولة بالإقليم الأندلسي. 

يحدث هذا تحت ظلال يافطة عريضة مكتوبة بأحرف التوتر وبحبر أزمة ثنائية بين إسبانيا والمغرب، وتحت حراب وباء كورونا واحتداد انتشاره، لدرجة إضاءة علامته الحمراء بأكثر مناطق العالم، والمنطقة المتوسطية واحدة منها، وهو يتكاثر بمسميات جديدة وسلالات مخيفة، يتقدمها حاليا متحور "أوميكرون".

في ظل هذه المعطيات وغيرها، أعلن في كل من المغرب وإسبانيا عن فتح معبر صحي استثنائي بحدودهما المغلقة بسبب الجائحة، لتمكين عاملات جني الفراولة من العبور إلى إقليم "هويلفا" بالجنوب الإسباني.

شهادة النخاسة

لم يفت السلطات المعنية في البلدين الجارين تأكيد حرصهما على إنجاح هذه العملية بكل ما يلزم من شروط ضرورية، أولها اتخاذ كل التدابير الوقائية لتجنب تفشي الوباء بين العاملات.

وللإشارة، فإن إسبانيا تعد ثاني بلد منتج ومصدر للفراولة في العالم بعد الولايات المتحدة، أما المرتبة الثالثة فيحتلها المغرب بمحصول سنوي يبلغ 150 ألف طن، وبحوالي 30 ألف فرصة عمل معظمها تعود للنساء. 

إلا أن المستفيد الأساسي من إنتاج الفراولة المغربية، حسب خبراء اقتصاديين، هم المستوردون الإسبان، خصوصا وأن مزارع الفراولة تقع بمنطقة الغرب وسهول اللوكوس بالشمال المغربي، ما يجعلها نقلها ميسرا وقريبا إلى الجارة الإيبيرية، حيث يتم تصدير معظم الإنتاج بالشاحنات إلى إسبانيا وفرنسا وباقي الاتحاد الأوروبي.

وبسبب إجراءات إغلاق الحدود ضمن برنامج الوقاية من تفشي كورونا، لم تستطع العاملات بقطاع جني الفراولة الانتقال إلى إقليم الأندلس في السنة الماضية. ما أحدث خسائر كبرى بقطاع الفلاحة الإسباني.
ولأن العمال الإسبان يعتبرون مثل هذا العمل الفلاحي مزريا ومضنيا، ومقابله المادي ضعيف جدا، فإنهم يتجهون لأعمال أخرى أفضل وأريح وأكثر مردودية. لذلك تحتاج إسبانيا ما بين 100 ألف و150 ألف شخص للعمل في جني الفراولة بضيعاتها في الجنوب.

في السابق، كانت التعاونيات الفلاحية الإسبانية تستقطب عاملات موسميات من رومانيا وأوكرانيا وبولونيا، وبلدان أخرى من أوروبا الشرقية، ثم لجأت إلى تشغيل عاملات من بلدان أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية، مثل الإيكوادور والهندوراس. لكن المغربيات مشهود لهن بـ"الجدية الاحترافية والمردودية الإنتاجية"، كما يقول مسيرو التعاونيات الفلاحية بالأندلس. ناهيك عن ميزة القرب الجغرافي للمغرب. 

وأمست اليوم أكثر من 16 ألف أسرة مغربية تستفيد من هذا العمل الموسمي. حيث تدفع التعاونيات الإسبانية لكل عاملة أجرا يوميا في حدود 37 يورو. علما أن العاملات بنفس القطاع في المغرب لا يتعدى أجرهن اليومي 30 درهما، (أي ما يزيد قليلا عن ثلاثة يورو). وهناك حوالي ثلاثة آلاف عاملة مسجلة، كاحتياط يمكن استقدامه إلى إسبانيا عند الحاجة.  

وطبقا لإتفاقية مغربية - إسبانية فقد وقع البلدان على فتح ممر خاص صحي يتجاوز قرار إغلاق الحدود بين الضفتين، إنقاذا لموسم الفراولة في اسبانيا، ودعما لأسر فقيرة تعاني من انعكاسات وطأة كورونا، للاستفادة من فرصة عمل، ولو كانت موسمية.

عقود الإذعان

لا تفتأ الجمعيات الحقوقية في المغرب بالمطالبة بتحسين شروط عمل "مغربيات الفراولة" بإسبانيا، ليس فقط برفع أجورهن وتحسين ظروف الاستقبال، بل أساسا بضرورة معاملتهن معاملة إنسانية تؤكد عليها مواثيق العمل الدولية. 

وبهذا الصدد ذكر حقوقيون أن "نساء الفراولة" المغربيات يعملن في إسبانيا في أوضاع سيئة لا إنسانية، بعقود إذعانية يضطررن لقبولها بسبب أوضاع الهشاشة والفقر والبطالة والتهميش. وبشروط إلزامية تذكرنا بما كان يفعله العهد الفرنسي في مستعمراته، لما كان يحشد شباب البوادي ليفحصهم كالبهائم، ليختار من بينهم الأقوى والأمتن، فيوجه بعضهم للعمل بأوراش فرنسا، ويرسل آخرين إلى التجنيد الإجباري بالصفوف الأمامية للقوات الفرنسية كحطب بجبهات القتال في الحرب العالمية.

يطلب من المرشحة المغربية لجني الفراولة باسبانيا أن تكون امرأة شابة قوية، لا تقل عن عمر الخامسة والعشرين أو الثلاثين، ولا تتعدى الأربعين. وغير طويلة القامة، حتى تكون أقرب لرفع صندوق المحصول بسهولة. ويفضلون المرتبطة بالزواج أو المطلقة أو الأرملة، وفي كل هذه الحالات الاجتماعية الثلاث يؤكدون على أن يكون لديها أطفال صغار لا تستغني عن فراقهن، فتعود مسرعة بعد انقضاء أشهر عملها الموسمي، الذي لا يزيد ف أقصاه عن ستة أشهر، وبذلك يضمنون عدم انخراطها في صفوف الهجرة غير الشرعية التي تشكو الدولة الإسبانية من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وكما أوضحت عدة تقارير ومشاهد مصورة ولقطات فيديوهات فداحة الأوضاع غير اللائقة التي تعيشها "مغربيات الفراولة" بإسبانيا، حيث يعانين من ظروف سيئة وصعبة، شبه متشردات في أكواخ بئيسة، مكتفيات بوجبات بسيطة وغير صحية، بسبب توفيرهن لليوروهات التي يكسبنها لإعالة أسرهن المنتظرة في المغرب.

لكن لماذا يفضل أصحاب الضيعات الفلاحية بإسبانيا العاملات المغربيات؟ يأتي الجواب على لسان مسؤول بمصلحة الهجرة في السفارة الإسبانية بالرباط، أن سبب الإقبال "يعود لكونهن لا تشتكين من التعب، ومشاجراتهن قليلة، ويفرحن بالأجر المقدم لهن".

كرامة مفتقدة

وزاد استفحال الأوضاع الاستغلالية لنساء الفراولة بعد انتشار أنباء الاغتصاب والتحرش الجنسي الذي تعرضت له عاملات مغربيات، وقد تحدثت عن الموضوع بعض وسائل الإعلام الإسبانية، وأنجزت تحقيقات بصدده. 

لكن الجانب المغربي ظل دون مستوى الدفاع عن مواطناته العاملات، إذ نفى وزير العمل وقتها، محمد يتيم من حزب العدالة والتنمية وجود حالات الاغتصاب أو التحرش الجنسي، ليستدرك أن هناك حالة واحدة معزولة ولا يجب التعميم، وأن الأمر عادي، ووارد أن يحدث في أي بلد". 

ولم ينبس الوزير بكلمة  تحث على وجوب مراعاة أرباب العمل الإسبان لأحوال العاملات المغربيات وحفظ  كرامتهن وحقوقهن. ربما لأن الوزير لا يدرك عن أي حقوق يا ترى سيتحدث، وأي كرامة ستكون مقصده؟ فلو توفر لهؤلاء المغربيات الحد الأدنى من الحقوق والكرامة ما أقدمن على مغامرة الكدح المذل والمهانة برمي أنفسهن في متاهات الاستغلال المضاعف ببلد ليس بلدهن، ولا قبلن بالفراق ساعة عن أطفالهن، وأكثرهم في سن الرضاعة والرعاية الأولية، ولا ابتعدن يوما عن أسرهن وعائلاتهن ووطنهم.

أم أن هذا هو "التمكين الاقتصادي والاجتماعي" للنساء المغربيات الذي تكلمت عنه الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، كجواب على ضعف مشاركة النساء المغربيات في سوق الشغل؟ 

دبلوماسية الفراولة

قصص كثيرة مثقلة بالأحزان والأسى تحكى في هذا المجال، فلكل واحدة من "نساء الفراولة" حكايتها وقصتها الأكثر حزنا، ولا تنتظر سوى كاتب من حجم الفرنسي العظيم فيكتور هيغو لينقلها في رواية بعنوان: "البئيسات" تضاف إلى ملحمته الروائية الخالدة "البؤساء".

ماذا بإمكان الفقيرات عمله حين تجد الواحدة منهن نفسها في أسرة لا معيل لها، فيها الزوج عاطل أو مريض أو ميت؟ ماذا تجد غير الخيارات التي تقدم لها ولأمثالها حين تمضي بلادها على اتفاقيات مع بلد أجنبي لاستغلالهن أبشع استغلال. 

فبعد إغلاق معبر باب سبتة ألقي بـ "نساء التهريب" إلى سبل القهر والضياع. لذلك لا تلام أسرة فقيرة مدقعة إلى إرسال بناتها كخادمات ببلدان الخليج، أو إلى امتهان أول مهنة في التاريخ الإنساني بمواخير الجهات الأربع، حيث أصبحت لا تخلو أي منطقة على الخريطة من قصص مأساوية للمغربيات، مآس تحكي عن مصارعة سيزيفية من أجل كسب لقمة العيش وإنقاذ أسرهن من براثن الجوع وقساوة الفقر.

وبالعودة إلى الأزمة المتفاعلة بين المغرب وإسبانيا، والتي تصاعدت منذ العام الماضي باستقبال مدريد لزعيم البوليساريو قصد التشافي بأحد مستشفياتها، رغم كونه مطلوب للعدالة الإسبانية، وفي حالة متسلل إلى إسبانيا بهوية مزورة. ولما أتى الجواب الإسباني مخيبا للرباط، جاء الرد بهجوم مغربي منظم لاختراق حدود سبتة المحتلة، تم فيه توظيف آلاف المهاجرين غير الشرعيين، بحوالي خمسة آلاف متسلل أغلبهم قاصرين. ما ضاعف من حدة توتر العلاقات بين البلدين، ثم مع الاتحاد الأوروبي.

واليوم يطرح سؤال حول ما إذا كان بإمكان عملية "نساء الفراولة" المتواصلة منذ أعوام، أداء دور ما باتجاه حلحلة الأزمة والتخفيف من حدتها. خصوصا وقد جلس الطرفان (المغرب وإسبانيا) للتفاهم من أجل إيجاد حل لأزمة القطاع الفلاحي الإسباني. فكيف لا يستتبع بخطوة موالية باتجاه حل بقية نقاط ملفات الخلاف لإنهاء التوتر العالي؟

للفراولة حلاوتها في الفم وتحت اللسان، ولها فوائدها الصحية أيضا، وفق إخصائيي التغذية، ومنها تنظيم ضغط الدم والحفاظ عليه تحت السيطرة قدر الإمكان، وتقوية وتحسين الدورة الدموية في الدماغ. وكلها فوائد تحتاجها "الدورة الدبلوماسية" السليمة بين الجارين. فبعد التوافق على فتح معبر صحي استثنائي لعاملات الفراولة، ألا يستدعي الموقف القطع مع سياسة الآذان الصماء وعدم الثقة بين الجارين، والعمل الجاد لفتح "معابر دبلوماسية" تؤدي إلى الرسو بميناء طي صفحات الخلاف والعودة الطبيعية بالعلاقات إلى الصداقة وموقعها الذي يجب أن تكون عليه.

أم أن الفراولة والتوت الأحمر فاكهة موطنها التربة الخصبة المشبعة بالمياه، وهذا طبعا ليس متوفرا في "الصحراء" العائمة في الرمال الحارقة؟

 لكن المستحيل ليس من معجم الدبلوماسية أبدا، الدبلوماسية القادرة على زرع الثقة وإنبات أوراق التفاهم والتوافق الموضوعي حول مسألة استرجاع المغرب لأقاليمه بالمستعمرة الاسبانية السابقة في "الصحراء الغربية"، أصل الخلاف ومنبته، وأفق أي حل ممكن.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).