آراء حرة

الحرية.. وكتابة السيرة الذاتية

18 يناير 2022

محمد المحمود

 

عبر التاريخ، وعلى امتداد العالم كله، لا يأخذ المُؤرِّخُ ولا الباحثُ الجَادُّ ما تقوله "السِّيَرُ الذاتية" على مَحْملِ الجد؛ لأنها ـ بطبيعتها ذاتيّة ـ مُخْتَرقة من عِدَّة محاور للتحيّز الخاص/ الذاتي، وللتحيّز العام أيضا، فضلا عن كونها في جَدَلٍ دائم ـ عَسيرٍ وخطيرٍ ـ مع شرط الحرية الذي هو شرط المعرفة الموضوعية الأول. فهذه السِّيَرُ الذاتية ـ والحال كذلك ـ لا تقول الحقيقة، لا تقول الحقيقة كاملة، أو لا تقول الحقيقة من زاوية عامة/ موضوعية، بل تقولها مِن زَاوية تَحَيُّزيّة مُنْحَرِفةٍ/ مُحَرِّفة؛ لهذا الأمر أو ذاك، أو هي لا تقول الحقيقة أصلا وفصلا، بل تكذب عن عمد؛ إذ تنسج من خلال "بعض الحقائق المُكَيَّفة" كثيرا من أباطيلها التي قد تكون هي هدف الكتابة من الأساس.  

لكن، هل يعني هذا أن على المؤرخ أو الباحث تجاهل كل ما تنقله هذه السَّيَرُ الذاتية من وقائع ومنقولات/ مقولات، خاصة ما يرتبط منها بعلاقة وثيقة بقضايا الشأن العام ؟ بالتأكيد، الجواب: لا، فهذه السَّيَرُ هي من مصادر التأريخ/ البحث الأولى، ولكن دور الباحث المُحَقِّق هنا يظهر في تتبّع وتحليل الأخبار والتصريحات الواردة فيها؛ عن طريق ربطها بسياقها من جهة، وعن طريق عقد المقارنات التوثيقية مع بقية مصادر التاريخ الأخرى من جهة ثانية. فإذا اتّسقت مع غيرها بأي شكل من أشكال الاتساق؛ فهي حقيقة بالتصديق؛ وإلا فلا. وكلما ارتفعت درجة التواتر، وتعدّدت مصاره، وتباينت توجّهات الفاعلين فيه، وكثرت القرائن، واستجاب السياق لها؛ كانت درجة صِدْقيّتها أوثق. وبقدر اطراد الصدق في سيرة ما؛ تكتسب هذه السيرة موثوقية في بقية أخبارها ومنقولاتها، أي في ما ترويه كمصدر وحيد.  

إن كاتب السيرة الذاتية، وأقصد: الذي يكتب سيرته الشخصية تحديدا، واقعٌ ـ بوعي وبلا وعي ـ في ضرورات الانتقاء. بل إن بعض الدارسين للسيرة يعد السيرة مجرد كتابة في الانتقاء أو بالانتقاء. فالكاتب ـ حتى لو أراد ـ لا يكتب كلَّ سيرته، وإلا لاحتاج لعشرات الألوف من الصفحات التي تغطي كل أيامه ولياليه. وبالتالي، فهو ـ بالضرورة ـ ينتقي ما يراه حقيقا بالكتابة أولا. ومن الواضح أن مَا يراه حقيقا بالكتابة هو يراه مُهِمًّا، مُهِمًّا له في التعبير عن نفسه ككاتب، ومُهِمًّا أيضا للقارئ، بوصفه لا يكتب سيرته ويطبعها وينشرها على نطاق واسع؛ دون أن يكون القارئ هدفا أوليّا لكتابته، ومتضمن في كل هذا أن ما يهمّ القارئ هو الهدف الأولي الذي يجب أخذه في الاعتبار/ في اختيار. 

وإذا كانت حياة الكاتب زاخرةً بما يراه مُهِمًّا له، ولقارئه أيضا، فإن الكاتب لا يستطيع تسطير كل ذلك، لا يستطيع تسطيره على نحو صريح، وربما على نحو ضمني أيضا، على اعتبار أن بعض الوقائع والمواقف والممارسات والتصريحات يضيق عنها فضاء الحرية المتاح: الفضاء الاجتماعي والديني والسياسي والمهني والعائلي، بل الذاتي أيضا. فالحقائق، حتى وإن كانت مُهِمّة، يتعذّر سردها بحرية، وإلا وجد الكاتب نفسه مُسْتهدَفا بالإلغاء/ النفي الجزئي أو الكلي من أحد هذه الفضاءات أو من بعضها، بل وربما منها كلها، وأكثر من ذلك؛ وربما وجد نفس عرضة للاضطهاد المعنوي والمادي المباشر؛ فيما لو أراد أن يقول/ ينقل في سيرته كلَّ ما يراه حقيقا بأن يبقى في سِجل التاريخ.  

هنا، نتحدث عن الحرية الكتابية بمفهومها الواسع، التي قد تكون "الحرية مع الذات/ في مواجهة الذات" أصعبها وأخطرها، فالتربية الذاتية (= تراكم المألوفات وترسّخها كطبائع/ كحقائق، ومنها نظرة المرء إلى ذاته؛ كما هي حقيقة أو كما يأمل أن تكون) قد تهبط بسقف الحرية/ حرية الكاتب إلى مستوى لا تستطيعه كلُّ السلطات الأخرى: الاجتماعية والسياسية والدينية والمهنية/ الوظيفية والعائلية، خاصة وأنها/ الحرية مع الذات سلطة كامنة، مُسْتوعِبة بالكامل، وخَفيّة/ غير واعية في الغالب؛ حتى على الكاتب.  

حتى أولئك الذين يُرِيدون كتابة حياتهم في وقائعها وهمومها واهتماماتها الشخصية البحتة، إنما ينتقون بالضرورة، بل ويُزيّفون بالضرورة, ذلك أن "فضاء الحياة الشخصية" في وقائعها واهتماماتها وآمالها مرتبط أوثق الارتباط بالفضاءات الأخرى، ابتداء من فضاء الأسرة القريبة، و وصولا إلى مجريات الأحداث العالمية الحاسمة، مرورا بكل التحولات الاجتماعية والسياسية وتطورات الفضاء المهني الخاص المرتبط ـ بدوره بالعالمي والسياسي والاجتماعي. 

هل كان الباحث العربي الكبير/ عبدالرحمن بدوي يستطيع أن يقول ما قاله في سيرته الذاتية (سيرة حياتي ج1و2) التي نشرها بعد موت عبد الناصر بثلاثين عاما؛ لو أنه كان يعيش بمصر زمنَ عبد الناصر؟ بل وهل كان المفكر الاقتصادي/ جلال أمين في سيرته (ماذا علمتني الحياة ؟) كان سيذكر ما كتبه أبوه بحق أمّه في مذكراته؛ فيما لو كان أبوه أو أمه لا يزالون أحياء ؟ وهل كان الكاتب المغربي/ محمد شكري في (الخبز الحافي) سيكتب كلَّ ما كتبه؛ لو أنه كان يعيش حياة عائلية/ اجتماعية واسعة العلاقات؟ 

إن الكاتب ليس كائنا خرافيا، ليس كائنا روحانيا معلقا في الفضاء المطلق، بل هو ـ في كل أحواله ـ إنسان واقعي، مرتبط بهذا أشد الارتباط. وإذا كان الكاتب الغربي (الذي اتّسَعت له دوائرُ الحرية في كل هذه الفضاءات السابق ذكرها بدرجة لا يحلم بها أيّ كاتب عربي ولو بعد عدّة قرون)، يُمارِس ـ بالضرورة ـ فَنَّ الانتقاء حتى وهو يسرد فضائحه الذاتية، فكيف بالكاتب العربي المتواشِج مع محيطه بحميميةٍ تفرض عليه الصمت التام؛ حتى فيما يسمح له القانون/ النظام بالحديث عنه، فكيف بما يتعاضد المجتمع والقانون على تجريمه/ تحريمه ؟! 

طبعا، ليس شرطا أن تكون السيرة الذاتية سلسلة "اعترافات" على نحو ما قام به بعض كبار الكتاب في الغرب؛ لتكون صادقة، وناطقة بحقيقة كاتبها وبحقيقة واقعه. فالحقيقة أن السيرة الذاتية ليست بانة التراث الغربي على نحو قاطع، بل لها بداياتها المعتبرة في التراث العربي، ويكفي أن نتذكر ما كتبه أبو حيان التوحيدي عن فقره وحاجته وعلاقاته برموز عصره، وما كتبه ابن سينا عن حياته، وكذلك الإمام الغزالي. فهؤلاء كتبوا شيئا من سيرتهم؛ دونما فضائح من الوزن الثقيل. ولكن ـ وهنا المأخذ عليهم حتى في سياق ظرفهم التاريخي ـ أن ما "انتخبوه" من وقائع حياتهم لم يكن تصويرا للحقيقة، أو لم يكن تصويرا للحقيقة من أهم جوانبها. ويكفي أن الغزالي ـ بما ذكره في "المنقذ من الضلال" أساسا، وفي غيره بالتبع ـ لم يُفْصِح عن الإلجاءات التي جعلته يعيش حالة انفصام خطيرة رصد معالمها؛ غير أنه لم يجرؤ/ لم يُرِد الحديث عن أسبابها الأولى؛ مع أن السياق كان يشترط ذكر هذه الأسباب.   

لتوفير حدّ أدنى من الموضوعية، نجد أن بعض كتّاب السيرة الذاتية يُؤكّدون ـ كنوع من الاعتراف بعدم القدرة على الاعتراف ـ أن في داخل أدمغتهم ما لا يستطيعون البوح به، ويؤكدون أنهم إذ يقولون الحقيقة فعلا، فإنهم لا يقولون "كل الحقيقة"؛ لأن "كل الحقيقة" ليست موضوعا للكتابة أصلا؛ حتى ولو تبجّح الكاتب بادعائها صراحة أو ضمنا. مثل هذا ما قاله غازي القصيبي في مقدمة كتابه (حياة في الإدارة)، حيث أكّد أنه سيقول الحقيقة، ولن يقول إلا الحقيقة، ولكن ليس كل الحقيقة/ كل الحقائق.  

لن يقول إلا الحقيقة، و ـ في الوقت نفسه ـ لن يقول كلَّ الحقيقة. هنا ينبعث سؤال/تساؤل: إذا كانت بعض الحقائق معزولة ـ نسبيا ـ عن علائقها؛ بحيث يمكن سردها مجردة من علائقها وسياقاتها، فكيف ببقية الحقائق ـ وهي الأكثر ـ؛ هل يمكن عزلها من سياقها، ومن ثَمَّ التعريف ببعضها والإعراض عن بعضها الآخر ؟ وهل ستكون ـ حينئذٍ ـ حقيقة معتبرة في الدراسات العلمية/ الموضوعية ؟! 

أحيانا، ولاعتبارات "ثمن الحقيقة"، يجري التعويض بالأدب، أي التعويض بالجمالي عن الموضوعي. هنا تأتي اللغة بمجازاتها وصورها الباذخة، هنا تأتي الرومانسيات النازفة أشواقًا وبكاءً وتهويما أو الضربة على أوتار تراجيديا المآسي العاصفة؛ ليشتغل القارئ بـ"المُنْجَز الكتابي" بوصفه حقيقة مُتَعيّنة بحد ذاته، فيكون هو البداية والنهاية، هو وحده بوصلة العمل القرائي، وليس ما وراءه من وقائع وأحداث وشخصيات. ويمكن ـ بدرجة ما ـ اعتبار "الأيام" لطه حسين من هذا النوع الذي أصبح فيه "النص السِّيَري" أهم بكثير من وقائع حياة النَّاص/ الكاتب. 

على أية حال، ليس في كتابة "السيرة الذاتية" وحدها، يحدث هذا الكم الهائل من التحيّزات الواعية وغير الواعية. صحيح أن السيرة الذاتية بحكم كونها "ذاتية" بدرجة مضاعفة (الكاتب هو ذاته موضوع الكتابة) هي الأكثر تورطا في سلسلة التحيزيات وفي سلسلة الاضطرارات أيضا، ولكن ـ في النهاية ـ نجد أن كل صور الكتابة التي تسرد وقائع أو تصف أحداثا أو تُقيّم أشخاصا، إنما تمرّ عبر وسيط غير محايدٍ أبدا، إنها تمرّ عبر عدسة وعي الكاتب الملونة بثقافة وبمهارته الكتابية وبهمومه وبانتماءاته، وحتى بحدود العدسة ذاتها، أي بطبيعتها الأولى.   

أخيرا، هل معنى كل ما سبق أن نَكُفَّ عن كتابة سِيَرنا الذاتية أو نَكُفَّ عن قراءة ما كتب منها ؟ الجواب بالتأكيد: لا. لكن المطلوب أننا إذ نكتب سِيَرَنا الذاتية يجب أن نكون واعين بحدود حريتنا، وأن نسعى لِمَدّ حدود هذه الحرية ما أمكن، وأن ندرك أن الحرية في الكتابة، والكتابة السِّيَرية بالذات، قابلة للعدوى في اتساعها وضيقها، وأن تعليق جرس الصراحة إنما هي مهمة الشجعان. وفي المقابل أيضا، أن نَكُفَّ عن قراءة هذه السِّيَر المُنْجَزَة بوصفها حقائق، بل نقرأها بشرطها السياقي العام، وبشرطها السياقي الخاص، الخاص بالكاتب، ونَعي تمام الوعي أن الكاتب قد يقول ما يقوله لمجرد أن يَسكت عن أشياء أخرى. والغالب أن هذا "المسكوت عنه"، أهم بكثير من "المَقول صراحة"، وأن "بعض الحقائق المُرّة"، إنما يجري سردها لإخفاء "كثير من الحقائق المُرّة" الأكبر والأخطر والأشد حرجا.      

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).