Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الحرية.. وكتابة السيرة الذاتية

18 يناير 2022

محمد المحمود

 

عبر التاريخ، وعلى امتداد العالم كله، لا يأخذ المُؤرِّخُ ولا الباحثُ الجَادُّ ما تقوله "السِّيَرُ الذاتية" على مَحْملِ الجد؛ لأنها ـ بطبيعتها ذاتيّة ـ مُخْتَرقة من عِدَّة محاور للتحيّز الخاص/ الذاتي، وللتحيّز العام أيضا، فضلا عن كونها في جَدَلٍ دائم ـ عَسيرٍ وخطيرٍ ـ مع شرط الحرية الذي هو شرط المعرفة الموضوعية الأول. فهذه السِّيَرُ الذاتية ـ والحال كذلك ـ لا تقول الحقيقة، لا تقول الحقيقة كاملة، أو لا تقول الحقيقة من زاوية عامة/ موضوعية، بل تقولها مِن زَاوية تَحَيُّزيّة مُنْحَرِفةٍ/ مُحَرِّفة؛ لهذا الأمر أو ذاك، أو هي لا تقول الحقيقة أصلا وفصلا، بل تكذب عن عمد؛ إذ تنسج من خلال "بعض الحقائق المُكَيَّفة" كثيرا من أباطيلها التي قد تكون هي هدف الكتابة من الأساس.  

لكن، هل يعني هذا أن على المؤرخ أو الباحث تجاهل كل ما تنقله هذه السَّيَرُ الذاتية من وقائع ومنقولات/ مقولات، خاصة ما يرتبط منها بعلاقة وثيقة بقضايا الشأن العام ؟ بالتأكيد، الجواب: لا، فهذه السَّيَرُ هي من مصادر التأريخ/ البحث الأولى، ولكن دور الباحث المُحَقِّق هنا يظهر في تتبّع وتحليل الأخبار والتصريحات الواردة فيها؛ عن طريق ربطها بسياقها من جهة، وعن طريق عقد المقارنات التوثيقية مع بقية مصادر التاريخ الأخرى من جهة ثانية. فإذا اتّسقت مع غيرها بأي شكل من أشكال الاتساق؛ فهي حقيقة بالتصديق؛ وإلا فلا. وكلما ارتفعت درجة التواتر، وتعدّدت مصاره، وتباينت توجّهات الفاعلين فيه، وكثرت القرائن، واستجاب السياق لها؛ كانت درجة صِدْقيّتها أوثق. وبقدر اطراد الصدق في سيرة ما؛ تكتسب هذه السيرة موثوقية في بقية أخبارها ومنقولاتها، أي في ما ترويه كمصدر وحيد.  

إن كاتب السيرة الذاتية، وأقصد: الذي يكتب سيرته الشخصية تحديدا، واقعٌ ـ بوعي وبلا وعي ـ في ضرورات الانتقاء. بل إن بعض الدارسين للسيرة يعد السيرة مجرد كتابة في الانتقاء أو بالانتقاء. فالكاتب ـ حتى لو أراد ـ لا يكتب كلَّ سيرته، وإلا لاحتاج لعشرات الألوف من الصفحات التي تغطي كل أيامه ولياليه. وبالتالي، فهو ـ بالضرورة ـ ينتقي ما يراه حقيقا بالكتابة أولا. ومن الواضح أن مَا يراه حقيقا بالكتابة هو يراه مُهِمًّا، مُهِمًّا له في التعبير عن نفسه ككاتب، ومُهِمًّا أيضا للقارئ، بوصفه لا يكتب سيرته ويطبعها وينشرها على نطاق واسع؛ دون أن يكون القارئ هدفا أوليّا لكتابته، ومتضمن في كل هذا أن ما يهمّ القارئ هو الهدف الأولي الذي يجب أخذه في الاعتبار/ في اختيار. 

وإذا كانت حياة الكاتب زاخرةً بما يراه مُهِمًّا له، ولقارئه أيضا، فإن الكاتب لا يستطيع تسطير كل ذلك، لا يستطيع تسطيره على نحو صريح، وربما على نحو ضمني أيضا، على اعتبار أن بعض الوقائع والمواقف والممارسات والتصريحات يضيق عنها فضاء الحرية المتاح: الفضاء الاجتماعي والديني والسياسي والمهني والعائلي، بل الذاتي أيضا. فالحقائق، حتى وإن كانت مُهِمّة، يتعذّر سردها بحرية، وإلا وجد الكاتب نفسه مُسْتهدَفا بالإلغاء/ النفي الجزئي أو الكلي من أحد هذه الفضاءات أو من بعضها، بل وربما منها كلها، وأكثر من ذلك؛ وربما وجد نفس عرضة للاضطهاد المعنوي والمادي المباشر؛ فيما لو أراد أن يقول/ ينقل في سيرته كلَّ ما يراه حقيقا بأن يبقى في سِجل التاريخ.  

هنا، نتحدث عن الحرية الكتابية بمفهومها الواسع، التي قد تكون "الحرية مع الذات/ في مواجهة الذات" أصعبها وأخطرها، فالتربية الذاتية (= تراكم المألوفات وترسّخها كطبائع/ كحقائق، ومنها نظرة المرء إلى ذاته؛ كما هي حقيقة أو كما يأمل أن تكون) قد تهبط بسقف الحرية/ حرية الكاتب إلى مستوى لا تستطيعه كلُّ السلطات الأخرى: الاجتماعية والسياسية والدينية والمهنية/ الوظيفية والعائلية، خاصة وأنها/ الحرية مع الذات سلطة كامنة، مُسْتوعِبة بالكامل، وخَفيّة/ غير واعية في الغالب؛ حتى على الكاتب.  

حتى أولئك الذين يُرِيدون كتابة حياتهم في وقائعها وهمومها واهتماماتها الشخصية البحتة، إنما ينتقون بالضرورة، بل ويُزيّفون بالضرورة, ذلك أن "فضاء الحياة الشخصية" في وقائعها واهتماماتها وآمالها مرتبط أوثق الارتباط بالفضاءات الأخرى، ابتداء من فضاء الأسرة القريبة، و وصولا إلى مجريات الأحداث العالمية الحاسمة، مرورا بكل التحولات الاجتماعية والسياسية وتطورات الفضاء المهني الخاص المرتبط ـ بدوره بالعالمي والسياسي والاجتماعي. 

هل كان الباحث العربي الكبير/ عبدالرحمن بدوي يستطيع أن يقول ما قاله في سيرته الذاتية (سيرة حياتي ج1و2) التي نشرها بعد موت عبد الناصر بثلاثين عاما؛ لو أنه كان يعيش بمصر زمنَ عبد الناصر؟ بل وهل كان المفكر الاقتصادي/ جلال أمين في سيرته (ماذا علمتني الحياة ؟) كان سيذكر ما كتبه أبوه بحق أمّه في مذكراته؛ فيما لو كان أبوه أو أمه لا يزالون أحياء ؟ وهل كان الكاتب المغربي/ محمد شكري في (الخبز الحافي) سيكتب كلَّ ما كتبه؛ لو أنه كان يعيش حياة عائلية/ اجتماعية واسعة العلاقات؟ 

إن الكاتب ليس كائنا خرافيا، ليس كائنا روحانيا معلقا في الفضاء المطلق، بل هو ـ في كل أحواله ـ إنسان واقعي، مرتبط بهذا أشد الارتباط. وإذا كان الكاتب الغربي (الذي اتّسَعت له دوائرُ الحرية في كل هذه الفضاءات السابق ذكرها بدرجة لا يحلم بها أيّ كاتب عربي ولو بعد عدّة قرون)، يُمارِس ـ بالضرورة ـ فَنَّ الانتقاء حتى وهو يسرد فضائحه الذاتية، فكيف بالكاتب العربي المتواشِج مع محيطه بحميميةٍ تفرض عليه الصمت التام؛ حتى فيما يسمح له القانون/ النظام بالحديث عنه، فكيف بما يتعاضد المجتمع والقانون على تجريمه/ تحريمه ؟! 

طبعا، ليس شرطا أن تكون السيرة الذاتية سلسلة "اعترافات" على نحو ما قام به بعض كبار الكتاب في الغرب؛ لتكون صادقة، وناطقة بحقيقة كاتبها وبحقيقة واقعه. فالحقيقة أن السيرة الذاتية ليست بانة التراث الغربي على نحو قاطع، بل لها بداياتها المعتبرة في التراث العربي، ويكفي أن نتذكر ما كتبه أبو حيان التوحيدي عن فقره وحاجته وعلاقاته برموز عصره، وما كتبه ابن سينا عن حياته، وكذلك الإمام الغزالي. فهؤلاء كتبوا شيئا من سيرتهم؛ دونما فضائح من الوزن الثقيل. ولكن ـ وهنا المأخذ عليهم حتى في سياق ظرفهم التاريخي ـ أن ما "انتخبوه" من وقائع حياتهم لم يكن تصويرا للحقيقة، أو لم يكن تصويرا للحقيقة من أهم جوانبها. ويكفي أن الغزالي ـ بما ذكره في "المنقذ من الضلال" أساسا، وفي غيره بالتبع ـ لم يُفْصِح عن الإلجاءات التي جعلته يعيش حالة انفصام خطيرة رصد معالمها؛ غير أنه لم يجرؤ/ لم يُرِد الحديث عن أسبابها الأولى؛ مع أن السياق كان يشترط ذكر هذه الأسباب.   

لتوفير حدّ أدنى من الموضوعية، نجد أن بعض كتّاب السيرة الذاتية يُؤكّدون ـ كنوع من الاعتراف بعدم القدرة على الاعتراف ـ أن في داخل أدمغتهم ما لا يستطيعون البوح به، ويؤكدون أنهم إذ يقولون الحقيقة فعلا، فإنهم لا يقولون "كل الحقيقة"؛ لأن "كل الحقيقة" ليست موضوعا للكتابة أصلا؛ حتى ولو تبجّح الكاتب بادعائها صراحة أو ضمنا. مثل هذا ما قاله غازي القصيبي في مقدمة كتابه (حياة في الإدارة)، حيث أكّد أنه سيقول الحقيقة، ولن يقول إلا الحقيقة، ولكن ليس كل الحقيقة/ كل الحقائق.  

لن يقول إلا الحقيقة، و ـ في الوقت نفسه ـ لن يقول كلَّ الحقيقة. هنا ينبعث سؤال/تساؤل: إذا كانت بعض الحقائق معزولة ـ نسبيا ـ عن علائقها؛ بحيث يمكن سردها مجردة من علائقها وسياقاتها، فكيف ببقية الحقائق ـ وهي الأكثر ـ؛ هل يمكن عزلها من سياقها، ومن ثَمَّ التعريف ببعضها والإعراض عن بعضها الآخر ؟ وهل ستكون ـ حينئذٍ ـ حقيقة معتبرة في الدراسات العلمية/ الموضوعية ؟! 

أحيانا، ولاعتبارات "ثمن الحقيقة"، يجري التعويض بالأدب، أي التعويض بالجمالي عن الموضوعي. هنا تأتي اللغة بمجازاتها وصورها الباذخة، هنا تأتي الرومانسيات النازفة أشواقًا وبكاءً وتهويما أو الضربة على أوتار تراجيديا المآسي العاصفة؛ ليشتغل القارئ بـ"المُنْجَز الكتابي" بوصفه حقيقة مُتَعيّنة بحد ذاته، فيكون هو البداية والنهاية، هو وحده بوصلة العمل القرائي، وليس ما وراءه من وقائع وأحداث وشخصيات. ويمكن ـ بدرجة ما ـ اعتبار "الأيام" لطه حسين من هذا النوع الذي أصبح فيه "النص السِّيَري" أهم بكثير من وقائع حياة النَّاص/ الكاتب. 

على أية حال، ليس في كتابة "السيرة الذاتية" وحدها، يحدث هذا الكم الهائل من التحيّزات الواعية وغير الواعية. صحيح أن السيرة الذاتية بحكم كونها "ذاتية" بدرجة مضاعفة (الكاتب هو ذاته موضوع الكتابة) هي الأكثر تورطا في سلسلة التحيزيات وفي سلسلة الاضطرارات أيضا، ولكن ـ في النهاية ـ نجد أن كل صور الكتابة التي تسرد وقائع أو تصف أحداثا أو تُقيّم أشخاصا، إنما تمرّ عبر وسيط غير محايدٍ أبدا، إنها تمرّ عبر عدسة وعي الكاتب الملونة بثقافة وبمهارته الكتابية وبهمومه وبانتماءاته، وحتى بحدود العدسة ذاتها، أي بطبيعتها الأولى.   

أخيرا، هل معنى كل ما سبق أن نَكُفَّ عن كتابة سِيَرنا الذاتية أو نَكُفَّ عن قراءة ما كتب منها ؟ الجواب بالتأكيد: لا. لكن المطلوب أننا إذ نكتب سِيَرَنا الذاتية يجب أن نكون واعين بحدود حريتنا، وأن نسعى لِمَدّ حدود هذه الحرية ما أمكن، وأن ندرك أن الحرية في الكتابة، والكتابة السِّيَرية بالذات، قابلة للعدوى في اتساعها وضيقها، وأن تعليق جرس الصراحة إنما هي مهمة الشجعان. وفي المقابل أيضا، أن نَكُفَّ عن قراءة هذه السِّيَر المُنْجَزَة بوصفها حقائق، بل نقرأها بشرطها السياقي العام، وبشرطها السياقي الخاص، الخاص بالكاتب، ونَعي تمام الوعي أن الكاتب قد يقول ما يقوله لمجرد أن يَسكت عن أشياء أخرى. والغالب أن هذا "المسكوت عنه"، أهم بكثير من "المَقول صراحة"، وأن "بعض الحقائق المُرّة"، إنما يجري سردها لإخفاء "كثير من الحقائق المُرّة" الأكبر والأخطر والأشد حرجا.      

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)
مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)

بابكر فيصل

إقحام الشأن الديني في الأمر السياسي لدى جماعة الإخوان المسلمين يدخلها في تناقضات مكشوفة. وبما أنها تستند في تبرير مشروعية وجودها السياسي على الدين، فإن مثل هذا التناقض يعمل على تشويه صورة الدين الذي يتسامى على صراعات السياسة المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة على الدوام.

وتكشف مواقف الجماعة من قضية "الحرية" في مختلف تجلياتها تضاربا صارخاً في الخطاب وتناقضاً بائناً بين الأقوال والأفعال مما يؤكد أن الإخوان يقومون على الدوام بتوظيف هذه القضية ضمن قضايا كثيرة أخرى بطريقة دينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية خالصة.

في هذا الإطار، أناقش في هذا المقال بعض النقاط الواردة في البيان الصادر عن مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في دورة انعقاده الخامسة التي اختمت في، إسطنبول تركيا في 29 يناير الماضي. وكما هو معروف فإن الإتحاد الذي أسسه الدكتور يوسف القرضاوي في عام 2004 بالعاصمة القطرية، الدوحة، يعتبر أكبر هيئة فكرية مُعبِّرة عن مواقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

وجه البيان رسالة إلى من أسماهم "العلماء" حثهم فيها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، على (الحفاظ على ثوابت الإسلام العقدية والشرعية والأخلاقية والحضارية بما يسهم في بناء الأوطان وتوحيد الأمة والنهوض الحضاري وإقامة العدل والحق وتعظيم حرمة الدماء والأعراض والأموال).

كما دعا البيان حكومات الدول العربية والإسلامية إلى التصالح مع شعوبها على قاعدة (العدل والحرية والكرامة)، وطالبها باحترام (العلماء والمؤسسات العلمائية وتأمين دورهم الإيجابي في التوعية والتربية والتوحيد والتجديد، ويؤكد على وجوب إطلاق سراح العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين وسائر المظلومين الذين يسجنون بغير حق في أي بلد).

من المؤكد أن بعض هذه المُطالبات سليمة وتمثل القاعدة الصحيحة لتأسيس نظم الحكم الديمقراطية في مقابل النظم الاستبدادية ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب الذي يتبناه الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخصوص هذه الدعوات والمطالبات.

لقد حكمت جماعة الإخوان المسلمين بلداً مثل السودان لمدة ثلاثين سنة بالحديد والنار وشيدت أعتى دولة بوليسية شهدتها البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني وكانت قد وصلت إلى السلطة عبر دبابة عسكرية أجهضت بها نظام الحكم الشرعي المنتخب من الشعب والذي كانت الجماعة جزءاً منه وتمثل ثالث كتلة برلمانية من حيث عدد النواب.
هذه الدولة الإخوانية البوليسية انتهكت الأعراض وقتلت الأبرياء في السجون وأشعلت الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العزل ومع ذلك لم نسمع كلمة واحدة من الإتحاد العالمي تدين هذه الممارسات وتقف إلى جانب الضحايا !!

وعلى الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان المسلمين في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات واضطهاد المعارضين ظل الاتحاد العالمي صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية المعروفة باسم "بيوت الأشباح" من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيدولوجية والسياسية.

ليس هذا فحسب بل أن الاتحاد ظل يقدم دعمه المطلق للطاغية المخلوع عمر البشير عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني من ويلات الفقر والمرض والحروب.     

لا يخالجني أدنى شك في أن مطالبات الإتحاد الأخيرة للحكام بإطلاق سراح "المظلومين" ما كانت لتأتي لولا وجود قيادات وأعضاء الإخوان في سجون بعض الأنظمة العربية الحاكمة مما يعني أنها مطالبات لا تنبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين للجماعة.

أما من أطلق عليهم البيان صفة العلماء وقال أنهم "ورثة الأنبياء", ومن بينهم الموالين لنظام حكم الجماعة فقد كان موقفهم شبيهاً بموقف الإتحاد العالمي حيث صمتوا عن كل جرائم القتل والترويع والإبادة بل أن أحدهم أفتى للطاغية المخلوع عمر البشير بإمكانية قتل ثلث الشعب حتى يستتب الأمن ويستقر النظام ! 

لا يكشف بيان الإتحاد ازدواجية مواقف الإخوان من قضية الحرية فحسب، بل هو يوضح تناقض موقف الجماعة من الانحياز للأنظمة والدول التي تدعم الإخوان وتلك التي تحاربهم حيث جاء في خاتمة البيان الآتي: (وفي الختام يٌقدم المجلس شكره لهذا البلد العزيز تركيا رئيساً وحكومة وشعباً على مواقفه المشرفة نصرةً لكتاب الله ولقضايا الأمة وكل من يقف مع الحق).

البيان يقول أن مواقف تركيا "العلمانية" التي تتمتع بعضوية "حلف الناتو" وترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" تمثل "نصرة لكتاب الله" ولكل من "يقف مع الحق “، والمعنى هنا هو أن تركيا أصبحت ملاذاً آمناً لأعضاء الجماعة "أهل الحق" الهاربين من بلدانهم لأسباب سياسية.

وعندما كانت معارضة النظام الإخواني المستبد في السودان تنطلق من دول عربية وأفريقية، كانت الجماعة تعتبرها معارضة ارتزاق وخيانة وعمالة تتلقى المساعدة والدعم من الأنظمة العلمانية واسرائيل والدول الغربية الساعية لإسقاط الدولة الإسلامية في الخرطوم فتأمل!

لا شك أن الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ، بينما ظلت مواقف الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في هذا الخصوص غير متسقة وتحمل تناقضا داخليا وازدواجية في المعايير وتتسم بالذرائعية الخادمة للأجندة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).