Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

ناشطات تونسيات في احتجاج سابق (أرشيف)
ناشطات تونسيات في احتجاج سابق (أرشيف)

ابتهال الخطيب

 

 

مع دخول المرأة عالميا كافة مجالات الحياة بلا استثناء، ومع توالي إنجازاتها سواء على المستوى الحقوقي من حيث استحواذها على المزيد من الحقوق الإنسانية التي يكفلها لها جنسها الإنساني أو على المستوى العملي من حيث ريادتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى الرغم من العراقيل الغريبة التي تبدو وكأنها امتداد لذيول فكرية غابرة ضامرة مصرة على الوصول للقرن الواحد والعشرين مثل الاعتراض على دخولها المجال القضائي أو المجال العسكري (في الكويت طلب وزير الدفاع رأي دار الافتاء في ضم أول دفعة نسائية للجيش الكويتي)، أقول إنه مع كل الإنجازات ورغم كل العراقيل التي تتعدى الصعوبة أحيانا لتصل حد الغرابة والكوميدية، اليوم نحتاج أن نتوجه وجهة مهمة وشائكة في مسيرة تحرير النساء وإنصافهن وتحقيق العدالة التامة لجنسهن البشري، نحتاج أن نتجه وجهة الحياة الخاصة وتمثيلها القانوني في قوانين الأحوال الشخصية.  

ولقد سبقت تونس في هذا المضمار، فأحدثت نوع من الثورة الإصلاحية في المجالات الإنسانية (وذلك لحين أخذوا انعطافة مخيفة بإقدام الرئيس على تحريك إجراءات قمعية تجاه صحفيي البلد)، حيث كان من بين هذه الإصلاحات ما ظهر في صورة تغييرات جذرية في "مجلة الأحوال الشخصية" وهو اللفظ الذي يطلق على ذات القانون. وعلى الرغم من الخطوات الهامة التي اتخذتها تونس، لا يزال هناك قصور وبطئ (مفهومين وإن كانا غير مبررين في عالمنا العربي الداكن المخيف) في التحرك باتجاه التحرير الاجتماعي التام للمرأة.

وحين كتبت أنا في مقالين سابقين أستنكر السلطة الاجتماعية للذكور على النساء في عالمنا العربي، ثارت ثائرة المتابعين على وسائل التواصل، بما يوحي بصعوبة تحقيق التغيير الفكري الشعبي بالسرعة المطلوبة، وبما يؤكد على الضرورة الملحة لتشريع قوانين فورية تحمي المرأة، تقويها إجتماعيا، وتضمن حريتها وحقها في السير بحياتها في الاتجاه الذي تريد. في الواقع، لازلت أؤمن تماما بأن الديموقراطية الرجعية أفضل بمراحل من التنوير الديكتاتوري، وأن الصبر على التغيير المطلوب مهم، وهو طريق أكثر شرعية وثبات وديمومة. إلا أن الحقوق والأمن هي أمور لا تحتمل التغيير البطيء المتمهل الذي تنتهجه الشعوب عموما، وشعوبنا الشرق أوسطية على وجه التحديد. لا يمكن الانتظار لحين إقناع الناس بحق المرأة في الحياة، في الحرية، في الاختيار الاجتماعي والحياتي، في الأمن والسلامة الجسدية والنفسية حتى يتم تطبيق هذه البديهيات الإنسانية. إذا لم يقرها المجتمع من أسفله، فلابد أن يقننها نخبته الاجتماعية والفكرية والسياسية من أعلاه، لابد أن يحمي المجتمع أقلياته سواءا كانت عددية أو سياسية أو اجتماعية. المجتمع الذي يترك أقلياته عرضة لأهواء الناس ولأغلبية تصويتية في قراراتهم حتى لو أتت ظالمة مجحفة مهددة لأمنهم وسلامتهم هي ليست مجتمعات مدنية، هي مجتمعات شمولية، تنتمي لزمن غير الزمن ولنمط سياسي غير النمط ولواقع حياتي غير الواقع الحالي. 

وعليه، لابد، في أي وكل دولة تدعي أنها كيان مدني ينتمي للمنظومة العالمية الحالية، من إلغاء المنظور الهرمي المبني على الجنس لقوانينها عامة ولقوانين الأحوال الشخصية تحديدا، وذلك ضمانا وحماية لحقوق متساوية وقوة اجتماعية متوازية للجنسين في الحياة الخاصة كما العامة حتى لا يصبح هناك قوي وضعيف، قائد وتابع، وحاكم ومحكوم داخل المنظومة الحياتية والأسرية. فلا يعقل أن تعجز الوزيرة في بلدها مثلا أو الجندية في جيشه أو النائبة في مجلس أمته (أو أي وكل امرأة أخرى) من تحرير نفسها من زواج لا ترغب به، لا يعقل أن تكون عرضة لإعادتها، ومن دون علمها، "لعصمة" الزوج في أي لحظة بعد طلاق رجعي منه ولمدة ثلاث شهور، لا يعقل أن لا يكون لها أي سلطة على أبناء حملتهم في جسدها وكانت ولا تزال هي القوة التربوية والاعتنائية الأولى بهم طوال حياتهم، لا يعقل أن يُبرر عنف الرجل تجاهها تحت مسمى "جريمة شرف" والتي يُقر لها قوانين مخففة في العديد من الدول العربية والتي منها الكويت، لا يعقل أن يخاطبها رجل القانون، كما رجل الدين، بخطاب الطاعة والانكسار والرضوخ القسريين لإرادة ورغبات الزوج، حتى الجسدي منها، في دولة يفترض أنها تنظر "لمواطنين" متساوين لا "لرعايا" طبقيين من ذكور وإناث، تنظر للكينونة الإنسانية لا لظرفها البيولوجي أو حظها الاجتماعي الذي لا يد لها في تكوينه مطلقاً.

تحتاج قوانيننا ذات الطابع الذكوري إلى نفضة قوية، أولها وأحوجها لنفضة جامحة هي قوانين الأحوال الشخصية التي يجب أن تتغير عن بكرة أبيها إلى قوانين مدنية بحتة تعامل الإنسان بحياد وتحترم حريته وحقه في تقرير مصيره بغض النظر عن جنسه. ليست تلك بالمهمة المستحيلة رغم حساسيتها الكبيرة، فالكثير من القوانين الأخرى ألغت منظورها الجنسي للإنسان وعاملته على أنه كذلك، إنسان فقط، حتى في مجتمعاتنا الغائرة في التصنيف والتفرقة. لربما قوانين الأحوال الشخصية هي أصعبها بسبب من ارتباطها الوثيق بالقراءات الشرعية ولكونها الأكثر تأثيرا في الحياة، وعليه فهي تحديدا ما تتطلب العمل عليها فورا ومن دون تأخير. ولابد للجنسين أن يشكلا قوى متساوية متوازية في قوانين الدولة المدنية، تلك الدولة التي لا يعيبها ولا ينفي عنها مدنيتها توجه كما توجهها لخلق طبقات وهرميات في مجتمعها، حيث يأكل القوي الضعيف وينتهك المسنود قانونيا المكشوف المحروم من الحماية الإنسانية والقوة المجتمعية والسلطة الذاتية على حياته. الدولة المدنية لا تنظر لجنس، لدين، لأصل، لطبقة اجتماعية، ويا سبحان من شكل دولنا بمنظوماتها الثقافية الغائرة في القدم لتعاند هذا القانون الأول والأهم للدول المدنية وفي كل مناحيه تحديدا، لتنظر إلى وتعتبر تماما الجنس والدين والأصل والطبقة الاجتماعية في صنعها لمعظم قوانينها وخصوصاً تلك التي تحكم الحياة الخاصة للأفراد. 

بلا تحرير المرأة أسريا واجتماعيا، على الأقل في القوانين المدنية حاليا لحين لحاق الفكر والثقافة المجتمعيين بها، وبلا تمكينها بشكل تام ومطلق وغير مشروط من حياتها ومصيرها واختياراتها، لن يستتب العدل، وبالتالي لن تتزن المعادلة الإنسانية والأخلاقية، وعليه لن يذهب المجتمع إلى أي مكان سوى إلى الخلف.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).