Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الشرطة الدينية.. منكر مستمر!

21 يناير 2022

 

عمران سلمان

بحسب تقرير أخير لوكالة الصحافة الفرنسية فإن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية تصارع من أجل وجودها. فهي على الرغم من تقليص مهامها وحصرها ضمن مظاهر شكلية ومكتبية بعد أن كانت جهازا مخيفا يسيطر على الشوارع والمولات والساحات العامة ويتحكم في أنفاس الناس وحركاتهم، فإنها لا تزال قائمة ولم يتم حلها أو دمجها في وزارات أو هيئات رسمية أخرى.

وهذا يطرح بدوره سؤالا مهما، وهو ما السبب في الإبقاء على هذا الجهاز في الوقت الذي تقوم فيه السعودية بإصلاح وتحديث نظامها وقوانينها كي تتماشى مع روح العصر؟

فالهيئة جهاز ينتمي إلى العصور القديمة والتي كانت معروفة خلالها باسم شرطة الحسبة، أي الشرطة الدينية التي تتجسس على الناس وتراقب تصرفاتهم وتعاقبهم تحت مسمى نشر الفضيلة ودرء الرذيلة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد استخدمها الحكام عبر التاريخ كأداة لترويع الناس وإخضاعهم وفرض أيديولوجية السلطة الحاكمة وضمان عدم انتشار الأفكار والآراء الناقدة لهذه السلطة في المجتمع.

وفي الوقت الحاضر لجأت أكثر الجماعات أو الدول استبدادا وتسلطا إلى هذا النوع من الأجهزة، كما هو الحال مع تنظيم داعش الذي أحيا شرطة الحسبة واستعان بها لإرهاب وقمع السكان الذين كانوا تحت سيطرته، وكذلك ظهرت ضمن تشكيلات هيئة تحرير الشام (تنظيم القاعدة) في محافظة إدلب السورية. 

ونفس الجهاز موجود أيضا في إيران تحت مسمى ميليشيات الباسيج، والتي وظيفتها فرض الحجاب والإلزام الإكراهي بما يسمونه "الأخلاق والقواعد الإسلامية".

وبالطبع لا ننسى أفغانستان تحت حكم نظام طالبان فهي تشكل علامة بارزة في هذا المجال، فالنظام والحكومة كلها في الواقع شرطة دينية، فلا يحتاج الأمر إلى جهاز خاص بهذه المسألة. 

والواقع أن الفكرة الرئيسية التي تقوم خلف جهاز الحسبة أو الشرطة الدينية هي فكرة الوصاية والحق في تشكيل أفكار الناس وآرائهم والتدخل في خصوصياتهم وأخلاقهم والطريقة التي يسلكون بها في حياتهم. والسؤال هنا من الذي يعطي الحاكم أو الدولة أو الميليشيات هذا الحق؟

إن الاستناد إلى الدين أو التفسير الديني لا يمنح مثل هذا الحق، إلا بالنسبة لمن يؤمنون بهذا التفسير، فهم من حقهم تطبيقه على أنفسهم، ولكن ليس على باقي الناس. 

والذين يلجؤون إلى الدين في دفاعهم أو مقاربتهم لهذه المسألة يرتكبون خطأ فادحا في حق أنفسهم وفي حق الآخرين، لأنهم يوافقون على مفهوم الرعية وكون الإنسان مجرد رعية وليس مواطنا. إن جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شرطة الحسبة هي مصممة للتعامل مع السكان على أنهم رعية وقصرا وليسوا مواطنين. فهم موضوع لإرادة النظام الحاكم يشكلها على النحو الذي يريد، فهو لا ينظر لهم على أنهم أفراد متساوون وقادرون على تحقيق النفع والصلاح لأنفسهم، وإنما هم بحاجة دائما إلى مساعدة الدولة في تحديد ما ينفعهم وما يضرهم، وما الذي يجعل منهم رعايا صالحين أو فاسدين!  

على العكس من ذلك حيثما يوجد مواطنون وتوجد دولة مواطنين لا يمكن للدولة أن تتدخل في مسألة تحديد الأخلاق أو الآداب أو السلوك الشخصي، فهذه أمور تدخل في إطار حرية التعبير والاعتقاد وما شابه والتي تحفظها القوانين والتشريعات المختلفة.  

إن الأمر المثير هنا هو أن هذه الأجهزة لها جانب سياسي واضح في عملها ونشاطها - وفي حالة السعودية يبدو أن الإبقاء على جهاز الهيئة مقصود منه الاستفادة من حجمه وخبرته في محاربة تيارات الإسلام السياسي والجماعات التكفيرية - ومع ذلك فإن الإبقاء على صبغتها الدينية يحولها إلى عبء بدلا من ميزة، لأنه ينقلها من حيز السياسة إلى فضاء الدين، وهو نفس الشيء الذي تقوم به الجماعات الإسلامية التكفيرية.

المطلوب هو إلغاء هذه الأجهزة وحلها وإدماج عناصرها في مؤسسات الدولة المختلفة، فلا يمكن لدولة تدعي أنها عصرية وحديثة أن تحتفظ بجهاز للشرطة الدينية أو تتبنى هذا المفهوم، فهو مخالف ويتناقض مع المواثيق الدولية، وعلى رأسها ميثاق حقوق الإنسان. والدول مثل الأفراد تحتاج إلى رمي بعض الأحمال والتخفيف من أخرى كي تتمكن من العبور السلس والسهل نحو المستقبل، ولا شك أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الأجهزة المماثلة إنما هي تنتمي إلى الماضي وليس إلى المستقبل!

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)
مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)

بابكر فيصل

إقحام الشأن الديني في الأمر السياسي لدى جماعة الإخوان المسلمين يدخلها في تناقضات مكشوفة. وبما أنها تستند في تبرير مشروعية وجودها السياسي على الدين، فإن مثل هذا التناقض يعمل على تشويه صورة الدين الذي يتسامى على صراعات السياسة المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة على الدوام.

وتكشف مواقف الجماعة من قضية "الحرية" في مختلف تجلياتها تضاربا صارخاً في الخطاب وتناقضاً بائناً بين الأقوال والأفعال مما يؤكد أن الإخوان يقومون على الدوام بتوظيف هذه القضية ضمن قضايا كثيرة أخرى بطريقة دينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية خالصة.

في هذا الإطار، أناقش في هذا المقال بعض النقاط الواردة في البيان الصادر عن مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في دورة انعقاده الخامسة التي اختمت في، إسطنبول تركيا في 29 يناير الماضي. وكما هو معروف فإن الإتحاد الذي أسسه الدكتور يوسف القرضاوي في عام 2004 بالعاصمة القطرية، الدوحة، يعتبر أكبر هيئة فكرية مُعبِّرة عن مواقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

وجه البيان رسالة إلى من أسماهم "العلماء" حثهم فيها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، على (الحفاظ على ثوابت الإسلام العقدية والشرعية والأخلاقية والحضارية بما يسهم في بناء الأوطان وتوحيد الأمة والنهوض الحضاري وإقامة العدل والحق وتعظيم حرمة الدماء والأعراض والأموال).

كما دعا البيان حكومات الدول العربية والإسلامية إلى التصالح مع شعوبها على قاعدة (العدل والحرية والكرامة)، وطالبها باحترام (العلماء والمؤسسات العلمائية وتأمين دورهم الإيجابي في التوعية والتربية والتوحيد والتجديد، ويؤكد على وجوب إطلاق سراح العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين وسائر المظلومين الذين يسجنون بغير حق في أي بلد).

من المؤكد أن بعض هذه المُطالبات سليمة وتمثل القاعدة الصحيحة لتأسيس نظم الحكم الديمقراطية في مقابل النظم الاستبدادية ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب الذي يتبناه الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخصوص هذه الدعوات والمطالبات.

لقد حكمت جماعة الإخوان المسلمين بلداً مثل السودان لمدة ثلاثين سنة بالحديد والنار وشيدت أعتى دولة بوليسية شهدتها البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني وكانت قد وصلت إلى السلطة عبر دبابة عسكرية أجهضت بها نظام الحكم الشرعي المنتخب من الشعب والذي كانت الجماعة جزءاً منه وتمثل ثالث كتلة برلمانية من حيث عدد النواب.
هذه الدولة الإخوانية البوليسية انتهكت الأعراض وقتلت الأبرياء في السجون وأشعلت الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العزل ومع ذلك لم نسمع كلمة واحدة من الإتحاد العالمي تدين هذه الممارسات وتقف إلى جانب الضحايا !!

وعلى الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان المسلمين في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات واضطهاد المعارضين ظل الاتحاد العالمي صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية المعروفة باسم "بيوت الأشباح" من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيدولوجية والسياسية.

ليس هذا فحسب بل أن الاتحاد ظل يقدم دعمه المطلق للطاغية المخلوع عمر البشير عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني من ويلات الفقر والمرض والحروب.     

لا يخالجني أدنى شك في أن مطالبات الإتحاد الأخيرة للحكام بإطلاق سراح "المظلومين" ما كانت لتأتي لولا وجود قيادات وأعضاء الإخوان في سجون بعض الأنظمة العربية الحاكمة مما يعني أنها مطالبات لا تنبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين للجماعة.

أما من أطلق عليهم البيان صفة العلماء وقال أنهم "ورثة الأنبياء", ومن بينهم الموالين لنظام حكم الجماعة فقد كان موقفهم شبيهاً بموقف الإتحاد العالمي حيث صمتوا عن كل جرائم القتل والترويع والإبادة بل أن أحدهم أفتى للطاغية المخلوع عمر البشير بإمكانية قتل ثلث الشعب حتى يستتب الأمن ويستقر النظام ! 

لا يكشف بيان الإتحاد ازدواجية مواقف الإخوان من قضية الحرية فحسب، بل هو يوضح تناقض موقف الجماعة من الانحياز للأنظمة والدول التي تدعم الإخوان وتلك التي تحاربهم حيث جاء في خاتمة البيان الآتي: (وفي الختام يٌقدم المجلس شكره لهذا البلد العزيز تركيا رئيساً وحكومة وشعباً على مواقفه المشرفة نصرةً لكتاب الله ولقضايا الأمة وكل من يقف مع الحق).

البيان يقول أن مواقف تركيا "العلمانية" التي تتمتع بعضوية "حلف الناتو" وترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" تمثل "نصرة لكتاب الله" ولكل من "يقف مع الحق “، والمعنى هنا هو أن تركيا أصبحت ملاذاً آمناً لأعضاء الجماعة "أهل الحق" الهاربين من بلدانهم لأسباب سياسية.

وعندما كانت معارضة النظام الإخواني المستبد في السودان تنطلق من دول عربية وأفريقية، كانت الجماعة تعتبرها معارضة ارتزاق وخيانة وعمالة تتلقى المساعدة والدعم من الأنظمة العلمانية واسرائيل والدول الغربية الساعية لإسقاط الدولة الإسلامية في الخرطوم فتأمل!

لا شك أن الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ، بينما ظلت مواقف الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في هذا الخصوص غير متسقة وتحمل تناقضا داخليا وازدواجية في المعايير وتتسم بالذرائعية الخادمة للأجندة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).