Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"الفهم الشعبي للدين" يتحول إلى ابتداع دين جديد مختلف | صورة تعبيرية من احتفال ديني في تركيا
"الفهم الشعبي للدين" يتحول إلى ابتداع دين جديد مختلف | صورة تعبيرية من احتفال ديني في تركيا

عبد الرحيم التوراني

على هامش كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المنظمة حاليا بالكاميرون، وتعثر منتخب الجزائر بطل النسخة الأخيرة، بخروجه من الدور الأول، انتشرت بين الجمهور الجزائري خرافات تزعم أن سبب الخسارة هو السحر، وأن الواجب يتطلب إبطال السحر بسحر مضاد يتولاه فقهاء ورقاة شرعيون. وقد سارع اتحاد الكرة الجزائري إلى نفي الأخبار التي نسبت إليه تجنيده لفقيه جزائري بهذا الشأن. خصوصا وأن هناك اعتقاد باستعانة بعض المنتخبات الأفريقية بـ"الغريغري"، أي السحر الأفريقي.

هو أمر يلفت إلى ظاهرة سيطرة الخرافة والدجل على عقول عديدة من الناس. ولا ريب أن المجتمعات العربية لا تزال تعيش في مستنقع الخرافة وتؤمن بالسحر والشعوذة، وببركات الأولياء الصالحين، أو بنبوة يزعمها أشخاص غير متزنين عقليا، أو محتالون يستغلون سذاجة البسطاء ممن ليس لديهم وعي ديني وتعليمي كافٍ.

في المغرب، وتحت أنظار السلطات، وبترخيص منها أحيانا، تنتشر دكاكين عرافين وعرافات (الشوَّافة) وقد تكاثرت في العقود الأخيرة بشكل متزايد. ولم يعد زبائنها من الأميين والنساء فقط، بعد تساوي الرجال والمتعلمين معهن في طلب خدمة قراءة الطالع. كما ارتفع الإقبال على من يسمون بـ"الرقاة الشرعيين"، من يوهمون الناس بقدرتهم على علاج الأمراض المستعصية بتلاوة القرآن. بل هناك من نجح في إقناع بسطاء بأداء مناسك الحج بدلا عنهم، بمبلغ أقل من مصاريف السفر إلى الأماكن المقدسة البعيدة بآلاف الكيلومترات، حيث يروِّج المحتالون لـ"حج المسكين"، وهو زيارة ضريح على مشارف مدينة أسفي (جنوب الرباط)، يسمى ضريح الولي الصالح "سيدي شاشكال". ففي الفترة المتزامنة مع موسم الحج يقوم "حجاج " سيدي امحمد سرحال " (اسمه الأصلي)، بالطواف حفاة حول ضريحه كمن يطوف حول الكعبة، مرددين لفظ التلبية، ولا ينقصهم سوى لباس الإحرام وتقبيل الحجر الأسود ورمي الجمرات. غير أنهم يعوضون ماء "زمزم" ببئر قريبة يشربون ويتوضؤون من مائها، وقد أطلقوا عليها اسم "بئر زمزم". أما صعود جبل عرفة فقد تم تعويضه هو الآخر بربوة "للا نوارة"، وسمّوها "جبل الرحمة"، لتمثل الركن الأهم في الحج، أي "الوقوف بعرفة".

وإذا كان ضريح الولي "سيدي سرحال" قد حظي بهذا "التقديس"، فإن آخرين وجدوا أن ضريح الولى إدريس الأول بزرهون (مؤسس دولة الأدارسة قبل 12 قرنا)، بضواحي مدينة فاس، هو الأولى، باعتباره من أحفاد الرسول العربي. لذلك يطلق عليه أيضا وصف "حج المسكين"، حيث يحول موسم زيارته سنويا إلى مناسبة دينية كبرى لعدد من مريدي الصوفية بالمغرب وأفريقيا.

وقد أوجد بعض مسلمي آسيا الوسطى مكة لهم بكازاخستان، كما أوجد مسلمو أفريقيا مكة أخرى لهم بالسينغال.

في مطلع هذه السنة 2022 ظهر في لبنان رجل يدعي النبوة، وزعم أن بمقدوره علاج وباء كورونا، ويا ليت كانت بيده معجزة إنقاذ بلد الأرز من الانهيار الشامل الذي يغرق فيه منذ أعوام، بعد إنهاكه المتواصل منذ عقود على يد أمراء الحرب الأهلية، وساسة المحاصصة الطائفية والتعصب المذهبي. وقد طرق الفقر والجوع أبواب غالبية اللبنانيين بعد السقوط المدوي لعملتهم الوطنية مقابل الارتفاع الصاروخي للدولار الأميركي، واحتجاز البنوك لودائع الزبائن.

النبي اللبناني الجديد يسمي نفسه "نشأت الحكيم منذر مجد النور"، تم تقديمه على مواقع التواصل كنبي "مرسل من السماء لمساعدة البشر". ولم يكن راعي غنم كأنبياء الأزمنة الغابرة، بل كان طبالا بفرقة فلكلورية بأحد الكازينوهات، كما يظهر في صورة له. ولأن لكل نبي معجزة، فمعجزة "النبي الطبال" هي إشفاء مرضى السرطان، خاصة وأنه في خضم الأزمة العامة التي تهز البلد، اختفت الأدوية المعالجة لهذا الداء وغيره من أدوية الأمراض المزمنة من صيدليات لبنان.

لن نطيل الكلام حول النبي اللبناني، الذي يريد أن ينسي العالم في "النبي المصطفى"، الذي تحدث عنه جبران خليل جبران في كتابه "النبي" (1923)، وكتب على لسانه خلاصة آرائه وأفكاره حول العلاقات الإنسانية، كالزواج والأبناء والصداقة والحرية والموت. وللإشارة فإن كتاب "النبي" لجبران هو الكتاب الأكثر ترجمة إلى مختلف اللغات من بين كل الكتب العربية، ولا يزال بعد قرن هو الكتاب الأكثر تداولا بين ملايين القراء في العالم.

تلك قصة أخرى تختلف، لكنها تطرح علينا سؤال أيننا من جبران خليل جبران، ومن تأملاته الفلسفية، وفصاحته الشاعرية، ومن سلاسة كتاباته الإبداعية، أمام رقصة "نشأت الطبال"، الذي يزوق نهاية صلعته بوشم مبهم، ويمسك بيمناه ما يشبه الصولجان وعلى كتفيه عباءة فضفاضة، نشأت الذي لم يتجنب الوقوع بشجار صاخب مع الساخرين منه في الشبكة العنكبوتية، حتى أنه تنبأ لهم بالويل والثبور وبعظائم الأمور.

كان ظهور النبي اللبناني الجديد، مناسبة للتذكير بمن سبقوا من أمثاله من مدعي النبوة عبر مختلف العصور، ممن جاؤوا بدين وقرآن جديد وشرائع غريبة، خاصة بعد وفاة نبي الإسلام، الذي يعده المسلمون "آخر وخاتم الأنبياء" على الإطلاق. وقد ساد الاعتقاد في العصر الحديث بأن باب النبوة بات موصدا أمام تطور العقل البشري، وإزاء حقائق العلم ومنجزاته الهائلة بالاكتشافات والاختراعات المتسارعة في مختلف المجالات. إلا أن توافد الأنبياء الجدد لم ينقطع. إذ بين فترة وأخرى يظهر شخص أو أكثر ممن يدعون النبوة، والمثير أن أغلبية هؤلاء ينتمون إلى منطقة الشرق الأوسط، "مهبط الرسل والأنبياء" وأصحاب الرسالات السماوية، أو تجدهم يتحدرون من منطقة شمال أفريقيا. وقد تساءل مرة روائي عربي من العراق عن السر الإلهي في عدم إرسال الخالق رسلا وأنبياء لبقية العالم، مثل الأميركيتين الشمالية واللاتينية، أو أستراليا.

وبالحديث عن العقود الأخيرة، فقد تعددت أسماء من زعموا النبوة، في مصر والعراق والسعودية واليمن والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. ومع انتشار الانترنت أصبحت أخبار هؤلاء "الأنبياء" تصل سريعا قبل أن يتم قمعهم وإيداعهم السجون، أو حبسهم بمصحات الأمراض العقلية والنفسية.

لكن ظهور "النبي نشأت" أعاد إلى أذهان الرأي العام واقعة ادعاء أحد المغاربة للنبوة قبل ثلاثة أعوام. وهو سعيد بن جبلي (43 سنة)، الذي كان ينتمي في السابق لجماعة "العدل والإحسان" الإسلامية (شبه محظورة)، قبل أن يكون ضمن النواة التي دعت إلى الانخراط في "ثورات الربيع العربي" بتنظيم "حركة 20 فبراير" سنة 2011. وبعد تأسيسه لجمعية المدونين المغاربة وأخرى للمدونين العرب استدعي بن جبلي إلى الولايات المتحدة الأميركية وهناك أعلن إلحاده، وعند بلوغه سن الأربعين أطلق من بوسطن "رسالته النبوية" باسم "سيدنا خضر، والنبي بن داويد"، النبي الذي خرج على الناس في الشارع صارخا "أنا المسيح المخلص والمهدي المنتظر والوحي يأتيني لإنقاذ العالم"، لكن الشرطة الأميركية أوقفته ونقلته إلى مصحة لعلاجه من الضغوط النفسية والصدمات الفكرية التي أصابته. ثم غاب بعدها واختفى ذكره زمنا. إلا أن من "معجزات" النبي نشأت إعادة "النبي بن داويد" إلى الواجهة من جديد، حيث عاد سعيد بن جبلي ليذكر الناس بأنه لا يزال على قيد النبوة، بل إن "نشأت اللبناني" أوحى للنبي المغربي "الميركياني" بفكرة "كيفية دمقرطة وتأطير قطاع النبوة". وبعدما كان يطمح إلى دمقرطة المجتمع المغربي عبر "حركة 20 فبراير"، ها هو اليوم يسعى إلى تطوير "قطاع النبوة"، بعزمه "تأسيس مدرسة للاهوت والنبوات، وأمانة عامة للأنبياء والنبيات، من أجل العمل الجماعي لما فيه مصلحة البشرية"، ويخطط لإرشاد الأنبياء إلى "ضوابط النبوة الصادقة الصحية ومبادئها وأسسها"، بتأليف دليل خاص لمن يرغب في أن يكون نبيا.

مما كتبه بن جبلي في آخر تدويناته قبل يومين، أن الزمن الحالي يحتاج لأكثر من نبي. وطلب من الراغبين في النبوة التواصل معهم عبر الخاص.

يفتخر بن جبلي بمساهمته "بشكل كبير في إعادة فتح باب النبوة ودمقرطتها، حيث أننا "قريبا سنرى نبيا لكل دولة وربما نبيا لكل مدينة. ولن تعود النبوة محصورة على الأموات الذين أكل الدود لحومهم وحللت الأرض عظامهم بعدما شبعوا موتا ورقادا في قبورهم. كما أن التنافس بين هؤلاء الأنبياء هو أمر محمود لأنه سيميز من هو أفضل الأنبياء منهاجا وأكثرهم إلهاما وهو من سيتبوأ القمة. أما الآخرون فتخمد دعوتهم".

ربما سنشاهد مستقبلا تنظيم دوريات إقصائية تشبه منافسات مونديال الكرة، يتبارى فيها "الأنبياء"، والفائز من منهم ربما يفوز بكأس أو بردة "نبي الأنبياء".

لذلك نجد بن جبلي أطلق على نفسه اليوم لقب "مؤسس الجيل الجديد من النبوات"، ويضيف بنبرة قد تتقاطع مع نبي جبران: "إن النبوة في عصرنا يجب أن تستند على التنوير والفكر المتحرر وتبتعد عن الخرافات وادعاء علاقة مع السماء التي لا توجد. إن أكبر معجزة يمكن للأنبياء تقديمها هي تنوير الناس وتحريرهم من شرور أنفسهم، مثل الضعف والخوف والمعاناة التي يعانونها فالنبوة في عصرنا يجب أن تدور حول الازدهار والسعادة في الحياة وليس حول ما بعد الموت. كما أنه يجب على النبي أن لا يكون جامدا على التقليد مستنسخا لنبوة محمد أو غيره. بل عليه يكون ديناميا حتى يطور دعوته ويرقى بمنهاجه إلى الأفضل مع مرور الزمن".

جدير بالذكر أن السلطات المغربية، في إطار مكافحتها للتطرف الديني، تشجع بجهد ملحوظ على العناية بالأضرحة والزوايا الصوفية، وتخصص لها ضمن ميزانية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مبالغ مالية كبيرة تقترب من العشرين مليون دولار، ناهيك عن الهبات الملكية غير المعروف قدرها، بغاية ترميم مباني الأضرحة الواصل عددها 5471 ضريحا و1588 زاوية. ومن أجل أداء ما سماه وزير الأوقاف أحمد التوفيق (من مريدي الزاوية البوتشيشية) بـ"ضمان الأمان الروحي للمغاربة بتمسكهم بالقيم الإسلامية والأولياء الصالحين". وجوابا على انتقادات أعضاء من البرلمان لظاهرة "عبادة الأضرحة" واعتبارها منافية للدين الإسلامي، دافع أحمد التوفيق عما سماه بـ "الفهم الشعبي للدين"، قائلا إن محاربته أمر صعب، وإنها "ممارسة موجودة في كل دول العالم".

لكن "الفهم الشعبي للدين" يتحول إلى ابتداع دين جديد مختلف، مثقل بالخرافة وبذهنية الشعوذة المسيطرة على العقول، لذا فهو الأشد خطرا بتأثيره في الناس والمجتمع، خصوصا عندما يضيعون الحدود الفاصلة بين احترام العقل الإنساني ومنجزات العلم وتطوره، ويلجؤون إلى الاستعانة بالخرافة وبتنجيم "الشوافات" وبفتاوى فقهاء مزيفين، أمام اليأس والعجز الناتج عن ضغوط اجتماعية واقتصادية أو أزمات نفسية، وأمام رعب المتحكمين وخوفهم من التغيير. لذلك سيستمر حال هذه المجتمعات على ما هو عليه، وسيتناسل الدجالون والمتلاعبون بعقول البسطاء، ويتكاثر الأنبياء حتى يصبح لكل زقاق نبي، ولكل دين ما لا يعد ولا يحصى من التفسيرات الغامضة والتأويلات المتناقضة، التي تعادي التطور العلمي وتعطل التغيير وتبطل القيم الإنسانية.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا
تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا

سناء العاجي الحنفي

أشاهد صورتي على الهاتف وألمح التجاعيد الصغيرة على جانب العين.. أخاديد صغيرة تذكرني بسنوات العمر الذي مضى، بلحظات إحباط ومحطات أمل وتطلع للمستقبل. بقصص حب وخوف وأحلام جميلة تصنع الأمل وأخرى تصطدم بجدار الإحباط لتتكسر. 

لم أفكر يوما في إجراء عمليات تجميل ولا طمس لآثار العمر على وجهي. لست أفرق بين "البوتوكس" و"الفيلر" وغيرها من وسائل التشبيب القسري.

أتابع صور الفنانات الشهيرات وهن تزددْن صغرا مع تقدم العمر، وأتساءل: إلى متى؟ ما الذي يعنيه أن أنظر في المرآة فلا أراني، بتفاصيل عمري وتجاربي وأخطائي وإحباطاتي؟ ما معنى أن أمسح تاريخ أحاسيسي ومشاعري وتجاربي، بمشرط في عيادة طبية، وبكامل إرادتي؟ كيف نمسح تجاعيد الروح وأوجاع القلب؟ كيف نخفي آثار العمر من نبضاتنا المتعبة ومن ذكرياتنا، بحلوها ومرها؟

حتى على حسابي الجديد على الإنستغرام، أستغرب وأتساءل: هل وحدي أكبر؟ إذ لا أرى إلا أشخاصا يتقدمون في الشباب كلما تقدمت بنا السنوات. 

طبيعي أن ترعبنا، بين الفينة والأخرى، سنوات العمر الذي يمر. طبيعي أن نتأمل أثر السنوات على أجسادنا ووجوهنا فنشعر أحيانا بذلك الانقباض الخفيف في القلب، يذكرنا بأن العداد لا يتوقف.. وأنه يوما ما، في موعد لم يعد بعيدا، سيبدأ العد العكس. طبيعي أن ترعبنا فكرة الكهولة والعجز أحيانا.. والموت أيضا!

لذلك، فالبعض قد يهرب منها بأن لا يواجهها. بأن يبدو لنفسه وللآخرين دائم الشباب. لكن، إلى متى؟  
منذ أن عرفتني وأنا متصالحة مع سني. في أبريل من هذه السنة، سأحتفل بعيد ميلادي السادس والأربعين. منذ سنة على الأقل، أصبح بإمكاني أن أذهب للحج والعمرة بدون محرم! الدين وقوانين بعض الدول تعتبرنني امرأة غير مشتهاة لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين. امرأة لا يُخاف منها. وهذا ربما جزء مما يرعب النساء: أن تعتبر الأغلبية، مجتمعات وأفرادا وقوانين وحتى لغة (فهل هناك مرادف ذكوري لـ "سن اليأس"؟ وهل هناك مرادف ذكوري لـ "القواعد من النساء"؟)، أن للنساء تاريخ صلاحية يمكن قراءته من تفاصيل شكل الجسد ومن مدى انشداد البشرة ومحيط العينين، فتسارعن لإخفاء كل دليل يثبت تورطهن المرعب في التقدم الطبيعي في العمر. 

الحقيقة أنه خلل مشترك بين هشاشة لدى بعض النساء تجعلهن يربطن قيمتهن حصريا بشبابهن، وبين مجتمع يختزل النساء في معايير مرتبطة حصريا بالجمال وبالشباب. لنكن موضوعيين: ألا يقيم الكثيرون قيمة النساء، ليس فقط في "سوق" الزواج والحب والعلاقات، بل أيضا مهنيا، بالعمر والشكل؟ هل حظوظ الإعلاميات والممثلات ومقدمات البرامج في العالم بأسره، هي نفسها وهن في العشرينيات مقارنة مع بلوغهن الخمسينيات والستينيات من العمر؟ إذا استثنينا ميريل ستريب وجوليا روبرتس، كم عدد نجمات هوليود ممن حافظن على نجوميتهن بعد الخمسين؟ بين نجمات مصر مثلا، كم مرة صادفنا على مواقع التواصل مقارنات فجة بين صورهن وهن شابات فاتنات وصورهن في سن الستين أو السبعين؟ هل نتذكر سخرية مواقع التواصل من صورة النجمة ميرفت أمين منذ شهور قليلة وهي في عزاء، وكمّ السخرية من عمرها وشكلها؟ أليس طبيعيا أن تتقدم ميرفت أمين في السن، تماما كذاك الجالس على حاسوب يتهكم منها بخبث؟ 

نفس المجتمع الذي يسخر من فنانة أو حتى من سيدة غير معروفة بسبب ظهور علامات السن عليها، هو ذاك الذي ينتقد السيدات اللواتي يقعن في فخ التجميل والبوطوكس. أليس الضغط الرهيب الذي يمارَس على النساء بسبب الشكل والتجاعيد هو ما يدفع بعضهن إلى عيادات جراحي التجميل والمراكز المتخصصة؟ 

أتمنى أن يأتي يوما نتصالح فيه جميعنا مع عمرنا.. أن نتقبل مبدأ "العبور" بكل ما يعنيه من تفاصيل يرتبط بعضها بالتجاعيد وبالوهن الجسدي. أتمنى أن نتوقف عن اختزال النساء في بشرة مشدودة وفي مقاس معين للخصر وفي غياب تام للتجاعيد. وأتمنى أن تتوقف النساء عن الوقوع في فخ هذا الميركاتو الذي يفرض عليهن شبابا دائما للوجه.. حتى لو شاخ الجسد وشاخت الروح.

لنسعَ جميعنا لتجديد شباب الروح. لنكن مواظبين على الرياضة. لنسعَ لتغذية صحية. لنبتعد عن العلاقات السامة. لنعتنِ بصحة البشرة والشعر والجسد، ليس لكي تبدو أكثر صغرا، بل فقط لكي تكون بصحة جيدة.. لن يضمن لنا هذا أن نعيش أبد الدهر. سنشيخ وسنتعب، ويوما ما سنموت. لكن، بانتظار ذلك اليوم، لنعش كل لحظة بصحة جيدة. لنتصالح مع تفاصيلنا وعيوبنا وحتى مع تجاعيدنا. 

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا. هي نحن. فكيف نسمح لمشرط الجراح أو لأي مركز تجميل بأن يفصلنا عن تاريخنا وعن تاريخ أجسادنا؟ كيف نصنع لنا وجها لا يشبهنا؟

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).