Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"الفهم الشعبي للدين" يتحول إلى ابتداع دين جديد مختلف | صورة تعبيرية من احتفال ديني في تركيا
"الفهم الشعبي للدين" يتحول إلى ابتداع دين جديد مختلف | صورة تعبيرية من احتفال ديني في تركيا

عبد الرحيم التوراني

على هامش كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المنظمة حاليا بالكاميرون، وتعثر منتخب الجزائر بطل النسخة الأخيرة، بخروجه من الدور الأول، انتشرت بين الجمهور الجزائري خرافات تزعم أن سبب الخسارة هو السحر، وأن الواجب يتطلب إبطال السحر بسحر مضاد يتولاه فقهاء ورقاة شرعيون. وقد سارع اتحاد الكرة الجزائري إلى نفي الأخبار التي نسبت إليه تجنيده لفقيه جزائري بهذا الشأن. خصوصا وأن هناك اعتقاد باستعانة بعض المنتخبات الأفريقية بـ"الغريغري"، أي السحر الأفريقي.

هو أمر يلفت إلى ظاهرة سيطرة الخرافة والدجل على عقول عديدة من الناس. ولا ريب أن المجتمعات العربية لا تزال تعيش في مستنقع الخرافة وتؤمن بالسحر والشعوذة، وببركات الأولياء الصالحين، أو بنبوة يزعمها أشخاص غير متزنين عقليا، أو محتالون يستغلون سذاجة البسطاء ممن ليس لديهم وعي ديني وتعليمي كافٍ.

في المغرب، وتحت أنظار السلطات، وبترخيص منها أحيانا، تنتشر دكاكين عرافين وعرافات (الشوَّافة) وقد تكاثرت في العقود الأخيرة بشكل متزايد. ولم يعد زبائنها من الأميين والنساء فقط، بعد تساوي الرجال والمتعلمين معهن في طلب خدمة قراءة الطالع. كما ارتفع الإقبال على من يسمون بـ"الرقاة الشرعيين"، من يوهمون الناس بقدرتهم على علاج الأمراض المستعصية بتلاوة القرآن. بل هناك من نجح في إقناع بسطاء بأداء مناسك الحج بدلا عنهم، بمبلغ أقل من مصاريف السفر إلى الأماكن المقدسة البعيدة بآلاف الكيلومترات، حيث يروِّج المحتالون لـ"حج المسكين"، وهو زيارة ضريح على مشارف مدينة أسفي (جنوب الرباط)، يسمى ضريح الولي الصالح "سيدي شاشكال". ففي الفترة المتزامنة مع موسم الحج يقوم "حجاج " سيدي امحمد سرحال " (اسمه الأصلي)، بالطواف حفاة حول ضريحه كمن يطوف حول الكعبة، مرددين لفظ التلبية، ولا ينقصهم سوى لباس الإحرام وتقبيل الحجر الأسود ورمي الجمرات. غير أنهم يعوضون ماء "زمزم" ببئر قريبة يشربون ويتوضؤون من مائها، وقد أطلقوا عليها اسم "بئر زمزم". أما صعود جبل عرفة فقد تم تعويضه هو الآخر بربوة "للا نوارة"، وسمّوها "جبل الرحمة"، لتمثل الركن الأهم في الحج، أي "الوقوف بعرفة".

وإذا كان ضريح الولي "سيدي سرحال" قد حظي بهذا "التقديس"، فإن آخرين وجدوا أن ضريح الولى إدريس الأول بزرهون (مؤسس دولة الأدارسة قبل 12 قرنا)، بضواحي مدينة فاس، هو الأولى، باعتباره من أحفاد الرسول العربي. لذلك يطلق عليه أيضا وصف "حج المسكين"، حيث يحول موسم زيارته سنويا إلى مناسبة دينية كبرى لعدد من مريدي الصوفية بالمغرب وأفريقيا.

وقد أوجد بعض مسلمي آسيا الوسطى مكة لهم بكازاخستان، كما أوجد مسلمو أفريقيا مكة أخرى لهم بالسينغال.

في مطلع هذه السنة 2022 ظهر في لبنان رجل يدعي النبوة، وزعم أن بمقدوره علاج وباء كورونا، ويا ليت كانت بيده معجزة إنقاذ بلد الأرز من الانهيار الشامل الذي يغرق فيه منذ أعوام، بعد إنهاكه المتواصل منذ عقود على يد أمراء الحرب الأهلية، وساسة المحاصصة الطائفية والتعصب المذهبي. وقد طرق الفقر والجوع أبواب غالبية اللبنانيين بعد السقوط المدوي لعملتهم الوطنية مقابل الارتفاع الصاروخي للدولار الأميركي، واحتجاز البنوك لودائع الزبائن.

النبي اللبناني الجديد يسمي نفسه "نشأت الحكيم منذر مجد النور"، تم تقديمه على مواقع التواصل كنبي "مرسل من السماء لمساعدة البشر". ولم يكن راعي غنم كأنبياء الأزمنة الغابرة، بل كان طبالا بفرقة فلكلورية بأحد الكازينوهات، كما يظهر في صورة له. ولأن لكل نبي معجزة، فمعجزة "النبي الطبال" هي إشفاء مرضى السرطان، خاصة وأنه في خضم الأزمة العامة التي تهز البلد، اختفت الأدوية المعالجة لهذا الداء وغيره من أدوية الأمراض المزمنة من صيدليات لبنان.

لن نطيل الكلام حول النبي اللبناني، الذي يريد أن ينسي العالم في "النبي المصطفى"، الذي تحدث عنه جبران خليل جبران في كتابه "النبي" (1923)، وكتب على لسانه خلاصة آرائه وأفكاره حول العلاقات الإنسانية، كالزواج والأبناء والصداقة والحرية والموت. وللإشارة فإن كتاب "النبي" لجبران هو الكتاب الأكثر ترجمة إلى مختلف اللغات من بين كل الكتب العربية، ولا يزال بعد قرن هو الكتاب الأكثر تداولا بين ملايين القراء في العالم.

تلك قصة أخرى تختلف، لكنها تطرح علينا سؤال أيننا من جبران خليل جبران، ومن تأملاته الفلسفية، وفصاحته الشاعرية، ومن سلاسة كتاباته الإبداعية، أمام رقصة "نشأت الطبال"، الذي يزوق نهاية صلعته بوشم مبهم، ويمسك بيمناه ما يشبه الصولجان وعلى كتفيه عباءة فضفاضة، نشأت الذي لم يتجنب الوقوع بشجار صاخب مع الساخرين منه في الشبكة العنكبوتية، حتى أنه تنبأ لهم بالويل والثبور وبعظائم الأمور.

كان ظهور النبي اللبناني الجديد، مناسبة للتذكير بمن سبقوا من أمثاله من مدعي النبوة عبر مختلف العصور، ممن جاؤوا بدين وقرآن جديد وشرائع غريبة، خاصة بعد وفاة نبي الإسلام، الذي يعده المسلمون "آخر وخاتم الأنبياء" على الإطلاق. وقد ساد الاعتقاد في العصر الحديث بأن باب النبوة بات موصدا أمام تطور العقل البشري، وإزاء حقائق العلم ومنجزاته الهائلة بالاكتشافات والاختراعات المتسارعة في مختلف المجالات. إلا أن توافد الأنبياء الجدد لم ينقطع. إذ بين فترة وأخرى يظهر شخص أو أكثر ممن يدعون النبوة، والمثير أن أغلبية هؤلاء ينتمون إلى منطقة الشرق الأوسط، "مهبط الرسل والأنبياء" وأصحاب الرسالات السماوية، أو تجدهم يتحدرون من منطقة شمال أفريقيا. وقد تساءل مرة روائي عربي من العراق عن السر الإلهي في عدم إرسال الخالق رسلا وأنبياء لبقية العالم، مثل الأميركيتين الشمالية واللاتينية، أو أستراليا.

وبالحديث عن العقود الأخيرة، فقد تعددت أسماء من زعموا النبوة، في مصر والعراق والسعودية واليمن والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. ومع انتشار الانترنت أصبحت أخبار هؤلاء "الأنبياء" تصل سريعا قبل أن يتم قمعهم وإيداعهم السجون، أو حبسهم بمصحات الأمراض العقلية والنفسية.

لكن ظهور "النبي نشأت" أعاد إلى أذهان الرأي العام واقعة ادعاء أحد المغاربة للنبوة قبل ثلاثة أعوام. وهو سعيد بن جبلي (43 سنة)، الذي كان ينتمي في السابق لجماعة "العدل والإحسان" الإسلامية (شبه محظورة)، قبل أن يكون ضمن النواة التي دعت إلى الانخراط في "ثورات الربيع العربي" بتنظيم "حركة 20 فبراير" سنة 2011. وبعد تأسيسه لجمعية المدونين المغاربة وأخرى للمدونين العرب استدعي بن جبلي إلى الولايات المتحدة الأميركية وهناك أعلن إلحاده، وعند بلوغه سن الأربعين أطلق من بوسطن "رسالته النبوية" باسم "سيدنا خضر، والنبي بن داويد"، النبي الذي خرج على الناس في الشارع صارخا "أنا المسيح المخلص والمهدي المنتظر والوحي يأتيني لإنقاذ العالم"، لكن الشرطة الأميركية أوقفته ونقلته إلى مصحة لعلاجه من الضغوط النفسية والصدمات الفكرية التي أصابته. ثم غاب بعدها واختفى ذكره زمنا. إلا أن من "معجزات" النبي نشأت إعادة "النبي بن داويد" إلى الواجهة من جديد، حيث عاد سعيد بن جبلي ليذكر الناس بأنه لا يزال على قيد النبوة، بل إن "نشأت اللبناني" أوحى للنبي المغربي "الميركياني" بفكرة "كيفية دمقرطة وتأطير قطاع النبوة". وبعدما كان يطمح إلى دمقرطة المجتمع المغربي عبر "حركة 20 فبراير"، ها هو اليوم يسعى إلى تطوير "قطاع النبوة"، بعزمه "تأسيس مدرسة للاهوت والنبوات، وأمانة عامة للأنبياء والنبيات، من أجل العمل الجماعي لما فيه مصلحة البشرية"، ويخطط لإرشاد الأنبياء إلى "ضوابط النبوة الصادقة الصحية ومبادئها وأسسها"، بتأليف دليل خاص لمن يرغب في أن يكون نبيا.

مما كتبه بن جبلي في آخر تدويناته قبل يومين، أن الزمن الحالي يحتاج لأكثر من نبي. وطلب من الراغبين في النبوة التواصل معهم عبر الخاص.

يفتخر بن جبلي بمساهمته "بشكل كبير في إعادة فتح باب النبوة ودمقرطتها، حيث أننا "قريبا سنرى نبيا لكل دولة وربما نبيا لكل مدينة. ولن تعود النبوة محصورة على الأموات الذين أكل الدود لحومهم وحللت الأرض عظامهم بعدما شبعوا موتا ورقادا في قبورهم. كما أن التنافس بين هؤلاء الأنبياء هو أمر محمود لأنه سيميز من هو أفضل الأنبياء منهاجا وأكثرهم إلهاما وهو من سيتبوأ القمة. أما الآخرون فتخمد دعوتهم".

ربما سنشاهد مستقبلا تنظيم دوريات إقصائية تشبه منافسات مونديال الكرة، يتبارى فيها "الأنبياء"، والفائز من منهم ربما يفوز بكأس أو بردة "نبي الأنبياء".

لذلك نجد بن جبلي أطلق على نفسه اليوم لقب "مؤسس الجيل الجديد من النبوات"، ويضيف بنبرة قد تتقاطع مع نبي جبران: "إن النبوة في عصرنا يجب أن تستند على التنوير والفكر المتحرر وتبتعد عن الخرافات وادعاء علاقة مع السماء التي لا توجد. إن أكبر معجزة يمكن للأنبياء تقديمها هي تنوير الناس وتحريرهم من شرور أنفسهم، مثل الضعف والخوف والمعاناة التي يعانونها فالنبوة في عصرنا يجب أن تدور حول الازدهار والسعادة في الحياة وليس حول ما بعد الموت. كما أنه يجب على النبي أن لا يكون جامدا على التقليد مستنسخا لنبوة محمد أو غيره. بل عليه يكون ديناميا حتى يطور دعوته ويرقى بمنهاجه إلى الأفضل مع مرور الزمن".

جدير بالذكر أن السلطات المغربية، في إطار مكافحتها للتطرف الديني، تشجع بجهد ملحوظ على العناية بالأضرحة والزوايا الصوفية، وتخصص لها ضمن ميزانية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مبالغ مالية كبيرة تقترب من العشرين مليون دولار، ناهيك عن الهبات الملكية غير المعروف قدرها، بغاية ترميم مباني الأضرحة الواصل عددها 5471 ضريحا و1588 زاوية. ومن أجل أداء ما سماه وزير الأوقاف أحمد التوفيق (من مريدي الزاوية البوتشيشية) بـ"ضمان الأمان الروحي للمغاربة بتمسكهم بالقيم الإسلامية والأولياء الصالحين". وجوابا على انتقادات أعضاء من البرلمان لظاهرة "عبادة الأضرحة" واعتبارها منافية للدين الإسلامي، دافع أحمد التوفيق عما سماه بـ "الفهم الشعبي للدين"، قائلا إن محاربته أمر صعب، وإنها "ممارسة موجودة في كل دول العالم".

لكن "الفهم الشعبي للدين" يتحول إلى ابتداع دين جديد مختلف، مثقل بالخرافة وبذهنية الشعوذة المسيطرة على العقول، لذا فهو الأشد خطرا بتأثيره في الناس والمجتمع، خصوصا عندما يضيعون الحدود الفاصلة بين احترام العقل الإنساني ومنجزات العلم وتطوره، ويلجؤون إلى الاستعانة بالخرافة وبتنجيم "الشوافات" وبفتاوى فقهاء مزيفين، أمام اليأس والعجز الناتج عن ضغوط اجتماعية واقتصادية أو أزمات نفسية، وأمام رعب المتحكمين وخوفهم من التغيير. لذلك سيستمر حال هذه المجتمعات على ما هو عليه، وسيتناسل الدجالون والمتلاعبون بعقول البسطاء، ويتكاثر الأنبياء حتى يصبح لكل زقاق نبي، ولكل دين ما لا يعد ولا يحصى من التفسيرات الغامضة والتأويلات المتناقضة، التي تعادي التطور العلمي وتعطل التغيير وتبطل القيم الإنسانية.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).