Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مضبوطات أحد خلايا داعش في المغرب (أرشيفية)
مضبوطات أحد خلايا داعش في المغرب (أرشيفية)

عبد الرحيم التوراني

منذ مقتل أبو بكر البغدادي على يد القوات الأمريكية في خريف 2019، بدأت الأخبار تخف عن "تنظيم الدولة في العراق والشام" (داعش). بدا وكأن العالم بقيادة البنتاغون في طريقه المستقيم للقضاء على التهديد الإرهابي، ممثلا بتيارات العنف والتطرف الديني الإسلامية التي استهدفت مناطق مختلفة من العالم. 

وما أن ولج  جو بايدن البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، حتى اتخذ قرارا بالخروج من أفغانستان، وهو القرار الذي تبين أنه إعادة الروح لكائن يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولم يجانب الصواب من انتقدوا هذا الانسحاب المثير، ولا من وصفوا الخطوة الأمريكية بالمفاجئة والخطيرة. ساعتها تنبأ العديدون بعودة "داعش" إلى سالف عنفوانها، بشكل أخطر وأعنف. 

لم تنته الحرب إذن ضد الإرهاب، كما حاول صناع القرار في البيت الأبيض الترويج له. بل كما ذكر تقرير بـ"الغارديان" البريطانية فإن تنظيم الدولة بعد تقهقره يعيد بناء قواته العسكرية من داخل سوريا. 

إذ كيف بالإمكان القضاء على الإرهاب بإتاحة المجال لمحتضنه، لتنظيم طالبان باستعادة السيطرة على أفغانستان بعد عقدين من محاربته، وهو التنظيم ذاته من غير تبديل، الذي خرج من عباءة تنظيم "القاعدة" بزعامة مؤسسها أسامة بن لادن؟ 

وها هي آخر الأخبار تطالعنا بتصدر "داعش" و"القاعدة" لعناوين الأحداث من جديد، ووكالات الأنباء عبر العالم تتناقل أنباء هجوم مسلح وتمرد دبره إرهابيو "داعش" المعتقلين بسجن "غويران"، وهو من بين أكبر السجون التي تحتجز فيها قيادات بارزة من "تنظيم الدولة". وكان الهدف استعادة السيطرة عليه من يد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي يقودها الأكراد، وهي مدعومة من قبل الولايات المتحدة. وقد أسفر الهجوم عن فرار نحو مئة "داعشي"، وسقوط قتلى بين السجناء والمدنيين، بعد وصول تعزيزات أمريكية طوقت المنطقة ودخلت في اشتباكات مع مقاتلي التنظيم، مواجهات تطلبت تدخل طائرات للتحالف الدولي قامت بإلقاء قنابل ضوئية لمساندة عناصر "قسد"، ليضيء العنوان العريض: "عودة شبح الإرهاب إلى المنطقة من جديد". 

***  

مثل كثير من المسلمات ستسقط عبارة "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، وهي مقولة ذات أصل عربي استوحاها الشاعر الإنجليزي "روديارد كبلنغ" في نهاية القرن التاسع عشر. فالقنابل الصاروخية التي ألقيت في الشرق، بالحسكة بشمال شرق سوريا، وقصف الرشاشات الكردية الذي لعلع بسجن "غويران" السوري، خلف ضحايا آخرين في غير المكان، وقض مضجع كثيرين يعيشون في أقصى غرب الوطن العربي. 

نزل خبر التمرد والمواجهة المسلحة بسجن "غويران" كالقنبلة التي سمع دوّيها في العاصمة المغربية الرباط. فانتفضت عدد من العائلات بمدن مغربية مختلفة، واضعة أياديها على قلوبها، ينهشها الخوف واللوعة على فلذات أكبادها. إذ يتواجد مغاربة معتقلين بذلك السجن الخطير، ممن انساقوا وراء أحلام إعادة الخلافة الرشيدة، التي يتبناها "داعش"، فحملوا السلاح في ركابها. ومنهم من وصل مرتبة كبيرة داخل التنظيم الإرهابي. 

قبل ثلاثة أعوام، التقت العائلات المغربية المكلومة، والتمت في جمعية منظمة تحت مسمى: "التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين في سوريا والعراق"، وتعاهدت على العمل من أجل استعادة أبنائها من جحيم "داعش".  

وبعد الأحداث الأخيرة، أصدرت تنسيقية العائلات بيانا مرفقا بصور وبفيديوهات تظهر جثثا لقتلى ومصابين بجروح خطيرة من جنسيات عربية وأجنبية، ضمنهم مغاربة، اعتقلتهم "قسد" في السنوات السابقة، خلال المعارك مع "داعش" في شمال شرقي سوريا، بدعم من قوى التحالف الدولي. وآخر الإحصائيات تحدثت عن تواجد 250 إرهابي مغربي بصفوف "داعش" رهن الاعتقال، موزعين بين سجون سوريا والعراق وتركيا. بينهم 138 امرأة.  

وحذرت "التنسيقية" من أهوال الوضع وخطورته بسجن "غويران" على المغاربة الموجودين ضمن المرشحين للقتل والإبادة في أي وقت. ناهيك عن الظروف المناخية القاسية والعواصف الثلجية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط هذا الشتاء. وليس مستبعدا أن يطول الموت أغلبهم بسبب الصقيع وسوء الأكل والتجويع، وفق ما تسرب للتنسيقية المغربية من معلومات مستخلصة من مضمون الرسائل التي تلقتها العائلات من الصليب الأحمر الدولي، وهي تربو على الثلاثين رسالة، تؤكد على وجود عدد كبير من "مغاربة داعش" المعتقلين بسوريا، بينهم شباب ونساء في مقتبل العمر مع أطفال صغار، يعتبرون من مجهولي المصير. 

إثر أحداث سجن "غويران" والاقتتال الدائر بين قوات "قسد" ومسلحي "داعش"، وتفاقم الأحوال الكارثية بسجون ومخيمات الاحتجاز، دعت "التنسيقة الوطنية" إلى وقفة أمام مبنى البرلمان بالرباط يوم أمس الجمعة 28 يناير 2022، بغاية تحسيس الرأي العام المغربي، ولفت نظر المجتمع الدولي إلى قضية المغاربة العالقين والمعتقلين في سوريا والعراق، وذلك تحت لافتة: "أنقذوا أبناءنا وبناتنا قبل فوات الأوان"، متوجهة إلى السلطات المغربية لمد يد العون لرفع المعاناة عن النساء والأطفال المغاربة، والتدخل لإيجاد حل لإجلاء العالقين في سوريا والعراق، من المتورطين في قضايا الإرهاب والانتماء إلى جماعات متطرفة، أضيف إليهم آباء وأقرباء توجهوا إلى مناطق التوتر بهدف استقدام أبنائهم، فوجدوا أنفسهم عالقين. 

وكانت وزارة الداخلية المغربية في الأعوام الأخيرة، صرحت بوجود 1220 مغربي يقاتلون مع تنظيم "داعش". في حين أكدت لجنة برلمانية مغربية وجود 400 قاصر مغربي بمخيمات سوريا، من بينهم 153 تأكد أنهم مواليد المغرب، بينما ولد الباقون بمناطق التوتر. وذكرت تقارير أخرى أن أكثر من 80 % من الأطفال المغاربة المحتجزين تقل أعمارهم عن 12 عاما، نصفهم دون سن الخامسة. كما دعت اللجنة البرلمانية إلى العمل "من أجل تسهيل عملية إرجاعهم بشكل سريع وإدماجهم في ظروف سليمة في محيطهم العائلي والاجتماعي".  

وبهذا الصدد تلقت "التنسيقية" مؤخرا تطمينات من وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، بأن الحكومة مهتمة بالموضوع، موصيا العائلات بمزيد من الصبر. علما أن وزير العدل الحالي لما كان في المعارضة، كان هو رئيس المهمة الاستطلاعية البرلمانية للوقوف على أوضاع النساء والأطفال المغاربة العالقين في سوريا والعراق. وقبيل موعد الانتخابات الأخيرة بأسابيع قليلة، صرح وهبي باسم حزبه (الأصالة والمعاصرة) في البرلمان: "إن الأطفال المغاربة العالقين في سوريا والعراق بمثابة وصمة عار على جبين الحكومة... ومن العيب أن يتشرد أبناء المغاربة ولا أحد يتحمل المسؤولية". 

*** 

لطالما حذرت الجهات الرسمية في المغرب من التهديدات التي تستهدف البلاد من قبل التطرف الإرهابي، مشيرة إلى أن "السلطات رفعت درجة اليقظة والحذر إلى أقصى حد بسبب وجود تهديد إرهابي جدي ضد المملكة".  

وقد اعتاد الرأي العام في السنوات الأخيرة على تلقي بيانات صادرة عن "المكتب المركزي للتحقيقات القضائية"، تتحدث عن تفكيك خلايا إرهابية. وأن استراتيجية مكافحة الإرهاب نجحت في تفكيك عدد كبير من الخلايا الإرهابية، وهي الاستراتيجية التي حازت على إشادة الولايات المتحدة الأمريكية.  

إلا أن البعض بات يشكك اليوم في صدقية هذه الأخبار. ولم يتردد آخرون بمواقع التواصل الاجتماعي، في وصف "التفكيكات الشهرية للخلايا الإرهابية" بكونها "بروباغندا" وسيناريوهات مفبركة ليس غير، بغاية إلهاء الطبقات الشعبية عن القضايا الحقيقية، منها ارتفاع الأسعار والغلاء، وقضايا الفساد وتبديد المال العام، وعجز الدولة عن سن سياسة تستجيب للمتطلبات الشعبية في العدالة وتكافؤ الفرص والعيش الكريم. 

وزاد التشكيك بعد حادثة مقتل سائحة فرنسية على يد متطرف مغربي (31 عاما) في تزنيت جنوب البلاد منتصف هذا الشهر، وهو شخص لم يعمد بتاتا إلى إخفاء مظهره الملتحي ولباسه الأفغاني، إلا أنه ظل غائبا عن يقظة المخابرات المغربية، بل إنه بعد قتله لسائحة فرنسية تبلغ 79 عاما، اتجه مباشرة إلى محطة الحافلات لينتقل إلى مدينة أغادير القريبة، ثم نزل إلى الشاطئ ليشرع في ارتكاب جريمة ثانية، بمحاولة قتله مواطنة بلجيكية طعنها بنفس السلاح الأبيض.  

هو السؤال نفسه الذي طرح سنة 2018 بعد إقدام موالين لتنظيم "داعش" على قتل سائحتين اسكندنافيتين بضواحي مراكش. مما رفع حدة التساؤلات، من قبيل أين نحن من "تقوية قدرات الرصد والمراقبة، وتقوية العمل الاستعلاماتي المستمر في مجال محاربة الإرهاب"؟.  

***  
ينتمي كثير من المغاربة المتورطين في أعمال إرهابية، من نجحت "داعش" في تجنيدهم، إلى الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المغاربة، ما جعل المسؤولين المغاربة يردون على اتهام "تصدير المغرب للإرهابيين"، بكونه  من "صناعة أوروبا" التي ولدوا وترعرعوا بها، لذلك فهم "يحتاجون إلى عناية خاصة تجنبهم السقوط في شراك الإرهاب، خاصة داخل المساجد غير المراقبة ومن طرف بعض الأئمة المتطرفين"، كماجاء في جواب لوزير الداخلية المغربي عبد الكبير لفتيت على نظريه الإسباني، خوان ايناسيو زويدو (2017). 

ورغم الاعتدال الديني السائد بالمغرب، من خلال انتشار المذهب المالكي السني، وحرص السلطات على محاربة التطرف الإسلامي، وجهودها لترتيب الحقل الديني من خلال السيطرة عليه، ومنع الأئمة من التدخل في السياسة، فإن المشاعر الدينية المتطرفة تسري بين أعداد من المغاربة. وكان تحقيق لأحد مراكز الأبحاث الأوروبية، نشر بعد الهجوم على "توين سنتر" بنيويورك (2001)، رصد نسبة تتعدى 40% من المغاربة متعاطفين مع أسامة بن لادن في مواجهة أمريكا. لذلك لا يقتصر مغاربة داعش على المتحدرين من أبناء المهجر الأوروبي، بل توجد نسبة مهمة من المغاربة المقيمين ببلدهم من التحقوا بـ"داعش"، إثر استقطابهم باستدراجهم النفسي بواسطة شبكات العالم الافتراضي المروجة للفكر الداعشي. ويزداد الأمر إثارة إذا علمنا أن الإعلام الإلكتروني الداعشي يسير أساسا من طرف "مغاربة داعش"، ما مكنهم من التقدم بالمواقع القيادية "للتنظيم". ولا ينسى سكان أحد الأحياء الشعبية بمدينة تطوان شمال المغرب صدمتهم ذات صيف عام 2015، حين فوجئوا بالتحاق أسرة من جيرانهم بكامل أفرادها (الأب والأم وأولادهما الأربعة) للقتال في سوريا والعراق. وكان لافتا للمراقبين أن أغلب الموالين لـ"داعش" هم من المتحدرين من منطقة الشمال المغربي التي تم إهمالها وعقاب سكانها خلال عهد الملك الحسن الثاني الذي سمى شبابها في خطاب له بـ"الأوباش".  

 وما ارتفاع عدد عمليات تفكيك الخلايا الإرهابية الداعشية، التي تعلن عنها كل شهر المصالح الأمنية المغربية، إلا دليل بهذا القدر أو ذاك، على وجود تربة خصبة للفكر الداعشي بين المغاربة في مختلف مناطق وجهات البلاد. 

لا شيء يجيء من شرق المتوسط سوى المآسي وقصص المعاناة الرهيبة لمغاربة غرر بهم للالتحاق بخلايا الدم والإرهاب، وكثير منهم لما اكتشفوا انخداعهم وجحيم ما ألقوا أنفسهم به، حاولوا التراجع والهرب، لكنهم فشلوا.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا
تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا

سناء العاجي الحنفي

أشاهد صورتي على الهاتف وألمح التجاعيد الصغيرة على جانب العين.. أخاديد صغيرة تذكرني بسنوات العمر الذي مضى، بلحظات إحباط ومحطات أمل وتطلع للمستقبل. بقصص حب وخوف وأحلام جميلة تصنع الأمل وأخرى تصطدم بجدار الإحباط لتتكسر. 

لم أفكر يوما في إجراء عمليات تجميل ولا طمس لآثار العمر على وجهي. لست أفرق بين "البوتوكس" و"الفيلر" وغيرها من وسائل التشبيب القسري.

أتابع صور الفنانات الشهيرات وهن تزددْن صغرا مع تقدم العمر، وأتساءل: إلى متى؟ ما الذي يعنيه أن أنظر في المرآة فلا أراني، بتفاصيل عمري وتجاربي وأخطائي وإحباطاتي؟ ما معنى أن أمسح تاريخ أحاسيسي ومشاعري وتجاربي، بمشرط في عيادة طبية، وبكامل إرادتي؟ كيف نمسح تجاعيد الروح وأوجاع القلب؟ كيف نخفي آثار العمر من نبضاتنا المتعبة ومن ذكرياتنا، بحلوها ومرها؟

حتى على حسابي الجديد على الإنستغرام، أستغرب وأتساءل: هل وحدي أكبر؟ إذ لا أرى إلا أشخاصا يتقدمون في الشباب كلما تقدمت بنا السنوات. 

طبيعي أن ترعبنا، بين الفينة والأخرى، سنوات العمر الذي يمر. طبيعي أن نتأمل أثر السنوات على أجسادنا ووجوهنا فنشعر أحيانا بذلك الانقباض الخفيف في القلب، يذكرنا بأن العداد لا يتوقف.. وأنه يوما ما، في موعد لم يعد بعيدا، سيبدأ العد العكس. طبيعي أن ترعبنا فكرة الكهولة والعجز أحيانا.. والموت أيضا!

لذلك، فالبعض قد يهرب منها بأن لا يواجهها. بأن يبدو لنفسه وللآخرين دائم الشباب. لكن، إلى متى؟  
منذ أن عرفتني وأنا متصالحة مع سني. في أبريل من هذه السنة، سأحتفل بعيد ميلادي السادس والأربعين. منذ سنة على الأقل، أصبح بإمكاني أن أذهب للحج والعمرة بدون محرم! الدين وقوانين بعض الدول تعتبرنني امرأة غير مشتهاة لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين. امرأة لا يُخاف منها. وهذا ربما جزء مما يرعب النساء: أن تعتبر الأغلبية، مجتمعات وأفرادا وقوانين وحتى لغة (فهل هناك مرادف ذكوري لـ "سن اليأس"؟ وهل هناك مرادف ذكوري لـ "القواعد من النساء"؟)، أن للنساء تاريخ صلاحية يمكن قراءته من تفاصيل شكل الجسد ومن مدى انشداد البشرة ومحيط العينين، فتسارعن لإخفاء كل دليل يثبت تورطهن المرعب في التقدم الطبيعي في العمر. 

الحقيقة أنه خلل مشترك بين هشاشة لدى بعض النساء تجعلهن يربطن قيمتهن حصريا بشبابهن، وبين مجتمع يختزل النساء في معايير مرتبطة حصريا بالجمال وبالشباب. لنكن موضوعيين: ألا يقيم الكثيرون قيمة النساء، ليس فقط في "سوق" الزواج والحب والعلاقات، بل أيضا مهنيا، بالعمر والشكل؟ هل حظوظ الإعلاميات والممثلات ومقدمات البرامج في العالم بأسره، هي نفسها وهن في العشرينيات مقارنة مع بلوغهن الخمسينيات والستينيات من العمر؟ إذا استثنينا ميريل ستريب وجوليا روبرتس، كم عدد نجمات هوليود ممن حافظن على نجوميتهن بعد الخمسين؟ بين نجمات مصر مثلا، كم مرة صادفنا على مواقع التواصل مقارنات فجة بين صورهن وهن شابات فاتنات وصورهن في سن الستين أو السبعين؟ هل نتذكر سخرية مواقع التواصل من صورة النجمة ميرفت أمين منذ شهور قليلة وهي في عزاء، وكمّ السخرية من عمرها وشكلها؟ أليس طبيعيا أن تتقدم ميرفت أمين في السن، تماما كذاك الجالس على حاسوب يتهكم منها بخبث؟ 

نفس المجتمع الذي يسخر من فنانة أو حتى من سيدة غير معروفة بسبب ظهور علامات السن عليها، هو ذاك الذي ينتقد السيدات اللواتي يقعن في فخ التجميل والبوطوكس. أليس الضغط الرهيب الذي يمارَس على النساء بسبب الشكل والتجاعيد هو ما يدفع بعضهن إلى عيادات جراحي التجميل والمراكز المتخصصة؟ 

أتمنى أن يأتي يوما نتصالح فيه جميعنا مع عمرنا.. أن نتقبل مبدأ "العبور" بكل ما يعنيه من تفاصيل يرتبط بعضها بالتجاعيد وبالوهن الجسدي. أتمنى أن نتوقف عن اختزال النساء في بشرة مشدودة وفي مقاس معين للخصر وفي غياب تام للتجاعيد. وأتمنى أن تتوقف النساء عن الوقوع في فخ هذا الميركاتو الذي يفرض عليهن شبابا دائما للوجه.. حتى لو شاخ الجسد وشاخت الروح.

لنسعَ جميعنا لتجديد شباب الروح. لنكن مواظبين على الرياضة. لنسعَ لتغذية صحية. لنبتعد عن العلاقات السامة. لنعتنِ بصحة البشرة والشعر والجسد، ليس لكي تبدو أكثر صغرا، بل فقط لكي تكون بصحة جيدة.. لن يضمن لنا هذا أن نعيش أبد الدهر. سنشيخ وسنتعب، ويوما ما سنموت. لكن، بانتظار ذلك اليوم، لنعش كل لحظة بصحة جيدة. لنتصالح مع تفاصيلنا وعيوبنا وحتى مع تجاعيدنا. 

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا. هي نحن. فكيف نسمح لمشرط الجراح أو لأي مركز تجميل بأن يفصلنا عن تاريخنا وعن تاريخ أجسادنا؟ كيف نصنع لنا وجها لا يشبهنا؟

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).