Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

The Imam of the  Zitouna mosque reads a document during the Eid al-Fitr prayer, Thursday, Aug.8, 2013 in Tunis. The prayer is…
The Imam of the Zitouna mosque reads a document during the Eid al-Fitr prayer, Thursday, Aug.8, 2013 in Tunis. The prayer is taking place at the so-called "Departure Sit-in" on the Bardo square, where people demand the resignation of the ruling…

محمد المحمود

 

منذ الفجر الأول للإسلام، وإلى اليوم، قام ـ ويقوم ـ رجالُ الدين في الإسلام بدور محوري في تشكيل أنماط الوعي السائدة على امتداد العالمين: العربي والإسلامي. الوعيُ الجماهيري المُكتسِح لكل النُتُوَءات الطارئة، كان يقوده رجال الدين، ويُسْهِمون إسهاما حاسما في تحديد محتواه المعرفي والنفسي، حتى وإن كانوا ـ في البداية أو في النهاية، أو في كليهما ـ واقعون تحت سيطرة العُرف الثقافي السائد الذي يشتغلون في حدوده، أو هم واقعون سيطرة التوجيهات المؤسساتية المباشرة التي كانت تدرك دورهم في الأرقام الصعبة لمعادلات القوة؛ تبعا لدورهم الكبير في التأثير على الجماهير.

قد يُنْكِر بعض المسلمين (ومنهم رجال دين !)، وجودَ رجال الدين في الإسلام؛ بدعوى تَميّز/ تفرّد الإسلام عن غيره من الأديان بأنه خطاب من الله إلى البشر مباشرة؛ دونما وسيط كهنوتي. أي أن المسلم مرتبط بنص مقدس/ نصوص مقدسة، تربطه مباشرة بالمتعالي/ اللاّبشري، فيما هو ـ حينئذٍ ـ يتساوى مع الآخرين أمام هذه النصوص. 

ادعاء التّميّز/ التفرّد هذا، قد يُصَدِّقه أولئك الذين يرون مجرد الادعاء دليلا قائما بذاته. لكن الإسلام كأي دين، يقوم على الخطاب اللاهوتي فيه رجالٌ مُتَخَصِّصُون أو شبه مُتَخصِّصين. الادعاء شيء، والواقع شيء آخر. 

فالجماهير(ويطلق عليهم رجالُ الدين الإسلامي: العوام، ويقصدون بذلك: غير المختصين بالخبرة الدينية؛ حتى ولو كان غير المختص عالِما في مجال آخر) لا تَأخُذ معرفتَها الدينية الأولية، ولا تصورها الديني العام، ولا الافتاء، ولا الإرشاد؛ من النص المقدس مباشرة، بل عبر وسيط كهنوتي، كانت "وساطته هذه" هي السبب المباشر لإنتاج عشرات الألوف من الكتب في المعرفة الدينية عبر تاريخ الإسلام الطويل.  

إذن، من الواضح أن منكري وجود "رجال الدين" في الإسلام من المسلمين، لا يخرجون من الباب إلا لكي يدخلوا من النافذة، إذ هم يعترفون، بل ويؤكدون على وجود "عُلماء دين" يمتهنون ـ احتكارا ـ تفسيرَ الدين، والإفتاء فيه، والدعوة إليه، والوعظ والإرشاد له، وإقامة الطقوس، بل ويُطالِبون الجماهيرَ بالعودة إليهم، والأخذ عنهم، وأنهم "الأمناء على الدين" و "أهل الذِّكر" و "وَرَثة الأنبياء"...إلخ العبارات التي تؤكد وجود طبقة خاصة تمتهن وتحتكر وظائف خاصة، لا يجوز ـ وفق دعواهم ـ لبقية الناس امتهانها إلا بعد مرحلة طويلة من التأهيل الكهنوتي الخاص. وطبعا، هذا التخصص والاحتكار على المستويين: النظري والعملي، هو منهج ومظهر ودور/ وظيفة رجال الدين في كل دين، ومحاولة استبدال الأسماء المُصْطَلحية الشهيرة بأسماء أخرى للظاهرة نفسها لا يُغَيّر من حقيقة الأمر/ المُسَمَّى شيئا.

نعم، في البدايات الأولى للإسلام، لم تكن طبقة "رجال الدين" قد تميّزت عن بقية الأطياف الفاعلة في المجال الحيوي الذي تشتغل فيه. في البدايات كانت المعرفة الدينية، مُضَافا إليها الاستقامة السلوكية، هي التي تُحَدِّد موقع/ مكانة الإنسان في المجتمع الإسلامي. وليس هذا في المجال الديني الذي لم يكن يَتميّز بصورة واضحة عن المجال الدنيوي فحسب، بل في كل المجالات، إذ رجال السلطة السياسية (= أولو الأمر)، على اختلاف مراتبهم ومواقعهم كانوا هم ـ في الوقت نفسه ـ رجال المعرفة الدينية والاستقامة السلوكية؛ كما يتصورها المجتمع الإسلامي آنذاك، أقصد: في الفترة التي شَكَّلَت العقودَ الثلاثة التي تَلت وفاة رسول/ نبي الإسلام ـ ص ـ.

كان خلفاء الرسول الأربعة، ورجال الشورى، والمقربون من السلطة، والقيّمُون على سلوكيات الناس العامة، هم ـ في الوقت نفسه ـ رجال المهام الدينية، بل وكانت ممارساتهم المدنية تتم من خلال صفتهم الدينية، ليس على سبيل الامتزاج/ التداخل المقصود، بل على سبيل الاتحاد المبني على حقيقة أن الدولة الناشئة/ المجتمع الناشئ إنما قام بالدين، وعلى مبررات الدين، وبالتالي، فالصفة الدينية إذ تُعَبِّرُ عن صفة الدولة، إنما كانت تعبر ـ بشكل آلي ومباشر ـ عن صفة القائمين عليها، افتراضا؛ وِفْقَ الاعتراف المجتمعي العام، و واقعا؛ في حدود ما وقع حتى عام 41 للهجرة.

لكن، ما حدث بعد الانقلاب الأموي عام 41هـ، والذي بدأ قبل ذلك بخمس سنوات ـ بصورة فرعية ـ، هو أن الانفصال التام بين المكانة المعتبرة اجتماعيا لـ"المعرفة الدينية+ الاستقامة السلوكية" وَقع في أعلى هرم السلطة، ثم ـ تبعا لذلك ـ في كل تفاصيلها. فالحاكم الجديد بعد 41هـ لم يكن يحظى بأي تقدير على مستوى المعرفة الدينية أو الاستقامة، بل ولا حتى السبق التاريخي في الإسلام، فيما هو يحاول امتطاء صهوة السلطة العليا في مجتمع يتوفّر على الألوف من ذوي السبق التاريخي، ومن ذوي الخبرة الدينية، ومن ذوي الاستقامة، وكثير من هؤلاء يحظون بالتبجيل الاجتماعي العلني والاعتراف الديني المشهود من رجال الإسلام الأوائل(= مصدر المشروعية)، بما يصبح معه الحاكم الأموي/ معاوية وكأنه طارئ نشاز على المسار الطبيعي المفترض في تصور عموم المسلمين آنذاك. 

في مثل هذه الحال، ماذا يفعل "رجل المعرفة الدينية + الاستقامة السلوكية" وقد أصبح معزولا عن أي دور في المراتب السلطوية للدولة الأموية؟ 

كانت السلطة تصدر ـ بشكل أو بآخر ـ عن رأي رجال الدين فترة الخلفاء الأربعة الأوائل، وفي النهاية، تقف محكمات النصوص حُجَجا لازمة بيد المتحدث بلسان الدين. بينما في الزمن الأموي، أصبح رجال المعرفة الدينية، والمكانة السابقة المُبجّلة اجتماعيا، مُهَمَّشين إلى أقصى درجات التهميش، رغم فتات المال الذي كان يتسرب إلى بعضهم على سبيل التهدئة أو الاسترضاء أو محاولة شراء الذمم بشكل صريح.

هنا، في تلك اللحظة الفارقة، أحس رجل المعرفة الدينية أنه أمام سلطة طارئة؛ ليس هو منها ولا هي منه. وفي الوقت نفسه، كان يشعر ـ وبشكل مباشر ويومي ـ أنه مُبَجَّل اجتماعيا؛ باعتباره خازنَ أسرار الدين، وباعتباره ـ بمسلكه التَّوَرّعي التّعفّفي ـ حارسَ أخلاقيات الاستقامة، تلك الأخلاقيات التي كانت السلطة الأموية تنتهكها باستمرار في وضح النهار. 

هكذا، بدأ يشعر رجل الدين بتميّزه عن السلطات الرسمية، وبتميزه إزاءها. وهو ـ إذ يشعر بذلك ـ ليس معدما من أي سلطة، هو ليس أعزلا تماما؛ مقابل مسلحين بالكامل، فنفوذه الاجتماعي راسخ، بل ويتزايد بالاطراد مع تزايد عسف السلطة واضطهادها لمعظم المكونات الاجتماعية، وخاصة فئة "الموالي" التي لم تكن "أموال شراء الذمم" تمتد إليها ولو بالفتات، كما كان عليه الحال مع رجال العشائر المتنفذين الذين كانوا يمثلون وحدات السلطة الصغرى.

هذا يُفَسِّر كيف أن جميع الثورات على الدولة الأموية إنما قام بها رجال دين أو دعمها ـ بشكل مباشر وحاسم ـ رجال دين. وفشلت كل هذه الثورات على امتداد تسعين عاما؛ حتى انتصرت الثورة العباسية بردائها الديني. ومع كل فَشلٍ، كان رجل الدين يلجأ إلى البعد الروحي/ المعرفي لتعويض خسارته، وحيث إن المعارك الفاشلة تُخَلِّف وَرَاءها مآسيَ كبيرة، وأحقادا مكتومة، وثارات مُؤجّلة، فقد كانت كل هذه تسهم في رفع أسهم رجل الدين ـ كملجأ أمين، وربما وحيد ـ للغضب الاجتماعي الذي يتراكم بفعل السياسات الغاشمة للأمويين.

كانت السلطة الأموية مرفوضة وممقوتة دينيا واجتماعيا على نطاق واسع. وفي المقابل، كان رجال المعرفة الدينية والاستقامة الأخلاقية مقبولين اجتماعيا على نطاق واسع. كانت السلطة الأموية تمتلك عناصر القوة المادية القسرية، وكانت سلطة رجال الدين تمتلك عناصر القوة الروحية المؤثرة عميقا في الحراك الاجتماعي. 

مَن هو الأقوى، خاصة وأن عناصر القوة تمايزت وتنوعت؛ بعد أن كانت ـ عهد الخلفاء الأربعة ـ متداخلة، ومتواصلة، ومتفاعلة؟ لا بد من مشهد مبارزة، لا بد مشهد استعراض للقوة، ولو بشكل عرضي. وهنا تأتي المناسبات العامة، وخاصة مناسك الحج؛ لِيُحاول المجتمع التعبير ـ بشكل ضمني ـ عن رفضه لمغتصبي السلطة من الأمويين، ولِيُحاول رجل الدين ومؤيدوه تأكيد نفوذهم المنافس لنفوذ رجال السلطة الرسميين. وهذا ما ينكشف من خلال "العبارات الموجزة" التي ترد في كتب التراث في تراجم رجال الدين، إذ تحكي أن الناس يتبعون عبدالله بن عمر في الحج ليستفتوه، وأن هؤلاء الناس بلغوا من الكثرة ما يفوق الذين التفوا حول الحاكم الأموي، وكذلك الحديث عن التفاف الناس حول التابعي/ عطاء بن أبي رباح، مقابل إهمالهم النسبي للحاكم الأموي/ سليمان بن عبد الملك...إلخ القصص الصادقة أو المتخيلة التي تحكي مشاهد ـ أكثرها غير مقصود بصورة واعية ـ لاستعراض القوة، ليس من قِبَل رموز/ أبطال الحكاية، بل من قبل أولئك الذين أخذوا على أنفسهم مهمة تسطيرها في تراجمهم، وأكثر هؤلاء هم من رجال الدين الذين كانوا يُحاولون تأكيد نفوذ أسلافهم مقابل السلطة في الماضي؛ لتأكيد نفوذهم هم أيضا، على سبيل المعنى السلطوي المتضمن في المشهد الاستعراضي. 

إن مشاهد المبارزة هذه، التي يصنعها ويستعرضها المخيال العام لرجال الدين ولأولئك المتعاطفين معهم، عَبَّرت عن نفسها بوضوح بعد سقوط الأمويين على يد الثورة العباسية التي تَلبّست لبوسَ الديني في البداية، ثم كشفت عن قناعها السلطوي المحض، على الأقل، إزاء/ مقابل رجال الدين الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى خارج نطاق السلطة تماما. وهنا نسمع وصف الإمام مالك بأنه كان يبدو في "هيئة سلطان"، أو أنه كان "مهيبا كسلطان"، أو أنه "أشبه بالسلاطين منه بالعلماء". بل ونسمع من يصف سفيان الثوري، أحد كبار رواة الحديث، بأنه كان "أمير المؤمنين في الحديث"، وربما وُصِفَ بهذا الفقيه/ عبد الله بن المبارك، وكان العز بن عبد السلام يُوصَف بأنه "سلطان العلماء"، تروي كتب التراجم التي كتبها في الغالب رجال الدين، مشاهدَ لِجُرْأة رجال الدين على السلاطين.  

هكذا يستعير رجل الدين ـ أو يُسْتَعار له ـ ألقاب السلطة الصريحة لتأكيد سلطته، لا سلطته هو كفرد، أي ليس سلطة مالك أو سفيان الثوري أو ابن المبارك أو العز بن بعد السلام...إلخ، بل سلطة "رجال الدين" كطبقة تُنَافِس رجال السلطة السياسية على مجال النفوذ/ عناصر القوة في المجتمع. 
وللحديث بقية في هذا السياق.

 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).