Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

قبول ضرب المرأة تحت أي مسمى أمر يرفضه العقل. أرشيفية - تعبيرية
قبول ضرب المرأة تحت أي مسمى أمر يرفضه العقل. أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

عاد الجدل بشأن قضية "ضرب الزوجات" مرة أخرى إلى الواجهة، لا سيما بعد إعلان مشروع قانون في مجلس النواب المصري لتغليظ العقوبة ضد الفاعل. 

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تفاعلا واسعا بين مؤيد ومعارض، كما امتد الجدل ليشمل نقد شيخ الأزهر أحمد الطيب.

وكان الطيب قد تناول القضية مؤخرا على التلفزيون المصري، مؤكدا أن "ضرب الزوجة ليس فرضا ولا سنة، لكنه أمر مباح لمواجهة الزوجة الناشز وصولا للحفاظ على الأسرة من الضياع والتشرد"، وذلك على حد قوله.

ودخل في الصراع حول "ضرب الزوجة" في الإسلام العديد من الشخصيات المعروفة مثل الإعلامي الرائع، عمرو أديب، والباحث، إسلام البحيري وغيرهم. ووصل الأمر إلى إهانة إسلام البحيري على الهواء مباشرة من مبروك عطية والداعية المثيل للجدل عبد الله رشدي.

والسؤال المطروح لكل من يقبل ضرب المرأة هو هل يقبل إن كانت أمه متزوجة من رجل غير أباه أن يضرب "زوج أمه" أمه (بفتح الميم) أو – كما نقول في اللهجة الدارجة المصرية - "يمدها على رجليها" ليؤدبها! 

فإن كان من يقبل ضرب الزوجة يقبل هذا الأمر على أمِه فإن "الأحرار" من البشر لا يقبلون ذلك!   

وبأمانة فإنه حتى مناقشة أمر مهين للمرأة مثل هذا الأمر هو دلالة على درجة من الإنهيار الفكري تفوق التصور جعلت إهانة الزوجة بهدف "التأديب" تبدوا وكأنها شيء ممكن قبوله  وإباحته للرجال. 

وأرى خمسة جوانب رئيسية في هذا الأمر:  

الأمر الأول

شيزوفرينيا فكرية غير مسبوقة وصلت إلى درجة إباحة ضرب المرأة ثم الفخر بعد ذلك أمام العالم في المنتديات والمؤتمرات العالمية بأن الإسلام هو الديانة التي كرمت المرأة! 

فإن كان إباحة ضرب المرأة "تكريما" لها فما هي الإهانة إذا؟

الأمر الثاني
نفاق من رجال الدين جعل كثيرين منهم يتكلمون حديثا - كما يقولون - "وسطيا " برفض ضرب المرأة أمام الإعلام ولكن نفس الأشخاص يرفضون سن قانون يجرم ضرب الزوجة! نفاق لم أشهد له مثيلا! 

الأمر الثالث

شذوذ فكري يتكلم عن "قوامة الرجل" وفي نفس الوقت يقبل أن يضرب الزوج زوجته وهو أي - ضرب المرأة - أمر تنتفي فيه كل معاني الرجولة، وكما كنا نقول بالتعبير المصري الدارج "الراجل ما يمدش إيده على واحدة ست". أي أن الرجل الحقيقي لا يضرب إمرأة. وكنا في المدرسة نقول عمن يضرب من هو أضعف أو أصغر منه حجماً بأن من يفعل ذلك ليس رجلاً! فكانت الرجولة الحقيقية في مفهومنا حينذاك هو الدفاع عن الضعيف وليس إهانته! 

الأمر الرابع

إرهاب فكري للمرأة. فحينما نرى العديد من النساء يدافعن عن ضرب الزوج لزوجته نرى بوضوح درجة الإرهاب الفكري الذي صنعه الفكر الديني المتطرف في المجتمع حتى أخاف النساء وأرهبهن من "عذاب جهنم" ومن "عذاب القبر" حتى فقدن القدرة على محاولة التفكير، وبالتالي قبول الضرب والدفاع عنه بجنون خشية أن يحل عليها الغضب الإلهي إن تجاسرت وفكرت خارج الصندوق الديني التقليدي.

الأمر الخامس

أما الأمر الخامس الذي ظهر جليا في هذه القضية فهو عجز رجال الدين عن وضع فهم أو تفسير آخر للآية التي يتم إستخدامها لإباحة ضرب المرأة وهي الآية التالية في سورة النساء: "اللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" (سورة النساء 34). 

وحاول البعض فهم الضرب بأنه "الابتعاد" عن الزوجة. وعرض الباحث إسلام البحيرى فهما للنشوز بأنه "الخيانة الزوجية". ورفض الكثيرون الفهم الأخير لأنه لم يكن منطقيا في نظرهم أن يعظ الرجل زوجته إن وجدها تخونه مع رجل آخر ثم يهجرها في الفراش كعقوبة لها على خيانتها له. وهاجم البعض الباحث إسلام البحيري لأنهم رأو أن ما يقول محاولة لتزييف "الحقائق" وإباحة لمبدأ استخدام العنف بصورة قد تبرر "جرائم الشرف". 

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن القرآن الكريم جعل للعلاقة بين الزوج والزوجة إحتمالين فقط مقبولين عند الله تعالى وهما كما قالت الآية الكريمة "فإمْساك بمعروف أو تسريح - أي ترك - بإحسان ". والضرب لا هو "معروف" ولا هو "إحسان"! 

وفوق ذلك فإن القرآن لم يبح للرجل استخدام العنف ضد زوجته حتى إن وجدها تعاشر رجلا آخر في سريره. وأقصى ما سمح له القرآن في هذه الحالة هو أن يشتكيها بأدب إلى القاضي في قضية "الملاعنة" المعروفة في سورة النور والتي انتهت بقوله تعالى "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين".

فإن كان القرآن الكريم لا يبيح العنف مع الزوجة في حالة تلبسها بالخيانة الزوجية، فكيف يبيحه إذا لم تطع أوامره في الحياة العادية! 

وأخيرا فإن ماحدث من جدال حول موضوع "ضرب المرأة" هو شيء يظهر (بضم الياء) أمراضا فكرية ومجتمعية لابد من علاجها.

فإن قبول ضرب المرأة تحت أي مسمى وبأي صورة من الصور هو أمر يرفضه العقل والضمير ويحتاج إلى تشريعات قانونية ودينية وتعليمية جديدة لمحاربة هذا الشذوذ الفكري المتناقض مع كل مبادئ الضمير والرجولة والإنسانية.

وللحديث بقية

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).