Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر".
"هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر".

عبد الرحيم التوراني

اعتاد المغاربة منذ سنوات وعقود على سماع نعي يتكرر بينهم كل يوم تقريبا، ينبئهم بموت السياسة. وغالبا ما تصاحب هذا النعي مواقف وأحكام قيمة تلخص ما يجري باسم السياسة وتحت يافطتها بالعبث والتضليل والخداع. وهو وصف لا يصدر فقط عن سياسيين وفعاليات ثقافية وفكرية، ربما أصابها التعب واليأس، بل إنه يأتي - وهذا هو الأخطر - من فئات واسعة محبطة، خبرت الأحزاب وجربت برامجها ووقفت على وعودها الكاذبة. كما اكتوت بالسياسة اللاشعبية للسلطات الحاكمة. 

وبعدما كان يتم التحذير من السياسة، كونها قد تسبب المشاكل والمتاعب والسجن، وكانت العامة تتجنب ممارستها، بات العمل السياسي والحزبي "شأنا لا يلوذ به سوى انتهازيين، ولا يرتاده إلا صاحب حاجة ومصلحة ذاتية خالصة".  

وهناك من يقول بيقين: "شوف من هي الأشكال التي تتصارع في الانتخابات، واسأل عمن هي الفئة التي تهيمن على المجالس المحلية وتصل إلى البرلمان، ومن يتكالبون على نيل "كعكة" تسيير ميزانيات المال العام؟ ذوو سوابق، ومتابعون بشيكات من دون رصيد، وناهبو ومبددو المال العام، ومرتكبو جرائم أخلاقية. إنه "البروفايل" المثالي للمشتغلين بالسياسة وأدوارها، الذي ترسمه الذهنية الشعبية حول السياسة ومتعاطيها، بل إن اللفظة الفرنسية "البولتيك" التي تعني "السياسة"، تصبح عند استعمالها في العامية المغربية لفظة تحقيرية، تعني الكذب والتضليل والفهلوة. وأصبح للسياسة مفهوم واحد، هو الارتكان إلى مهادنة السلطة وتأييد سياساتها والتصفيق لها ولو كانت مخطئة. 

***

بعد أن غاب ورحل كبار الزعماء السياسيين، خلت الساحة السياسية المغربية من شخصيات وطنية تتمتع بكاريزما مثالية وذات رمزية. ولو فتشت بين مختلف أورقة اليمين واليسار وما بينهما، فلن تعثر اليوم على واحد من هؤلاء. ولن يتأتى للمجتمعات فهم السياسة إذا لم يشعر الناس بالقدرة على الإعجاب بالسياسيين الكبار، السياسيين الذين لهم القوة على تحريك الناس والتأثير فيهم، من يعرفون كيف يصنعون من الأفراد شعبا متضامنا وينجحون في تعبئته حول قضايا وطنية عامة، فيغيرون إيجابيا مجرى تاريخه. إنها مَلَكَة لا تُمنح لكل من تطأ قدماه دروب السياسة. لذلك فالسياسيون العظماء يظلون قلة في كل جيل. لكن يحدث أن تأتي فترات قاحلة، يمر فيها جيل أو أكثر، بمعاناة التيتم ووطأة الحاجة لقادة وزعماء.  

***  
يتوافق سياق هذا الكلام مع ما يعرفه المشهد السياسي والحزبي المغربي اليوم. فلطالما تمنى المغاربة أحزابا وطنية حقيقية، ديمقراطية ومستقلة. وساورهم أمل أن يستجيب رئيس الحكومة المنتخبة وفريقه الوزاري للتطلعات وللآمال الشعبية في العدالة والكرامة والعيش الكريم. 
بعد دستور "يوليو 2011"، الذي جاء إثر احتجاجات "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي"، تضمن جملة من التحولات التي همّت منصب رئيس الحكومة، بالنص على تعيينه "من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها"، وهو من يقترح الوزراء على الملك. وهذا يعد قطيعة مع "الخروج على المنهجية الديمقراطية"، الذي أخرج عبد الرحمان اليوسفي عام 2002 من السياسة، وأبعده عن استكمال مهامه في منصب الوزير الأول لـ"حكومة التناوب"، بل أرغمه على الاعتزال حتى وفاته في ماي 2020.  

لكن الصناديق أفرزت في 2012 حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) في المرتبة الأولى، ليتبوأ أمينه العام، عبد الإله بنكيران، رئاسة الحكومة. وتكررت النتيجة في 2016، بتعيين محازبه سعد الدين العثماني بدله، بعد اعتراض خفي لأعلى السلطات في البلاد لاستمرار بنكيران في المنصب، فتم اللجوء لما سيسمى بـ "البلوكاج"، الذي قاده عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بمساعدة "تقنية" من إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. 

اعتبر عديدون عبد الإله بنكيران مجرد "حلايقي"، حكواتي ومهرج، بينما بدا لآخرين عبقريا استطاع إنزال السياسة من أبراجها إلى الشارع والبيوت، وذلك لأنه كان يتعمد الكلام بالدارجة بأسلوب فكاهي أحيانا، يشبه "الستاند آب كوميدي". لكن بنكيران سيكتشف في الأخير أنه هو أول من ظل بعيدا عن الدواليب والغرف التي تصنع فيها السياسة "الحقيقية"، التي يتحكم بها مستشارو الملك، أو "حكومة الظل". 

كما أن سعد الدين العثماني الذي خلفه، كان ذا شخصية باهتة وأقل كلاما. وقيل إن الكرسي الذي وضع عليه أكبر منه. ما جعله موضع سخرية من فئات شعبية، خاصة من لدن رواد المواقع الاجتماعية. وزاد الأمر بؤسا لما سجلته الكاميرات في رحاب القصر الملكي، يوقع مذهولا وثيقة التطبيع مع إسرائيل، وتبين أنه لم يطلع على مضمون ما أمضى عليه. بل أوتي به على عجل، كما صرح هو بنفسه لاحقا، وطلب منه التوقيع في حضرة جلالة الملك، فجلس منصاعا بين جاريد كوشنير صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات. وصارت بعض كلمات العثماني وعباراته الطريفة تثير الضحك والتنكيت، منها استسهاله الوصول لمنصب رئاسة الوزراء، ما دام واحد مثله نال المنصب. وكلامه عن التطور الحاصل في المغرب، حيث أصبح سهلا بمجرد الضغط على زر للحصول على الإنارة، كما يكفي تحريك الصنبور ليصب الماء... "ياه له من اكتشاف عظيم!".  

وسبق للأجيال السابقة أن اتخذت من شخصيات بارزة في الحقل السياسي المغربي موضوع سخرية وتنكيت، مثل النقابي والوزير الراحل محمد أرسلان الجديدي، والزعيم الصحراوي الشيخ سعيد ولد خاطري الجماني. بل إن أقوى وزير في عهد الحسن الثاني، ويده الباطشة التي كان يضرب بها، لم يفلت من سخرية الأوساط الشعبية، بسبب لهجته البدوية، وأخطائه اللغوية والإلقائية لما يعمد التحدث بالعربية الفصحى. وأشهر كلماته هي: "شهيد كوميرا" لما نطقها استهزاء من الضحايا الذين سقطوا برصاص القوات الأمنية خلال الانتفاضة الدامية "20 جوان 1981" بالدار البيضاء. 

***

وجاءت الانتخابات الأخيرة بتاريخ 8 سبتمبر 2021، ومكنت حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة عزيز أخنوش، من رئاسة الحكومة الحالية، بعد تحالفه مع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. عندها اعتقد بعض الناس أن عهدا جديدا من الزعامات السياسية انطلق، رغم أن الأمل أو التفاؤل لم يكن بالقدر الكافي، إذ الجميع لم ينس التهديدات التي أطلقها قبل الانتخابات ضد حركة المقاطعة الاقتصادية الشهيرة، متوعدا المواطنين بـ "إعادة تربيتهم". 

وهذا الأسبوع، إثر خروج منتخب المغرب من منافسات كأس افريقيا بالكاميرون، اعتلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش منصة البرلمان، للرد على الإخفاق المغربي في الرياضة، فقلل من شأن المعضلة، ونصح البرلمانيين والشعب المغربي بالتضامن مع لاعبي المنتخب "لأنهم لم يناموا ليلتهم بعد الهزيمة أمام منتخب مصر"، متهربا من مناقشة السياسة الحكومية في قطاع الرياضة، وفي مجال كرة القدم تحديدا، حيث توجه انتقادات كثيرة حول ميزانية كبرى تصرف بالمليارات على منتخب الكرة من عقود من دون تحقيق نتائج تذكر.  

وسبق لبنكيران، ليلة الانتخابات الأخيرة، بعد وصوله خبر اتجاه الأمور صوب ما لا يحمده، أن حذر من تعيين أخنوش على رأس الحكومة. ومما قاله حينها، رغم الغنى الفاحش لأخنوش فإنه يفتقر إلى الكاريزما المطلوبة، وليست لديه إلا الأموال يوزعها على المستعدين لبيع أصواتهم الانتخابية. والحقيقة أن الكاريزما المتحدث عنها اختفت وغابت بغياب الزعماء الكبار الذي سقنا أسماء بعضهم في الأسطر السابقة، بعدما امتلأت الساحة بأحزاب إدارية مختلقة، وبهيئات تختصر أسباب خلقها في خلط الأوراق وتمييع العمل السياسي والحزبي ليس أكثر. 

***  

وتأكد الهزال والعبث السياسي في آخر مؤتمر عقده حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في آخر يناير 2022. وكان هذا الحزب في السابق يحسب له ألف حساب، ويحظى بشعبية هائلة تتعدى أعداد المنظمين بصفوفه. وبعد ما يقارب الأربعة عقود، قضاها الاتحاد في المعارضة الجذرية، عقود أنتجت أبرز عناوين "سنوات الرصاص"، من اعتقالات وتوقيف وتعذيب وتنكيل، والزج بالمناضلين في السجون والمعتقلات السرية، ومنهم من تمت تصفيته بالاغتيال، بينما وجد آخرون أنفسهم في المنافي، ما أكسب الاتحاد تعاطفا شعبيا واسعا، جعل منه "حالة شعبية"، لأنه يعبر عن نبض الشعب وهمومه. لكن الاختراقات والتنازلات أدت إلى قبول الاتحاد من دون شروط بترؤس ما سمي بـ"حكومة التناوب" في آخر عهد الحسن الثاني، ونصب عبد الرحمان الوسفي وزيرا أول في حكومة مبلقنة تشكلت من أحزاب ظل الاتحاد يصفها باستمرار بالأحزاب الإدارية والمخزنية. وكانت هدية مسمومة بترياق يشوه وجه متناوله، ويفقده الذاكرة، ويتركه بلا أطراف وغير قادر على المشي والحركة من دون مساعدة أو جلوس على كرسي متحرك. ولأنه كرسي الحكومة "متحرك"، فقد عاد الاتحاد إلى خارج الحكومة، لكنه لم يستطع الوقوف، وظل بحاجة لـ"سيروم" (مصل) السلطات. هكذا صار الحزب القوي والعتيد تابعا لحزب "الأصالة والمعاصرة" الذي ولد بـ"أنابيب القصر". ثم تحول الاتحاد إلى منقاد بتعليمات التجمع الوطني للأحرار. بعد أن أفرغ الاتحاد الاشتراكي من مناضليه وأطره ومثقفيه الذي كانوا يزينون ليس فقط صورة الحزب التاريخي، بل صورة بلد بأكمله. وجيء بأشخاص من الأعيان ممن لا يفهمون معنى الاشتراكية كإيديولوجيا، أو ماهية اليسار، وآخرين من  ذوي السمعة السيئة والسوابق، ترشحوا وفازوا في الانتخابات باسم الاتحاد الاشتراكي. وظل الكاتب الأول إدريس لشكر متشبثا بالمشاركة في الحكومة، حتى بعد ترتيب حزبه رابعا، لكن أخنوش ومن معه كان لهم "رأي مختلف"، فانتقل لشكر للاستجداء ولو بحقيبتين، له ولبنته، (كما ذكرت المصادر). لكن النصح أتى يأمره بالاصطفاف في المعارضة، فسارع لشكر للكلام عما أسماه بـ"التغول الحكومي". الغول إذن سطا على أمل الاشتراكي لشكر، رغم تذكيره لصاحبه أخنوش بما قدمه له في 2016 خلال عملية "البلوكاج" من أجل إبعاد بنكيران، إذ لولا فتاوى إدريس لشكر، لما حصل إعفاء بنكيران بتلك الطريقة "السلسة". وهو ما لم ينسه بنكيران العائد من "تقاعد مريح" (هبة ملكية، 9 آلاف دولار شهريا) إلى رئاسة حزب العدالة والتنمية، حيث لا يتردد بنكيران في وصف إدريس لشكر بـ"البلطجي السياسي". 

ولأن القوانين الداخلية لحزب الاتحاد تنص على ولايتين فقط لمنصب الكاتب الأول، ولأن لشكر لم يحقق بعد مشروعه الكبير الذي يحلو له تسميته بـ "التناوب الثالث"، فلا بد من "ولاية ثالثة" ولو طال السفر. هكذا عمد لشكر إلى تغيير قانون الحزب خارج القانون، وترأس لجنة تحضير المؤتمر، و"انتخب" المؤتمرين، وأقصى كل من سولت له نفسه منافسته أو انتقاده. ونصب عدة منصات إلكترونية متفرقة بجهات المغرب، ثم أعلن نفسه كاتبا أول للمرة الثالثة، ليتكلم في الختام عن "المصالحة التاريخية والتوجه إلى المستقبل". 

 ***  

هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر في مضيق جبل طارق وفي المحيط الأطلسي، والموت حنقا وحرقا وقهرا ومرضا، يتوج في هذه الأثناء بالموت في غيابات الجب (الطفل ريان). 

هي "سلطة الحياة والموت" التي تتحكم في رقاب الناس، تمنح الحياة لمن تشاء، وتردي الآخرين بالموت. والناس يحيون في "حياة تفترض الموت ويتعايشون معها"، كما قال الفيلسوف الكامروني أشيل مبيمبي. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).