Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر".
"هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر".

عبد الرحيم التوراني

اعتاد المغاربة منذ سنوات وعقود على سماع نعي يتكرر بينهم كل يوم تقريبا، ينبئهم بموت السياسة. وغالبا ما تصاحب هذا النعي مواقف وأحكام قيمة تلخص ما يجري باسم السياسة وتحت يافطتها بالعبث والتضليل والخداع. وهو وصف لا يصدر فقط عن سياسيين وفعاليات ثقافية وفكرية، ربما أصابها التعب واليأس، بل إنه يأتي - وهذا هو الأخطر - من فئات واسعة محبطة، خبرت الأحزاب وجربت برامجها ووقفت على وعودها الكاذبة. كما اكتوت بالسياسة اللاشعبية للسلطات الحاكمة. 

وبعدما كان يتم التحذير من السياسة، كونها قد تسبب المشاكل والمتاعب والسجن، وكانت العامة تتجنب ممارستها، بات العمل السياسي والحزبي "شأنا لا يلوذ به سوى انتهازيين، ولا يرتاده إلا صاحب حاجة ومصلحة ذاتية خالصة".  

وهناك من يقول بيقين: "شوف من هي الأشكال التي تتصارع في الانتخابات، واسأل عمن هي الفئة التي تهيمن على المجالس المحلية وتصل إلى البرلمان، ومن يتكالبون على نيل "كعكة" تسيير ميزانيات المال العام؟ ذوو سوابق، ومتابعون بشيكات من دون رصيد، وناهبو ومبددو المال العام، ومرتكبو جرائم أخلاقية. إنه "البروفايل" المثالي للمشتغلين بالسياسة وأدوارها، الذي ترسمه الذهنية الشعبية حول السياسة ومتعاطيها، بل إن اللفظة الفرنسية "البولتيك" التي تعني "السياسة"، تصبح عند استعمالها في العامية المغربية لفظة تحقيرية، تعني الكذب والتضليل والفهلوة. وأصبح للسياسة مفهوم واحد، هو الارتكان إلى مهادنة السلطة وتأييد سياساتها والتصفيق لها ولو كانت مخطئة. 

***

بعد أن غاب ورحل كبار الزعماء السياسيين، خلت الساحة السياسية المغربية من شخصيات وطنية تتمتع بكاريزما مثالية وذات رمزية. ولو فتشت بين مختلف أورقة اليمين واليسار وما بينهما، فلن تعثر اليوم على واحد من هؤلاء. ولن يتأتى للمجتمعات فهم السياسة إذا لم يشعر الناس بالقدرة على الإعجاب بالسياسيين الكبار، السياسيين الذين لهم القوة على تحريك الناس والتأثير فيهم، من يعرفون كيف يصنعون من الأفراد شعبا متضامنا وينجحون في تعبئته حول قضايا وطنية عامة، فيغيرون إيجابيا مجرى تاريخه. إنها مَلَكَة لا تُمنح لكل من تطأ قدماه دروب السياسة. لذلك فالسياسيون العظماء يظلون قلة في كل جيل. لكن يحدث أن تأتي فترات قاحلة، يمر فيها جيل أو أكثر، بمعاناة التيتم ووطأة الحاجة لقادة وزعماء.  

***  
يتوافق سياق هذا الكلام مع ما يعرفه المشهد السياسي والحزبي المغربي اليوم. فلطالما تمنى المغاربة أحزابا وطنية حقيقية، ديمقراطية ومستقلة. وساورهم أمل أن يستجيب رئيس الحكومة المنتخبة وفريقه الوزاري للتطلعات وللآمال الشعبية في العدالة والكرامة والعيش الكريم. 
بعد دستور "يوليو 2011"، الذي جاء إثر احتجاجات "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي"، تضمن جملة من التحولات التي همّت منصب رئيس الحكومة، بالنص على تعيينه "من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها"، وهو من يقترح الوزراء على الملك. وهذا يعد قطيعة مع "الخروج على المنهجية الديمقراطية"، الذي أخرج عبد الرحمان اليوسفي عام 2002 من السياسة، وأبعده عن استكمال مهامه في منصب الوزير الأول لـ"حكومة التناوب"، بل أرغمه على الاعتزال حتى وفاته في ماي 2020.  

لكن الصناديق أفرزت في 2012 حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) في المرتبة الأولى، ليتبوأ أمينه العام، عبد الإله بنكيران، رئاسة الحكومة. وتكررت النتيجة في 2016، بتعيين محازبه سعد الدين العثماني بدله، بعد اعتراض خفي لأعلى السلطات في البلاد لاستمرار بنكيران في المنصب، فتم اللجوء لما سيسمى بـ "البلوكاج"، الذي قاده عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بمساعدة "تقنية" من إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. 

اعتبر عديدون عبد الإله بنكيران مجرد "حلايقي"، حكواتي ومهرج، بينما بدا لآخرين عبقريا استطاع إنزال السياسة من أبراجها إلى الشارع والبيوت، وذلك لأنه كان يتعمد الكلام بالدارجة بأسلوب فكاهي أحيانا، يشبه "الستاند آب كوميدي". لكن بنكيران سيكتشف في الأخير أنه هو أول من ظل بعيدا عن الدواليب والغرف التي تصنع فيها السياسة "الحقيقية"، التي يتحكم بها مستشارو الملك، أو "حكومة الظل". 

كما أن سعد الدين العثماني الذي خلفه، كان ذا شخصية باهتة وأقل كلاما. وقيل إن الكرسي الذي وضع عليه أكبر منه. ما جعله موضع سخرية من فئات شعبية، خاصة من لدن رواد المواقع الاجتماعية. وزاد الأمر بؤسا لما سجلته الكاميرات في رحاب القصر الملكي، يوقع مذهولا وثيقة التطبيع مع إسرائيل، وتبين أنه لم يطلع على مضمون ما أمضى عليه. بل أوتي به على عجل، كما صرح هو بنفسه لاحقا، وطلب منه التوقيع في حضرة جلالة الملك، فجلس منصاعا بين جاريد كوشنير صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات. وصارت بعض كلمات العثماني وعباراته الطريفة تثير الضحك والتنكيت، منها استسهاله الوصول لمنصب رئاسة الوزراء، ما دام واحد مثله نال المنصب. وكلامه عن التطور الحاصل في المغرب، حيث أصبح سهلا بمجرد الضغط على زر للحصول على الإنارة، كما يكفي تحريك الصنبور ليصب الماء... "ياه له من اكتشاف عظيم!".  

وسبق للأجيال السابقة أن اتخذت من شخصيات بارزة في الحقل السياسي المغربي موضوع سخرية وتنكيت، مثل النقابي والوزير الراحل محمد أرسلان الجديدي، والزعيم الصحراوي الشيخ سعيد ولد خاطري الجماني. بل إن أقوى وزير في عهد الحسن الثاني، ويده الباطشة التي كان يضرب بها، لم يفلت من سخرية الأوساط الشعبية، بسبب لهجته البدوية، وأخطائه اللغوية والإلقائية لما يعمد التحدث بالعربية الفصحى. وأشهر كلماته هي: "شهيد كوميرا" لما نطقها استهزاء من الضحايا الذين سقطوا برصاص القوات الأمنية خلال الانتفاضة الدامية "20 جوان 1981" بالدار البيضاء. 

***

وجاءت الانتخابات الأخيرة بتاريخ 8 سبتمبر 2021، ومكنت حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة عزيز أخنوش، من رئاسة الحكومة الحالية، بعد تحالفه مع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. عندها اعتقد بعض الناس أن عهدا جديدا من الزعامات السياسية انطلق، رغم أن الأمل أو التفاؤل لم يكن بالقدر الكافي، إذ الجميع لم ينس التهديدات التي أطلقها قبل الانتخابات ضد حركة المقاطعة الاقتصادية الشهيرة، متوعدا المواطنين بـ "إعادة تربيتهم". 

وهذا الأسبوع، إثر خروج منتخب المغرب من منافسات كأس افريقيا بالكاميرون، اعتلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش منصة البرلمان، للرد على الإخفاق المغربي في الرياضة، فقلل من شأن المعضلة، ونصح البرلمانيين والشعب المغربي بالتضامن مع لاعبي المنتخب "لأنهم لم يناموا ليلتهم بعد الهزيمة أمام منتخب مصر"، متهربا من مناقشة السياسة الحكومية في قطاع الرياضة، وفي مجال كرة القدم تحديدا، حيث توجه انتقادات كثيرة حول ميزانية كبرى تصرف بالمليارات على منتخب الكرة من عقود من دون تحقيق نتائج تذكر.  

وسبق لبنكيران، ليلة الانتخابات الأخيرة، بعد وصوله خبر اتجاه الأمور صوب ما لا يحمده، أن حذر من تعيين أخنوش على رأس الحكومة. ومما قاله حينها، رغم الغنى الفاحش لأخنوش فإنه يفتقر إلى الكاريزما المطلوبة، وليست لديه إلا الأموال يوزعها على المستعدين لبيع أصواتهم الانتخابية. والحقيقة أن الكاريزما المتحدث عنها اختفت وغابت بغياب الزعماء الكبار الذي سقنا أسماء بعضهم في الأسطر السابقة، بعدما امتلأت الساحة بأحزاب إدارية مختلقة، وبهيئات تختصر أسباب خلقها في خلط الأوراق وتمييع العمل السياسي والحزبي ليس أكثر. 

***  

وتأكد الهزال والعبث السياسي في آخر مؤتمر عقده حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في آخر يناير 2022. وكان هذا الحزب في السابق يحسب له ألف حساب، ويحظى بشعبية هائلة تتعدى أعداد المنظمين بصفوفه. وبعد ما يقارب الأربعة عقود، قضاها الاتحاد في المعارضة الجذرية، عقود أنتجت أبرز عناوين "سنوات الرصاص"، من اعتقالات وتوقيف وتعذيب وتنكيل، والزج بالمناضلين في السجون والمعتقلات السرية، ومنهم من تمت تصفيته بالاغتيال، بينما وجد آخرون أنفسهم في المنافي، ما أكسب الاتحاد تعاطفا شعبيا واسعا، جعل منه "حالة شعبية"، لأنه يعبر عن نبض الشعب وهمومه. لكن الاختراقات والتنازلات أدت إلى قبول الاتحاد من دون شروط بترؤس ما سمي بـ"حكومة التناوب" في آخر عهد الحسن الثاني، ونصب عبد الرحمان الوسفي وزيرا أول في حكومة مبلقنة تشكلت من أحزاب ظل الاتحاد يصفها باستمرار بالأحزاب الإدارية والمخزنية. وكانت هدية مسمومة بترياق يشوه وجه متناوله، ويفقده الذاكرة، ويتركه بلا أطراف وغير قادر على المشي والحركة من دون مساعدة أو جلوس على كرسي متحرك. ولأنه كرسي الحكومة "متحرك"، فقد عاد الاتحاد إلى خارج الحكومة، لكنه لم يستطع الوقوف، وظل بحاجة لـ"سيروم" (مصل) السلطات. هكذا صار الحزب القوي والعتيد تابعا لحزب "الأصالة والمعاصرة" الذي ولد بـ"أنابيب القصر". ثم تحول الاتحاد إلى منقاد بتعليمات التجمع الوطني للأحرار. بعد أن أفرغ الاتحاد الاشتراكي من مناضليه وأطره ومثقفيه الذي كانوا يزينون ليس فقط صورة الحزب التاريخي، بل صورة بلد بأكمله. وجيء بأشخاص من الأعيان ممن لا يفهمون معنى الاشتراكية كإيديولوجيا، أو ماهية اليسار، وآخرين من  ذوي السمعة السيئة والسوابق، ترشحوا وفازوا في الانتخابات باسم الاتحاد الاشتراكي. وظل الكاتب الأول إدريس لشكر متشبثا بالمشاركة في الحكومة، حتى بعد ترتيب حزبه رابعا، لكن أخنوش ومن معه كان لهم "رأي مختلف"، فانتقل لشكر للاستجداء ولو بحقيبتين، له ولبنته، (كما ذكرت المصادر). لكن النصح أتى يأمره بالاصطفاف في المعارضة، فسارع لشكر للكلام عما أسماه بـ"التغول الحكومي". الغول إذن سطا على أمل الاشتراكي لشكر، رغم تذكيره لصاحبه أخنوش بما قدمه له في 2016 خلال عملية "البلوكاج" من أجل إبعاد بنكيران، إذ لولا فتاوى إدريس لشكر، لما حصل إعفاء بنكيران بتلك الطريقة "السلسة". وهو ما لم ينسه بنكيران العائد من "تقاعد مريح" (هبة ملكية، 9 آلاف دولار شهريا) إلى رئاسة حزب العدالة والتنمية، حيث لا يتردد بنكيران في وصف إدريس لشكر بـ"البلطجي السياسي". 

ولأن القوانين الداخلية لحزب الاتحاد تنص على ولايتين فقط لمنصب الكاتب الأول، ولأن لشكر لم يحقق بعد مشروعه الكبير الذي يحلو له تسميته بـ "التناوب الثالث"، فلا بد من "ولاية ثالثة" ولو طال السفر. هكذا عمد لشكر إلى تغيير قانون الحزب خارج القانون، وترأس لجنة تحضير المؤتمر، و"انتخب" المؤتمرين، وأقصى كل من سولت له نفسه منافسته أو انتقاده. ونصب عدة منصات إلكترونية متفرقة بجهات المغرب، ثم أعلن نفسه كاتبا أول للمرة الثالثة، ليتكلم في الختام عن "المصالحة التاريخية والتوجه إلى المستقبل". 

 ***  

هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر في مضيق جبل طارق وفي المحيط الأطلسي، والموت حنقا وحرقا وقهرا ومرضا، يتوج في هذه الأثناء بالموت في غيابات الجب (الطفل ريان). 

هي "سلطة الحياة والموت" التي تتحكم في رقاب الناس، تمنح الحياة لمن تشاء، وتردي الآخرين بالموت. والناس يحيون في "حياة تفترض الموت ويتعايشون معها"، كما قال الفيلسوف الكامروني أشيل مبيمبي. 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).