Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

محاولات إنقاذ الطفل ريان باءت بالفشل
محاولات إنقاذ الطفل ريان باءت بالفشل

عبد الرحيم التوراني

مر أسبوع على تشييع جثمان الطفل المغربي ريان أورَّام، بعد فشل محاولة إنقاذه التي استغرقت خمسة أيام كاملة، بدءا من تاريخ وقوعه في بئر. 

خمسة أيام حبست خلالها الأنفاس في المغرب وخارجه، وتأهبت أعداد لا تحصى من المتابعين، من مختلف الأعمار والأوساط  والفئات، بانتظار تحقيق المعجزة، لكن للأسف الشديد لم يتحقق الأمل. ومات الصغير ريان مقهورا في ظلمة هاوية بعمق يصل إلى 32 مترا. 

هستيريا جماعية 

خلال خمسة أيام نسيت فئات وشرائح واسعة من المعذبين فوق الأرض ما أصابها من فواجع وأهوال. ونسي اللاجئون وضحايا الحروب في الخيام بصقيع الشتاء القاسي مآسيهم، وتناسى الفقراء المحتاجون حاجتهم، والمكتوون بارتفاع الأسعار توقفوا عن الانشغال بموضوع الغلاء، والمرضى كتموا أناتهم وأوجاعهم. أما المتضررون من المظالم فقد أجلوا غضبهم وشكاويهم، لينصهر الجميع في لحظة واحدة بالغة التكثيف، بروح واحدة اختزلت معاني الإنسانية في عبارة لا يمكن خطها إلا بدم القلب. تشبثوا بحياة روح طفل صغير، من منطقة جبلية نائية عادة لا تذكرها تقارير الأخبار، من أصقاع مغرب طالما صنفه المستعمر بـ "المغرب غير النافع"، وذاق بعد الاستقلال الزاهر، وما يزال، صنوفا من الإهمال المجالي، اللاإنساني وغير العادل. 

خيبة أمل كبيرة أنتجت صدمة هائلة، كادت تكون هستيرية، أحدثت هيجانا من حزن جماعي نادر، وتسببت في ألم موجع لدى كل من تابع مأساة ريان وتقفى أخبارها التي تصدرت عناوين الأحداث على مدى أيام معدودة بدت كدهر.   

عَلِقَ طفل في بئر سحيقة ضيقة جافة لا ماء بها، فأخذ معه في سقوطه الملايين من بني البشر، ظلوا عالقين وسط  فوهات الترقب ولهفة الانتظار، يستقطرون بعض الأمل  في الحلوق الظامئة. وكلما شاهدوا الصور المبثوثة الآتية مباشرة من عين المكان، تفاعلوا مع أصوات المتجمهرين، وقد اختلطت بهدير آليات الحفر الضخمة وحركة الجرافات تتقدم لإزاحة الأحجار الصخرية عن صدر ريان الصغير. فيرفرف ما بصدورهم ويهتز، وتتسارع دقات القلوب لتسابق الزمن وتكات الثواني ودقات الساعات، في انتظار إخراج ريان من بطن الأرض والتصفيق لخبر طلوعه وولادته من جديد. 

هكذا التهمت شبكات الأنترنيت وشاشات القنوات الصور القليلة التي وزعت لريان الصغير، مرة وهو يبتسم لكاميرا هاتف، أو هو يمسك بين يديه عنزة صغيرة، أو صورة له مرسومة بريشة فنان اجتهد فوسع من حجم العينين وابتسامة البراءة على ملامح ريان الوسيم، وصورة أخرى أنبت راسمها لريان جناحين يصعد بهما صوب الأعالي. وألغت قنوات تلفزية برامجها ونشراتها، لتتحول إلى البث على الهواء المخصص لموضوع واحد، هو "مأساة الطفل المغربي ريان"، رافعة من حدة امتزاج المشاعر الإنسانية وتشابكها إلى درجات قصوى. مشاعر متوترة تأرجحت ما بين الأمل والتعاطف والحزن والانقهار. وأيضا الانبهار بجهود غير مسبوقة لبلد تجندت سلطاته من أجل إنقاذ روح مواطن صغير. وترك العشرات، بل المئات مشاغلهم واتجهوا إلى مكان الحادث، بينهم من سافر من مدن بعيدة في المملكة. وانشغل العالم بمتابعة الحدث، ينام ويصحى على وقْع تطور المأساة. 

يوسف شفشاون 

أضيف ريان إلى قوائم الضحايا الأبرياء، رغم أن كل الألقاب الممجدة ألقيت على مأساته، من البطل، والشجاع، والأيقونة ورمز المحبة والسلام، والملاك الصغير، إلى الطفل المعجزة وشهيد البئر، وكل ما يماثل هذه الألقاب التي كالها مطلقوها بلا ثمن وبلا وزن. دون أن ننسى حضور المخيال الديني، عندما لجأ البعض إلى تشبيه حادث ريان بقصص من القرآن، مثل قصة النبي يونس في بطن الحوت. وقصة النبي يوسف بن يعقوب في البئر، لما ألقى به إخوته في بئر. وطبعا زاد المقتبسون في سردهم، منتحلين الآية الكريمة: "نحن نقص عليك أحسن القصص". لتكشف لنا مأساة ريان عن طينة أخرى لكائنات تعيش بيننا، لا تختلف عن الضباع المفترسة والطيور الكاسرة التي تقتات من المآسي ودم الضحايا. حيث صاحبت الحدث الأليم مبالغات مفرطة، وفبركة أكاذيب وأخبار وصور مضللة، سعى مقترفوها للربح الرخيص، وقاموا باستغلال لهفة الباحثين عن خبر صغير، من شأن وصوله نشر فرح غامر بسعة العالم. 

*** 
يخبرنا القرآن أن النبي يوسف كان ضحية تآمر إخوته لما "أَلْقُوهُ فِى غَيَٰابَاتِ ٱلْجُبِّ". لكنهم اتفقوا على ألا حاجة إلى قتله، بل تركه في جوف بئر حتى يأتي بعض المارَّة من المسافرين ويلتقطوه، وبذلك يرتاحون منه، وهذا ما فعلوه وما حصل. 

أما "يوسفَنا المحبوبْ"، كما سماه الأديب المغربي أحمد بوزفور، (مع تسبيق العذر إن وُجِب، عن التشبيه والقياس)، فقد ألقي به في أعماق بئر سحيقة وموحشة، ووصل جيش من فرق الإنقاذ، وليس فقط بضعة من الناس العابرين، لكنهم لم يتمكنوا من إسعافه والتقاطه حيا. 

فمن هم إخوة "يوسف"- ريان الشفشاوني؟  

من هم هؤلاء الإخوة - الأعداء الذين كانوا يرغبون في إبعاده بقتله وتركه يموت عطشا وجوعا وخوفا ورهبة، مجروحا كسير العظام؟ 

إنهم من أهملوا قريته ومنطقته وتركوا أهلها للمعاناة. من أرغموهم على العيش من وراء زراعة سرية (قبل تقنينها). من جلبوا نبتة "خردولة" كبديل للحشيش العادي، لأن "السوق" يرغب فيها أكثر والطلب عليها أكبر، وهي نبتة تستنزف المياه بشكل كبير، ما جعل من حفر الآبار العشوائية، رغم خطورتها على السلامة العامة، عملا عاديا منتشرا بوتيرة متزايدة بقرى المنطقة، من دون مراعاة لشروط تقنية أو ترخيص قانوني. فوالد الطفل حفر "بئر ريان" بوسائله وطريقته الخاصة، كما يفعل جيرانه، ولما لم يطلع الماء لم يوقف الحفر حتى وصل إلى عمق 62 مترا من دون جدوى. مسافة توازي علو عمارة شاهقة من حوالي 15 طابقا. ولأن البئر سري، كما كثير من الأنشطة السرية بالمنطقة، لم يلجأ الوالد إلى تسوير بئره، واكتفى فقط بتغطيتها بقطعة صغيرة من خشب أو زنك. 

يتامى الطفل ريان 

من أصدر حكم "الإعدام" بحق طفل ذو خمسة أعوام، وقضى على أحلامه كلها في حياة كريمة؟ في أن ينمو في كنف أسرته، أن يرتاد المدرسة ويتعلم. وللإشارة، فإن أقرب مدرسة لبيت ريان تبعد بحوالي ساعة ونصف مشيا على الأقدام. 

من "أعدم" ريان ربما كان "فاعل خير"! قام بتقريب المسافة وهوَّنها عليه، في أن يترعرع ويكبر فيضطر للاصطفاف بطوابير البطالة، وبقوافل "الحراكة" ومواكب "قوارب الموت"، من "أعدم" ريان قصَّر عليه الطريق كي لا يجد نفسه مثل أهله منخرطا في حياة التهميش، ليس أمامه سوى حقول الحشيش، وقد قررت الحكومة أخيرا تقنينها، بتبرير "الاستعمالات الطبية"، ولا طبيب في قرية ريان، والمرافق الصحية تكاد منعدمة، وتفتقر إن وجدت لكثير من المواصفات لتصح فيها تسمية "مرفق صحي". 

*** 
رغم أنه طفل صغير السن، لم يتجاوز الخامسة من عمره، فقد ترك ريان أورّام العديد من اليتامى وراءه، من بينهم من تمنوا لو طالت عملية الإنقاذ أياما أخرى، حتى تطول فترة الارتزاق بمأساته عبر قنوات اليوتيوب وتطبيقات الأنترينت، وعبر ترويج صورته، كما فعل فرنسيون باعوا أقمصة "تي- شيرتات" طبعت عليها صورة ريان بالأسود والأبيض الملتقطة وهو في البئر.. 

أيتام آخرون كانوا يمنون النفس بأن يتحولوا في لحظة سانحة من الزمن إلى أبطال وأصحاب مجد، تتردد أسماؤهم على الألسنة، ويرفعون فوق الأكتاف، وفعلا شاهدنا لحظة إخراج ريان من القعر، كيف حُمِل رئيس فريق الإنقاذ على أكتاف مساعديه، لكن ذلك لم يدم سوى لحظات سريعة، إذ أعلن نعي الصبي.  

يتامى ممن كانوا سيتبجحون بكونهم هم من كان وراء إنقاذ ريان، وهم من تحركوا.. وهم من عملوا، وهم من... ، بينما الحقيقة هي أنهم بحاجة لقذافي آخر، يسألهم شاهرا قبضة يده صارخا في وجوههم: "من أنتم؟". 

مجد خارج الحياة 

لم يكن ريان يحلم بمجد تليد، ولا كان يرغب أو يفكر بشهرة عالمية وهو محبوس في ظلمة دامسة وسط بئر، ولا أن تغطي صورته كل الدنيا.  

حلم ريان كان بسيطا مثل قريته، وصغيرا مثل سنواته القصيرة ومروره العابر بهذا العالم. 

كان يحلم بلقمة كافية، وبدفء يحميه من صقيع منطقته الجبلية. وبالذهاب إلى المدرسة. 

كان يحلم في بلد جفت فيه آبار الأحلام لتمتلئ بثعابين وعقارب الكوابيس.  

بلد لا يجد أولاده في مواجهة انسداد الآفاق سوى معاول الهرب يتأبطونها صوب الهجرة السرية ليحفروا بها كوة وسط جبال البحر الهائج، ومعانقة أخشاب "قوارب الموت"، إذا هم أرادوا النجاة والإفلات من ثقل وطأة البؤس، وبعضهم لم يجد غير مناطق الحروب فغامر بالانخراط في داعش والإرهاب. 

الملايين من التدوينات والتغريدات! (أليست هناك في مثل هذه الحالة "نواح" بدل التغريد؟!)، والهاشتاغات التي استنجدت (أنقذوا ريان..)، يجب تحويلها الآن إلى "أنقذوا ما تبقى في البشر من إنسانية...". 

القاتل معروف 

لا يمكن تلقين دروس مستخلصة من المأساة وتعليمها لأحد، والرسائل التي سطرها موت ريان يمكن اختصارها في عبارة واحدة كتبها بموته الرهيب:  

[ أنا في غنى عن دموعكم،  

لست بحاجة لتعازيكم، 

في غنى عن هرولة وحضور "سلطات الباشا والقايد والمقدم والعامل والوالي" إلى حفرة إغران، قريتي الصغيرة كلها عبارة عن حفرة كبيرة، لو تدرون...، 

البكاء وراء الميت خسارة، 

كان عليكم أن تبكوني وأنا حي،  

ابكوا الأطفال والمعذبين فوق الأرض الذين لا يزالون بينكم،  

ابكوا القادمين منهم، 

 أنقذوا الإنسان فيكم أولا قبل فوات الأوان...]. 

(الإمضاء: ريان أورَّام- "مقبرة الزاوية" بقرية إغران- بني غمارة، إقليم شفشاون، المغرب غير النافع)  

*** 
دم ريان لن يتفرق بين القبائل، القاتل معروف، وقد مشى في جنازة ريان، والجميع لا يجهلونه. لكن من يجرؤ على الإشارة إليه بـ"أصبع من تحت جلباب"؟ 

الجميع يبتلع لسانه خوفا من أن تبتلعه البئر. بئر أفاعي وثعابين الفساد ودينامية التجهيل والتضبيع، وتخطيطات هندسة الفقر. 

لقد كانت عملية الإنقاذ "بالغة التعقيد والدقة" كما وصفوا، تطلبت جهودا مضنية ووقتا طويلا. فكم تتطلب عملية ردم وطمر سياسات الفساد والظلم والتهميش، من أجل فتح كوة أمل يطلع منها إلى الحياة الكريمة ملايين المواطنين المغاربة، ممن تصنفهم التقارير الأممية والدولية بكونهم عالقين "تحت خط الفقر". 

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).