Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

دعوا النساء تعيش

15 فبراير 2022

ابتهال الخطيب

 

 

أكتب مقالي صبيحة اليوم الذي سنخرج وقت مسائه في الكويت في اعتصام من أجل حق المرأة في حرية الاختيار. نعم، ما زلنا في هذا النصف من العالم نخرج مطالبات بحق الاختيار فيما يخص أكبر وأهم قرارات حياتنا وحتى أصغرها وأبسطها، حيث لا يوجد أي بسيط أو سهل أو ميسر في حياة المرأة أو فيما يخص اختياراتها أو أسلوب معيشتها.

جسد المرأة ثورة، ملبسها اعتصام، ومظهرها بيان رقم واحد، يقلب الموازين ويعطي المؤشرات ويخلق أيديولوجية كاملة لمجتمع بأكمله.

من ذاك الذي يريد أن يتحمل عبئاً كهذا على صدره وأن يَحمل هكذا ثقل على كتفيه؟ بأي حق يضع المجتمع عبء شرفه وسمعته الهلاميين، ثقل محافظته وتدينه، وهم صورته "النظيفة" على ظهر المرأة، تاركاً الرجل يسرح ويمرح في حياته الخاصة كما العامة، لا تعيبه رعونة إن لم تزده ألقاً في الواقع، لا يحد من فرصه عيب أو حرام، لا تكبل حياته فكرة سمعة أو شرف، ولا يقيده ولي أو وصي لينطلق حراً في اختياراته وفي تشكيل حياته؟ 

يعيش الفتى لفترة من حياته مكبلاً بوصاية الأم والأب، لينطلق في مرحلة ما بعد البلوغ ليشكل حياته ويصنع قراراته. لا تختبر المرأة فعلياً هذه التجربة مطلقاً مهما بلغ من تحرر محيطها، ذلك ان الوصاية مجتمعية، وأحياناً، مثلما هو حادث في مجتمعاتنا، هي قانونية، فإن حررها أهلها، كبلها المجتمع بوصايته، وإن أنصفها رجال عائلتها، ظلمها القانون الذكوري الذي لا يرى فيها إنساناً بالغً أبداً ولو بلغت من العمر عتياً.

هي تجربة غريبة فعلاً أن تعيش حياتك من المهد إلى اللحد وأنت موصى عليك، وأنت ملك لغيرك، للأسرة وللعادات والتقاليد والقراءات الدينية والوصاية الذكورية، تخرج من قيد، تدخل في آخر، تفلت من سجن، يَزج بك محيطك في آخر أكبر منه.

هي تجربة لم ولن يختبرها الرجال أبداً وهم يقفون على زاوية متضادة تماماً من الحياة، وهم يشاهدون مناظرها بأعين مختلفة، وهم يستطعمون ظروفها وملابساتها من براعم تذوقية أخرى، براعم القوة والسيطرة والوصاية.

نخرج الليلة من أجل حرية اختيار بسيطة من الصعب تخيل أنها ما زالت محجوبة عن أصحابها، نخرج من أجل حرية اختيار المظهر. تتعذب المسلمات الهنديات بحجابهن اليوم في الهند، تلك البلد التي طالما تشدقنا بعلمانيتها، مقارنين تقدمها واستقرارها النسبي بذاك الذي لجارتها، أفغانستان، التي عانت الأمرين من تمسكها بالسياسة الدينية بعد انفصالها عن "الهند البريطانية" في 1947.

اليوم، وبإدارة مخيفة ومتعالية من رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، تُشحن البلد بضراوة ضد المسلمين، وكالعادة، لا يظهر هذا الشحن والعداء بأوضح صوره إلا تجاه المرأة، ليصبح جسدها ساحة معركة، ويصبح مظهرها إعلان حرب، لتُرش الهنديات المسلمات المحجبات بالمياه في الشوارع ويُمنعن من دخول المدارس. حتى الحروب السياسية الدينية التي يخلقها الرجل، تدفع ثمنها مضاعفاً المرأة.

أن تجبر امرأة على خلع الحجاب هو الوجه الثاني لعملة القمع التي تحمل على وجهها الأول مشهد إجبار المرأة على لبس الحجاب. مظهر المرأة ملكها، جانب من جوانب حياتها، مؤثر من مؤثرات معيشتها، هو ليس مقياساً لشرف الرجل ولا يجب أن يؤثر على سمعته، ولا علاقة للرجل به لا من قريب ولا من بعيد.

المرأة التي "تخطئ" أياً كان معنى هذه الكلمة الهلامية، هي تماماً مثل الرجل الذي يخطئ، هي بمعية القانون، بمعية رد الفعل السلمي المجتمعي وأخيراً بمعية الحكم الإلهي. فمثلما يتحمل الرجل التبعات القانونية والأحكام المجتمعية السلمية والتبعات الأخروية للتصرفات الدنيوية، تلك يجب أن تكون ذات حمول المرأة، لا أكثر ولا أقل.

أما شرف الرجل فهو أولى بالمحافظة عليه كما هو قائم على تلويثه بلا حسيب ولا رقيب منذ فجر ظهور الإنسان "العاقل" على سطح الأرض، وأما سمعة العائلة فهذا حكم أسطوري لا وجود له، فالعائلة أفراد منفصلون كل يتحمل وزره، وأما المظهر التديني المجتمعي فهو اختياري لمن يريد أن يساهم فيه، ومن يختار الخروج عنه يبقى حقه الذي يتحمل تبعاته التي، مرة أخرى، يجب أن تبقى سلمية دون أذى أو قمع أو تهديد.

وعلى الطرف الآخر، لمن يدَّعون أن الحجاب والنقاب هما شكلان من أشكال البرمجة وأنهما لا يحتملان فعلياً فكرة الاختيار أقول إن كل مناحي حياتنا مبرمجة، والكثير من اختياراتنا نأتيها قي الواقع لاعتقادنا ألا حق أو فرصة لنا في اختيار مضادها.

من تتخذ مظهراً متحرراً لأنها تعتقد أنها ترسل رسالة عن حرية المرأة وتحرر جسدها هي كذلك معبئة بأيديولوجيا تبرمجت عليها. كل خياراتنا الأخلاقية، العقائدية، المبدئية والحياتية هي في الواقع نتاج بيولوجيتنا وتركيبنا الجيني، نتاج محيطنا ونتاج حالتنا الاقتصادية، مما يجعل مفهوم الحرية المطلقة مجرد وهم، ولربما الوهم الأكبر والكذبة الأخطر في حياتنا البشرية.

إذا استوعبنا هذه الحقيقة وأفسحنا المجال للتحرك "الحر" في إطار قيود هذه الحقيقة التي لا مفر منها، سنعيش بدرجة من "وهم" الحرية تجعل الحياة أكثر عدالة ومتعة وغنى. 

المرأة ليست قضية مستمرة، ليست خطة سياسية ولا إعلانا أيديولوجيا ثوريا. المرأة إنسان تحتاج في المحصلة لأن تعيش وتستمتع بهذه الحياة الوحيدة المتاحة لها.

نخرج اليوم بطلب بسيط جداً، وبمخاطرة أن يبدو ساذج رغم عمقه وأهميته: ارفعوا أياديكم ووصاياتكم السياسية والدينية عن المرأة، هي لا تريد أن تكون أيقونة أو رمز ثورة أو شرفاً أو سمعة أو واجهة لمجتمع أو اسماً يمثل قبيلة أو كياناً يتسبب في الحروب أو إعلان حرب دينية أو واجهة لامعة عقائدية، هي تريد أن تكون إنسانة حرة تتحمل تبعات قراراتها، فقط دعوها تعيش.

 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

بيدرو سانشيز زار الرباط مرتين في أقل من عام
بيدرو سانشيز زار الرباط مرتين في أقل من عام

عبد الرحيم التوراني

برئاسة مشتركة بين رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، ونظيره الإسباني، بيدرو سانشيز، تزامن انعقاد "الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى"، الأربعاء (1 فبراير 2023)، مع ذكرى عودة المغرب إلى المنتظم الإقليمي "الاتحاد الأفريقي" في يناير 2017، بعد مصادقة القمة الأفريقية على طلب عودة المغرب إلى عضوية الاتحاد الأفريقي، بحصوله على موافقة 39 دولة من أصل 54 عضوا بالاتحاد.

وكانت الرباط انسحبت عام 1984 من منظمة الوحدة الأفريقية (التي أصبحت تحمل اسم الاتحاد الأفريقي) احتجاجا على قبول الأخير عضوية جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء الغربية. حينها أشار الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى أن المغرب من الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي، واضطر لترك هذه المنظمة بعد قبول عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهو إجراء اعتبره الملك "جرحا" أجبره على "التخلي عن عضويته بالمنظمة الأفريقية". وبخصوص نزاع الصحراء الغربية، دعا الملك الاتحاد الأفريقي إلى تصحيح "كوابح خطأ تاريخي وإرث مرهق".

مثّل قرار عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي منعطفا جديدا في المعركة الدبلوماسية التي يخوضها المغرب للدفاع عن الهوية المغربية للصحراء الغربية، حيث طالب قبل ذلك برحيل الجمهورية الصحراوية كشرط للعودة إلى الاتحاد الأفريقي.

وشكَّلَ قرار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في نهاية ولايته الرئاسية، بإعلانه اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، أهم حدث سجل خلال هذه الفترة الممتدة على ست سنوات، نتج عنه تراجع عدد من الدول عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وفتح عدد من القنصليات بمدن الصحراء، في العيون والداخلة.

وسيتوج هذا المسار الدبلوماسي باعتراف واضح من رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، ففي رسالة تاريخية بعث بها إلى الديوان الملكي في الرباط، كان لإزاحة السرية عنها ولنشرها غير المتوقع، أثر الهزة الكبرى في أوساط المجتمع السياسي الإسباني. وهي الرسالة التي يعترف فيها رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز بسيادة المغرب في الصحراء الغربية. مؤكدا أن مقترح الحكم الذاتي الذي صاغته الدولة المغربية سنة 2007 مقبول الآن من قبل الدولة الإسبانية، باعتباره المقترح "الأكثر جدية ومصداقية" لحل نزاع إقليمي يعود تاريخه إلى عام 1975.

لم يكن مستغربا رد فعل جبهة البوليساريو حيال هذا القرار المفاجئ، حيث صرحت قيادتها أن "تصرفات رئيس الحكومة الإسبانية تنطوي على خيانة لالتزامات الاستفتاء على استقلال الصحراء الغربية".

وقد حدث هذا التغيير في العلاقات الإسبانية المغربية في لحظة احتدام الحرب الروسية - الأوكرانية، وثقل تداعياتها على إمدادات الطاقة في أوروبا والعالم. لذلك استهجن بعض الخبراء الاقتصاديين قرار بيدرو سانشيز المؤيد للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، ورأوا فيه أنه يحمل الكثير من التناقض والتهور السياسي، على اعتبار أن إسبانيا تعتمد على إمدادات الغاز من الحليف التاريخي لجبهة البوليساريو، أي الجزائر.

إلا أنه وسط الجدال المألوف داخل الطبقة السياسية والمجتمع المدني الإسباني، بشأن سياسة رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز، والعلاقة مع المغرب، والموقف من النزاع الجزائري - المغربي حول قضية الصحراء الغربية، يضاف إليها إجراءات مراقبة الهجرة غير الشرعية... وسط هذه الأجواء المحمومة اندلعت أعمال عنف وموت وانتهاكات لحقوق الإنسان، في خضم إجراءات التعاون بين الرباط ومدريد، وانتهاج سياسات الهجرة المصاغة في إطار الموقف الإسباني الجديد، عندما لقي أكثر من 27 مرشحا للهجرة السرية مصرعهم على سور مليلية (24 يونيو 2022)، وأصيب المئات منهم نتيجة سوء استخدام القوة من قبل قوات الشرطة المغربية والقوات الإسبانية. وهي المأساة التي توثقها بيانات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وجمعية مساعدة المهاجرين، ومنظمة أتاك المغرب، وغيرها من الهيئات الحقوقية، في شهادات واضحة على الأحداث، معززة بتسجيلات الصور الفوتوغرافية ومشاهد الفيديو، تظهر الوحشية الهائلة التي تصرفت بها قوات الشرطة لمحاولة منع تجاوز المهاجرين للسياج الحدودي الفاصل بين مدينة مليلية الخاضعة للسيطرة الإسبانية ومدينة الناظور.

في وسط هذه اللّجة وجد بيدرو سانشيز نفسه أمام سيل عارم من الانتقادات الحادة لمعارضيه داخل إسبانيا، الانتقادات التي اعتبر أصحابها أن ما حدث في مليلية هو جزء من سياق استئناف اتفاقيات "التعاون" بين إسبانيا والمغرب، وتقارب بين السلطة التنفيذية لبيدرو سانشيز مع النظام المغربي، وتكريسه لـ"التعاون الاستثنائي الذي يجريه مع المملكة المغربية".

ولم تتوقف هجمة الأحزاب والحركات والتيارات الحقوقية واليسارية على حكومة سانشيز، وعلى برامجه المرتبطة بالمخطط الأمني المسمى بـ "سياسة الحدود الذكية".

لم يتراجع بيدرو سانشيز، وظل صامدا في موقفه تجاه التزاماته السياسية مع المغرب، ولم يصوت نوابه في البرلمان الأوروبي مع قرار الإدانة الذي جرت صياغته ضد المغرب في شهر يناير المنصرم. بل إن سانشيز خرج ليتبرأ من القرار. وفي مستهل فبراير الحالي توجه بصفته رئيس السلطة التنفيذية برفقة وفد وزاري مهم إلى العاصمة المغربية، وترأس مع عزيز أخنوش "الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى" بين المملكتين الإسبانية والمغربية، تحت شعار "شراكة متميزة متجهة بثبات نحو المستقبل". الحدث الذي وصف بكونه يشكل "مرحلة مفصلية في تنزيل التصور الجديد للعلاقات بين البلدين"، والذي اختتم بتوقيع نحو 20 اتفاقية ثنائية، شملت مجالات مختلفة تهم الاستثمارات الاقتصادية والجانب الاجتماعي والتعاون الأمني الوثيق في مجال الهجرة والإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

مما يعزز الموقف القائل بأن هناك تحالفا جيوسياسيا جديدا يتأسس بهدوء بين مدريد والرباط، يحصل بعد مبادرة الولايات المتحدة في آخر عهد دونالد ترامب، المبادرة التي سارت عليها إدارة خلفه جو بايدن بخصوص ملف الصحراء الغربية، على عكس ما توقعته بعض الجهات. مما ساهم بشكل كبير في دعم التوجه الدبلوماسي الجديد للمغرب.

لكن التساؤل الذي يشكل مصدر قلق لدى الرأي العام في كلتا الضفتين، ويظل كامنا خلف هذه النجاحات التي تحققت حتى الآن على مستوى العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، هو المتعلق بشأن وضع المدينتين المحتلتين: سبتة ومليلية. أم أن المصالح الاقتصادية أو الجيوسياسية تفرض اليوم بقوة حساباتها الخاصة على الطرفين، من أجل إعادة ترتيب جيوسياسي واسع يحول التحالف المتوسطي نحو محور أطلنطي- أفريقي، يمتد ليشمل المغرب مع موريتانيا ونيجيريا، على المسار الذي تخطط له استراتيجية واشنطن طويلة المدى المتوسطي، حيث لا يمكن إدارة حوض البحر الأبيض المتوسط إلا إذا أمكن تأمين منطقة شمال أفريقيا، التي تجاهلتها قوى جنوب أوروبا منذ فترة طويلة، حسب رؤية أحد المحسوبين على يمين الوسط والمعنيين بمجال السياسة الخارجية الأميركية، المفكر جاكوب جريجيل.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).