Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"إن كان الموت مدعاة للشماتة، فما رأي هؤلاء في موت الرسول نفسه؟"- الصورة تعبيرية
"إن كان الموت مدعاة للشماتة، فما رأي هؤلاء في موت الرسول نفسه؟"- الصورة تعبيرية

د. توفيق حميد

قد لا يدرك البعض أو كثيرون أن عنوان المقالة  هو جزء من آية قرآنية في سورة الأحقاف ونص الآية هو "قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ". 

وما دعاني اليوم لكتابة المقالة بهذا العنوان هو ما يحدث في الآونة الأخيرة من تهجم وإهانات وشماتة  من يدعون بالإسلاميين ومن يدعمونهم في من يختلفون فكرياً معهم. 

وأود في بداية المقالة أن أفرق بين "الإسلاميين" الذين يريدون أن يحكموا الناس بإسم الدين ويفرضوا فكرهم الديني عليهم، وبين "المسلمين" الذين يريدون أن يتعبدوا إلى خالقهم دون أن يفرضوا فكرهم على الآخرين.  

ونعود إلى موضوعنا اليوم لأقول أن الشماتة في إنسان قد مات هي صفة الضباع التي افتقدت كل معاني الإنسانية، وانزلقت إلى درجة من الانحطاط تعجز الكلمات عن وصفها.  

وإن كان الموت مدعاة للشماتة، فما رأي هؤلاء في موت الرسول نفسه؟ فكما قال القرآن له "إنك ميت وإنهم ميتون". فهل موت الرسول مدعاة للشماتة به؟ 

وللأسف فإن حملات الشماتة في الموت على أيدي الإسلاميين طالت كثيرين مثل الإعلامي الرائع والراحل وائل الإبراشي والكاتب والمفكر سيد  القمني والكاتبة نوال السعداوي، وغيرهم ممن لا يرضى عنهم الإسلاميون. 

وللأسف الشديد فقد وصلت الغلظة والقسوة عند الإسلاميين أنهم يهاجمون أبناء أو بنات المتوفى بعد الوفاة مباشرة، وهم لا يزالون يعتصرون في آلامهم كما حدث مع بنت المفكر الراحل سيد القمني. ولا أدري كيف أصف هذه الخسة والنذالة والحقارة، ولكن هذا ما تعودنا عليه من "الإسلاميين" الذين يتسابقون كل يوم في البشاعة والانحطاط والتجرد من كل معاني الإنسانية. 

لقد قال القرآن بوضوح أن النبي نفسه لا يعرف ماذا سيفعل به أو بالآخرين، فهل يعرف هؤلاء الضباع ماذا سيحدث لهم أو لغيرهم من البشر؟ إذا كان الرسول نفسه بنص القرآن لايعرف " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ " فهل هم يعرفون؟ 

لقد جاءوا بفيديوهات مفبركة تظهر ثعابين حول قبر سيد القمني رحمه الله. وقد فعلوا نفس الشيء بقبر أم كلثوم رائدة الغناء العربي. وما أسهل أن يقوم البعض أيضاً بفبركة فيديوا لثعابيين حول قبر الرسول عليه السلام ويحكوا بصوتهم كيف أن الثعابين تهاجمه في قبره - ليردوا عليهم الصاع صاعين حتى لا يكرروا  الكذب والاختلاق. فالأمر لا يحتاج أكثر من برامج خاصة مثل فوتوشوب وغيرها. 

والغريب في الأمر أن الشماتين في الموت يتصرفون من منظور ديني ويتهمون الآخرين بالكفر وكأنهم وضعوا أنفسهم مكان الخالق سبحانه وتعالى وهو وحده صاحب الحق في حساب البشر "إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ" (سورة الغاشية آية 25 و26 ). فمن الذي أعطاهم الحق في أن يحاسبوا هم غيرهم ويحكموا عليهم بدخول الجنة أو النار. 

ولو كان أمر حساب البشر بهذه السهولة، لما قال الله لنبيه " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ " كما جاء عنوان المقالة. 

وعامة فإن تصرفات وشماتة "الإسلاميين" في الموت لا تخدم قضيتهم بل على العكس من ذلك تماماً فهي - أي قسوتهم وغلظتهم - من أسباب إلحاد كثيرين بعد أن رأوا درجة من  القسوة والوحشية غير مسبوقة  تأتي - وللأسف - ممن يتكلمون باسم الدين. 

ولكم كنت أتمنى أن يتم تجريم هذا الأمر والزج بمثل هؤلاء في السجون لسنين عديدة حتى يكفوا عن إهانة غيرهم من البشر والافتراء عليهم.  

وأتقدم بيد مملوءة بالخير والمحبة لكل ضحايا شماتة الإسلاميين وأقول لهم أنه ليس لأحد أن يحكم على بشر آخر. 

وأخيراً أذكر ما كان يقوله المصريون قبل ما يطلق عليه بالـ"الصحوة الإسلامية" أو بمعنى آخر أيام ما كانت ضمائر الناس لم تزل حيّة - وكان هو أن "الميت لا يجوز عليه إلا الرحمة". فأين نحن الآن من أخلاق وقيم ورقي ما قبل "الصحوة الإسلامية"؟. 

وللحديث بقية!  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول
صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول

سناء الحنفي العاجي

تقول الحكاية التي انتشرت في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل: "ﺳﺄﻝ صحافي ذات مرة ﺍﻟﺪالاي لاما: "ﻣﺎﺫﺍ ﺳﺘﻔﻌﻞ ﻟﻮ ﺃﻥ ﺃﺣﺪ الأﺷﺨﺎﺹ ﺃﺧﺬ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳّﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻭﺃﻟﻘﺎﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ؟". ﺃجابه ﺍﻟﺪالاي ﻻﻣﺎ بدون تردد: "ﺳﻴﺪﻱ، ﺇﻥ ﺃﻟﻘﻰ ﺃﺣﺪهم ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻓﺄﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﺳﺄﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ الاتصال ﺑﺴﺒَّﺎﻙ ‏(ﻓﻨﻲ ﺻﺮﻑ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ)".

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻟﺼﺤافي ﻣﻦ ﺿﺤﻜﻪ؛ ﻗﺎﻝ له ﺑﺄﻥ ﻫﺬﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ ﺳﻤﻌﻬﺎ.

وأضاف الدالاي لاما ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻔﺠّﺮ ‏شخص ﻣﺎ تمثالا ﻟﺒﻮﺫﺍ، ﺃﻭ ﻳﺤﺮﻕ معبدا ﺑﻮﺫيا، ﺃﻭ ﻳﻘﺘﻞ ﺭﻫﺒﺎﻧﺎ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺑﻮﺫﻳﻴﻦ ﻭﺑﻮﺫﻳﺎﺕ.. ﻟﻜﻨﻲ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ لمن يرتكب ذلك ﺃﺑﺪﺍ ﺑﺄﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ كديانة عنيفة. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻟﻜﻨﻚ ﺃﺑﺪﺍ ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ولا ﺍﻟﺴﻼﻡ ولا ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ.

"ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ" ﻟﻴﺲ ﻫﻮ "ﺍﻟﺪﻳﻦ"، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺘﻤﺜﺎﻝ، ﻭلا ﺍﻟﻤﻌﺒﺪ. ﻛﻞ هؤلاء ﻫﻢ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ "ﺣﺎﻭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ".

ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻛﺘﺐ ﺃﻛﺜﺮ، ﺑﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﺑﺪ ﺃﻛﺜﺮ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﻤﺮﻳﻦ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺣﻴﻦ ﻧﻔﻘﺪ ﺣﺒﻨﺎ وﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻨﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ولأﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻧﺴﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺳﻴﺬﻫﺐ "ﺍﻟﺪﻳﻦ" ﻛﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ!!".

لا نعرف إذا ما كانت الحكاية صحيحة أم أنها مختلقة. وليس يهم صراحة أن تكون حقيقية فعلا، لأن مغزاها هو الأهم؛ ويمكن تطبيقه على الإسلام واليهودية والمسيحية وكل الديانات والإيديولوجيات والقناعات: هل الأساسي هو "الكتاب" أم ما يحمله من فكر أو روح؟ هل الأساسي هو "المعبد" أم القيم والسلوك والإيمان الروحي التي يفترض أن يتحلى بها المؤمن؟ هل الأساسي هو "رجل الدين" أم قيم وروح الدين؟ 

مناسبة هذا الكلام هو تداعيات وردود الفعل الشعبية والرسمية بعد حادثتي حرق القرآن في كل من السويد وهولندا. 

أن يقوم شخص بحرق القرآن هو بالتأكيد سلوك متطرف، بل وغبي! فهل حرق نسخ من القرآن سيقضي على المسلمين أو سيقضي على قناعاتهم؟ في زمن تطبع فيه المطابع ملايين النسخ سنويا، وتتوفر نسخ على الإنترنت، ما جدوى الحرق سوى الاستفزاز الغبي والعدواني؟

بالتالي، فردود الفعل المتشنجة تغذي تطرف الجهة التي قامت بالحرق وتشبع رغبتها في الاستفزاز. بل أكثر من ذلك، هي تثبت لمن يساندها قليلا أن المسلمين، بالفعل، أشخاص متطرفون وعنيفون في ردود أفعالهم. 

كذلك، متى سنتعلم أن مقدسنا ليس مقدسا عند الآخرين؟ تماما كما قد نستغرب بعض قناعات غيرنا أو حتى نسخر منها، فهناك من لا ينظر للمسجد أو للقرآن بنفس منظار المسلم المتدين. لذلك، فهو لن يستوعب كل ردود الفعل المتشنجة بخصوص حادثتي حرق القرآن. 

كما أن القرآن، ككتاب، هو بالنهاية عنصر مادي. القيمة الفعلية توجد في محتواه وفي روحه وفي القيم التي قد يحملها منه الإنسان المسلم. هذا الحامل المادي قد يتعرض للتلف من طرف المسلمين أنفسهم بسبب حوادث أو بسبب القدم فقط؛ وليس علينا أن نحمل أي تلف طبيعي أو حتى متعمد، تأويلات بعيدة وضخمة.

قيمنا ومقدساتنا قد تكون محط انتقادات من طرف الآخرين. بل ومحط سخرية ومحط أفعال عدوانية من طرف البعض.. وعلينا أن نقبل ذلك لأنه جزء من التعدد الفكري. ما لم تهدد هذه السخرية وهذه الأفعال العدوانية حياة الآخرين وما لم تمس كرامتهم وسلامتهم الجسدية كأفراد، فهي جزء من الحرية التي نطالب بها. كما أن القانون يفترض أن يعاقب كل سلوك يهدد حياة الآخرين وسلامتهم الجسدية. ما دون ذلك، يفترض أن يظل موضوع نقاش وانتقاد هادئ وبدون تشنجات ولا مبالغات.

الحقيقة أنه لا يوجد مسلم واحد سينسى الإسلام بسبب حرق القرآن، كما أن محتوى القرآن كنص لن يضيع بسبب الحرق، لأن النسخ متوفرة بالملايين. في نفس الوقت، فحتى ضمن غير المسلمين، ليس هناك شخص عاقل سيفرح إزاء سلوك غبي وعنصري ومتطرف كهذا الذي قام به من أحرقوا نسخا من القرآن. بالتالي، فكل ردود فعلنا المتشنجة لا تعني أكثر من كوننا مازلنا غارقين في وهم مركزيتنا الكونية.. كما أنها تجعلنا، للأسف، نغذي الخطابات السامة لمتطرفي الطرف الآخر!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).