Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا
انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا

عبد الرحيم التوراني

في نهاية الأسبوع الماضي، تواصلت معي عبر الواتساب السيدة سعاد بومهدي، رفيقة حياة الكاتب المغربي إدريس الخوري. كانت سعاد ترغب في استشارتي بأمر يخص العائلة، ما يعكس مدى الصلة الإنسانية العميقة التي تربطني منذ عقود بإدريس وأسرته. فطلبتُ منها بعض التريث إلى يوم غد، لعلِّي أجد صيغة أقترحها عليها.  

وجاء الغد، لكن أُرْغِمْتُ على تأجيل الاتصال لانشغالات غير منتظرة. وصباح يوم الاثنين 14 فبراير الجاري، فتحتُ تليفوني على مكالمة صوتية مسجلة للسيدة سعاد، تقول فيها بصوت باكٍ: 

- "خوكْ ماتْ يا عبد الرحيم.. خوكْ مْشى عند الله...". 

كان خبرا صادما.. "على الريق". لم أصدق ما سمعته، فاتصلت لأتأكد من الخبر الفاجع. سألت سعاد عن اللحظات الأخيرة لـ"بادريس" قبل مفارقته الحياة، كيف أسلم هذا الكائن الاستثنائي الروح لباريها؟ 

- لكن احكِ لي.. كيف يموت "بّادريس".. وقد مات؟ 

تقول سعاد، إنها كانت إلى جانبه حتى اللحظات الأخيرة، وكانا يتسليان بالحديث في أمور عادية.  

عند حوالي الساعة التاسعة وربع مساء، انطلق صوت الآذان من مسجد قريب، معلنا موعد صلاة العشاء. فنهضت سعاد وسألت إدريس هل تقدم له شوربة حساء الخضار أعدتها من أجله، لكنه لم يرغب فيها.  

ثم استأذنته: 

- سأذهب لأداء الصلاة، وبعدها ما رأيك في أن أناولك كوب "يوغورت"؟ 

ابتسم إدريس ابتسامة غامضة، ووافق بإشارة من رأسه.  

لم تمض دقائق معدودة، عادت بعدها سعاد مسرعة وبيدها "دانون"، لتفاجأ برفيق حياتها وهو مستلقٍ على الأرض، فاغرا فاه، فاتحا عينيه. 

صرخت غير مصدقة. صاحت: 

- إدريس.. إدريس.. أجبني.. هل تسمعني؟! 

اعتقدت الأمر مجرد دوخة أصابته أو ضيقا في التنفس. فلجأت إلى ما تختزنه ذاكرتها حول ما يجب عمله في مثل هذه الحالة الطارئة، محاولة إنعاش قلب ورئتي زوجها، لعل القلب يعود إلى نبضاته. ضغطت وضغطت بقوة كأنها تصارع الموت لتطرده. 

لكن بادريس ساعتها لم يكن فاقدا للوعي، كما ظنت المرأة وتمنت، بل كان قد رحل عن الدنيا وانسلّت روحه من جسده الواهن، هو الذي كان يحب كثيرا الكلام والكتابة عن لغة الجسد، ها هو جسده الآن مسجى يتكلم اللغة السرمدية، لغة الصمت الأبدي، وهي لغة لا تتكلم الموت كما قد يتوهم البعض.  

لقد انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا، حتى من كانت قبل برهة جالسة بجانبه. فجاء احتضاره سريعا وسكرات موته "مريحة". 

علق صديق أن صاحب"مدينة التراب".. "يليق به مثل هذا الموت الهادئ" الذي يتمناه كثيرون حين تصل ساعتهم. مستنكرا "كيف يعيش "بّادريس" حياة صعبة ويتلقى في نهايته موتا صعبا".  

إنه الموت يا صاحب، يفرق بين الأحبة ولا يستجيب لولولة ولوعة ولا لحسرة مفارق. 

هو "الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات"، وقد أقبل بّادريس على "لذات الحياة" القليلة المتاحة أمامه ما استطاع إليها سبيلا، وظل "لصيقا بالحياة وذهب معها إلى مداها الأقصى".

وكان حضوره يزين الجماعات بجلوسه بين الأصدقاء في الفضاءات التي أحب ارتيادها، بمسقط رأسه بالدار البيضاء أو بمدن الرباط والقنيطرة وفاس ومراكش وطنجة، وغيرها من المناطق المغربية التي عشقها، وكان له في كل موطئ أصدقاء كثْر وخلان. 

غضبت من نفسي ولمتها، كيف تراخيت وأرجأت اتصالي ببّادريس.  

حكت لي سعاد أنها أخبرته بمكالمتها معي، وأنه كان بانتظار مهاتفتي. ومما قاله:  "هذا صديق عزيز علي".  

وأنا أيضا أعز إدريس، ومع الأعوام و"الأيام والليالي" صرت أعزه أكثر. وقد عرفت علاقتنا، مدا وجزرا، كما حدث له مع آخرين، ما بين الاقتراب والابتعاد، والخصام والصلح.

وفي الأخير رست صداقتنا على شطها الهادئ، فلا عاصفة ولا أمواج، وقد هدأ بّادريس مع تقدم العمر، فتحول إلى الوداعة واللطف وكرم التسامح بامتياز... أضحى إنسانا حكيما، لانت عريكته، خف مزاجه الحاد والمتقلب وتخلى عن "عدوانيته" وجرأته.

حتى أني قلت مرة في سري وأنا أجالسه برفقة ابنه الشاب يوسف، في مطعم وحانة "لابريس" بالمعاريف، "لا.. يا بّادريس.. مثل هذه اللينة لا تليق بك.. دعك من هذا التأدب، وأنت كنت دائما تمجّه، بل تسخر من أصحابه. دعك من التأنق في الكلمات والعبارات المنتقاة من قاموس الإتيكيت المنذور للبرجوازية والفئات المتمثله بها. وأنت ونحن لسنا منها، ولن نكون." 

لكن بّادريس كان صادقا في أسلوبه وفي مشاعره وكلماته، ولم يكن يمثل. 

في الأيام الأخيرة، فكرت سعاد في تغيير المسكن الذي تقيم به العائلة. قالت لي: "أنت تعرف أن العمارة التي نقطن بها من دون مصعد. وصحة إدريس لم تعد تساعده على الطلوع والهبوط في "الدروج". لذا نفكر في البحث عن سكن سفلي.  

وقد وافق إدريس على اقتراح سعاد، ورد عليها: واعْلاشْ لّا... (لماذا لا). 

ثم أضاف مازحا:  تكلمي عن نفسك فقط، أما أنا فما زلت قادرا على استعمال "الدروج" صعودا وهبوطا مرات في اليوم، من دون أن أشعر بتعب... 

وإدريس من أبناء الطبقات السفلى. سكن دائما في "بيوت واطئة"، سواء في منزل أسرته بحي درب غلف العتيق في الدار البيضاء، أو منزل أخيه الأكبر في حي "قْطع ولد عيشة" المجاور، ثم بالبيت الذي أقام به لسنوات طويلة في زنقة نابولي بحي المحيط الرباطي، لما وصل إلى العاصمة وعمل بصحيفة "العلم"، قبل أن يغير السكن وينتقل إلى شقة بحي حسّان.

وفي الأعوام الأخيرة انتهى به المطاف للإقامة بـ"السكن في الأدوار العليا"، بموطن الموريسكيين، في حي السلام بمدينة سلا المتاخمة.. 

لكن بدل الدار الجديدة اختار القدر أن ينتقل "بّادريس" إلى "الدار الأخرى" الموعودة، لتتوقف دقات قلب خافق، طالما ظل ينبض مشتعلا بحب الحياة، متقدا بالانتماء للهامش وللمهمشين من فئات الشعب المغربي.

لذلك نعاه صديقه الكاتب أحمد بوزفور بالقول إن الخوري "علمنا أن نرتبط ببلدنا وشعبنا وآلام شعبنا ولغاته، وعلمنا كيف نحيا وكيف نضحك وكيف نكتب. لقد كان نسيج وحده كاتبا متفردا لا يضاهى". 

ما أن انتشر نعي إدريس الخوري، حتى غطت صوره وسيرته الصحف والمواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي. تحدث كثيرون عن سيرة "بّادريس" وأدبه وعن شخصيته المتفردة. من بينهم من عرفوه عن قرب، ومنهم من قرأوا له أو سمعوا به فقط.

ومن بينهم أيضا أشخاص عدموا الخلق الإنساني والحضاري، من وجدوها فرصة لتصفية حسابات خاسرة، فجهروا بالحقد وبالسوء شامتين، محاولين عبثا الإساءة إلى ميت لم يعد اليوم بيننا. 

جعلني رحيل صديقي أكتشف كيف كنت أستثني من الموت هذا الكائن المسمى إدريس بن علال الداودي الكص الخوري.  

رجعت بي الذاكرة إلى سنوت وأعوام خلت، نسجنا فيها الكثير من الذكريات. تشهد على بعضها صورنا ورسائلنا المتبادلة.

ومنها  ذكرى مؤرخة قبل عامين، في مارس من 2020، عند اكتساح الجائحة وانتشار فيروس "كوفيد 19"، وفرض الحجر الصحي. فقد خصصت صديقي إدريس برسالة بعثتها إليه من بيروت، حيث كنت أقيم. 

وأمام هذه الموقف الحزين والموجع، أعيد الآن قراءة رسالتي الأخيرة عليك يا بّادريس بصوت مسموع، لعلي أستعيد بعضا من ردة أفعالك الساخرة بلا حدود، وأسمع رنّات ضحكاتك الصاخبة مرة أخرى، الضحكات نفسها التي طالما ملأت بها الأسماع في كل مكان حللت به وزرعت به ضجة الحياة.  

الرسالة: 

"بيروت، 4 مارس 2020، 

صباح الخير بَّادْريسْ... 

بلغني أنك تهدد الفيروس "الحقير" بالقضاء عليه سريعا إذا لم يستجب و"يخوي السّيكتور" le secteur.. فالعالم يحتاج لشرب "كاس نقي"... يؤكد الخلان... 

أتساءل كيف تقضي يومك في الحجر الصحي، وقد خلقت كائنا محبا للفضاءات المليئة بالناس وبالحياة والضحك.. حتى وأنت تحكي للعالم قصصا من معين "حزن في الرأس وفي القلب".. 

وأنت"بالفعل" يا بّادريس كائن فضائي جميل! 

تشتاق الآن إلى فضاء "الشاربان" قبالة كلية الآداب.. إلى "ماكس" في حي "لوسيان".. إلى حانات شارعي علال بنعبد الله وباتريس لومومبا في العاصمة..  

إلى "لابريس" و"مرس السلطان" و"الأطوميك" و"الزيادي" و"الكارتيي لاتان"  Quartier latin في كازا..  

إلى بارات ومقاهي القنيطرة وطنجة وفاس والعرائش ومكناس... 

أعرف أن المرض لم يستطع أن يغلبك وينهيك عن الخروج إلى الأصدقاء، ولا أن يعزلك عن أماكنك المفضلة والمحببة... فما أن تحس بأنك قادرعلى الوقوف حتى تجد نفسك أمام باب الشقة، تنزل خفيفا إلا من محفظتك الجلدية الصغيرة على كتفك، ومن نواياك الجميلة و"تخطيطاتك الحديثة في هندسة الفقر"، على قول صديقنا العزيز الشاعر السي أحمد بنميمون.. 

تركب "الترامواي" لتنزل في محطة الكنيسة، أمام كاتدرائية القديس بطرس بساحة الجولان.. تنادي على تاكسي، تسأله بلطف زائد أن يأخذك إلى "هنريس بار"، كمحطة ترانزيت قبل الإقلاع إلى بلاد "الشاربان" (نادي الكرة الحديدية)، وبعد إقفال "هنريس بار" أصبحت تتوجه مباشرة إلى أدغال "الشاربان"، حيث الهواء الطلق والأشجار والطبيعة المساعدة على الحرية والانطلاق.. و"هاتوا الخوابي.. يا أولاد سيدي موسى.. إن رأسي يريد المعجون..".. كما وثقتها في أول كتاب لك، وقد اقتبستها من صاحبها، صديقنا الشاعر الزجال والممثل حميد الهواضري، وكان الشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي نشرها في الطبعة العربية من "أنفاس" في سنوات الجمر والرصاص.. 

لا أعرف لماذا لم تخرج يا بّادريس على القراء بحكاياتك وسيرتك عن تلك السنوات العصيبة، ألم تكن ثوريا ويساريا من دون بطاقة انتساب، ولم تعر كتفيك لحمل راية أي حزب أو جماعة أو تيار، بل بقيت أنت هو أنت.. المنحاز دائما إلى الفقراء و"الطّابِية" Tapis. 

ربما انغمارك في الكأس والضحك، وجولاتك عبر خرائط الحانات هو من أفلتك من السجن وملاقاة المصير الأسوء، وقد كتبوا في تقاريرهم أنك رجل "نْشَايْطِي زَهْوَانٍي.. يُسرف في الكلام والقهقهات.. وفي شرب "الفيوباب" و"الكابيرني" (من أنواع النبيذ المغربي)... 

أتذكر ما حكيته مرة لمحمد زفزاف ولأحمد الجوماري ولي في المعاريف، عن مشاركتك في فرقة موسيقية وأنت شاب صغير، كنت تعزف على "الدربوكة"، وغنيت عند عودة السلطان محمد الخامس من المنفى أغنية أنت مؤلفها، تقول كلماتها: 

- "يا َرَبِّي حبِّيتيهْ فِ القمر بَيَّنْتِيهْ".. (يا ربي إنك أحببته وفي القمر أظهرته). 

والله أحبَّك يا بَّادريس.. ويُحبُّك دائما.. وأنت الآن في "منفاك الصحي الطوعي". 

ونحن أصدقاؤك أيضا نُحبُّك في الله... 

أتمنى أن تكون بخير، فالفرج قريب... 

سلامي ليوسف ومروان ولسعاد". 

*  

سلاما لروحك صديقي. 

وختاما، ونحن نحيي اليوم الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج، أرى صاحب الـ"خواتم" ينشد على لسان إدريس الخوري: 

"قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت. 

سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا. 

اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري. 

زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل 

نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر 

محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض. 

مَن أُخبر فيلدني ناسياً 

إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟ 

صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي 

صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي...".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).