Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا
انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا

عبد الرحيم التوراني

في نهاية الأسبوع الماضي، تواصلت معي عبر الواتساب السيدة سعاد بومهدي، رفيقة حياة الكاتب المغربي إدريس الخوري. كانت سعاد ترغب في استشارتي بأمر يخص العائلة، ما يعكس مدى الصلة الإنسانية العميقة التي تربطني منذ عقود بإدريس وأسرته. فطلبتُ منها بعض التريث إلى يوم غد، لعلِّي أجد صيغة أقترحها عليها.  

وجاء الغد، لكن أُرْغِمْتُ على تأجيل الاتصال لانشغالات غير منتظرة. وصباح يوم الاثنين 14 فبراير الجاري، فتحتُ تليفوني على مكالمة صوتية مسجلة للسيدة سعاد، تقول فيها بصوت باكٍ: 

- "خوكْ ماتْ يا عبد الرحيم.. خوكْ مْشى عند الله...". 

كان خبرا صادما.. "على الريق". لم أصدق ما سمعته، فاتصلت لأتأكد من الخبر الفاجع. سألت سعاد عن اللحظات الأخيرة لـ"بادريس" قبل مفارقته الحياة، كيف أسلم هذا الكائن الاستثنائي الروح لباريها؟ 

- لكن احكِ لي.. كيف يموت "بّادريس".. وقد مات؟ 

تقول سعاد، إنها كانت إلى جانبه حتى اللحظات الأخيرة، وكانا يتسليان بالحديث في أمور عادية.  

عند حوالي الساعة التاسعة وربع مساء، انطلق صوت الآذان من مسجد قريب، معلنا موعد صلاة العشاء. فنهضت سعاد وسألت إدريس هل تقدم له شوربة حساء الخضار أعدتها من أجله، لكنه لم يرغب فيها.  

ثم استأذنته: 

- سأذهب لأداء الصلاة، وبعدها ما رأيك في أن أناولك كوب "يوغورت"؟ 

ابتسم إدريس ابتسامة غامضة، ووافق بإشارة من رأسه.  

لم تمض دقائق معدودة، عادت بعدها سعاد مسرعة وبيدها "دانون"، لتفاجأ برفيق حياتها وهو مستلقٍ على الأرض، فاغرا فاه، فاتحا عينيه. 

صرخت غير مصدقة. صاحت: 

- إدريس.. إدريس.. أجبني.. هل تسمعني؟! 

اعتقدت الأمر مجرد دوخة أصابته أو ضيقا في التنفس. فلجأت إلى ما تختزنه ذاكرتها حول ما يجب عمله في مثل هذه الحالة الطارئة، محاولة إنعاش قلب ورئتي زوجها، لعل القلب يعود إلى نبضاته. ضغطت وضغطت بقوة كأنها تصارع الموت لتطرده. 

لكن بادريس ساعتها لم يكن فاقدا للوعي، كما ظنت المرأة وتمنت، بل كان قد رحل عن الدنيا وانسلّت روحه من جسده الواهن، هو الذي كان يحب كثيرا الكلام والكتابة عن لغة الجسد، ها هو جسده الآن مسجى يتكلم اللغة السرمدية، لغة الصمت الأبدي، وهي لغة لا تتكلم الموت كما قد يتوهم البعض.  

لقد انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا، حتى من كانت قبل برهة جالسة بجانبه. فجاء احتضاره سريعا وسكرات موته "مريحة". 

علق صديق أن صاحب"مدينة التراب".. "يليق به مثل هذا الموت الهادئ" الذي يتمناه كثيرون حين تصل ساعتهم. مستنكرا "كيف يعيش "بّادريس" حياة صعبة ويتلقى في نهايته موتا صعبا".  

إنه الموت يا صاحب، يفرق بين الأحبة ولا يستجيب لولولة ولوعة ولا لحسرة مفارق. 

هو "الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات"، وقد أقبل بّادريس على "لذات الحياة" القليلة المتاحة أمامه ما استطاع إليها سبيلا، وظل "لصيقا بالحياة وذهب معها إلى مداها الأقصى".

وكان حضوره يزين الجماعات بجلوسه بين الأصدقاء في الفضاءات التي أحب ارتيادها، بمسقط رأسه بالدار البيضاء أو بمدن الرباط والقنيطرة وفاس ومراكش وطنجة، وغيرها من المناطق المغربية التي عشقها، وكان له في كل موطئ أصدقاء كثْر وخلان. 

غضبت من نفسي ولمتها، كيف تراخيت وأرجأت اتصالي ببّادريس.  

حكت لي سعاد أنها أخبرته بمكالمتها معي، وأنه كان بانتظار مهاتفتي. ومما قاله:  "هذا صديق عزيز علي".  

وأنا أيضا أعز إدريس، ومع الأعوام و"الأيام والليالي" صرت أعزه أكثر. وقد عرفت علاقتنا، مدا وجزرا، كما حدث له مع آخرين، ما بين الاقتراب والابتعاد، والخصام والصلح.

وفي الأخير رست صداقتنا على شطها الهادئ، فلا عاصفة ولا أمواج، وقد هدأ بّادريس مع تقدم العمر، فتحول إلى الوداعة واللطف وكرم التسامح بامتياز... أضحى إنسانا حكيما، لانت عريكته، خف مزاجه الحاد والمتقلب وتخلى عن "عدوانيته" وجرأته.

حتى أني قلت مرة في سري وأنا أجالسه برفقة ابنه الشاب يوسف، في مطعم وحانة "لابريس" بالمعاريف، "لا.. يا بّادريس.. مثل هذه اللينة لا تليق بك.. دعك من هذا التأدب، وأنت كنت دائما تمجّه، بل تسخر من أصحابه. دعك من التأنق في الكلمات والعبارات المنتقاة من قاموس الإتيكيت المنذور للبرجوازية والفئات المتمثله بها. وأنت ونحن لسنا منها، ولن نكون." 

لكن بّادريس كان صادقا في أسلوبه وفي مشاعره وكلماته، ولم يكن يمثل. 

في الأيام الأخيرة، فكرت سعاد في تغيير المسكن الذي تقيم به العائلة. قالت لي: "أنت تعرف أن العمارة التي نقطن بها من دون مصعد. وصحة إدريس لم تعد تساعده على الطلوع والهبوط في "الدروج". لذا نفكر في البحث عن سكن سفلي.  

وقد وافق إدريس على اقتراح سعاد، ورد عليها: واعْلاشْ لّا... (لماذا لا). 

ثم أضاف مازحا:  تكلمي عن نفسك فقط، أما أنا فما زلت قادرا على استعمال "الدروج" صعودا وهبوطا مرات في اليوم، من دون أن أشعر بتعب... 

وإدريس من أبناء الطبقات السفلى. سكن دائما في "بيوت واطئة"، سواء في منزل أسرته بحي درب غلف العتيق في الدار البيضاء، أو منزل أخيه الأكبر في حي "قْطع ولد عيشة" المجاور، ثم بالبيت الذي أقام به لسنوات طويلة في زنقة نابولي بحي المحيط الرباطي، لما وصل إلى العاصمة وعمل بصحيفة "العلم"، قبل أن يغير السكن وينتقل إلى شقة بحي حسّان.

وفي الأعوام الأخيرة انتهى به المطاف للإقامة بـ"السكن في الأدوار العليا"، بموطن الموريسكيين، في حي السلام بمدينة سلا المتاخمة.. 

لكن بدل الدار الجديدة اختار القدر أن ينتقل "بّادريس" إلى "الدار الأخرى" الموعودة، لتتوقف دقات قلب خافق، طالما ظل ينبض مشتعلا بحب الحياة، متقدا بالانتماء للهامش وللمهمشين من فئات الشعب المغربي.

لذلك نعاه صديقه الكاتب أحمد بوزفور بالقول إن الخوري "علمنا أن نرتبط ببلدنا وشعبنا وآلام شعبنا ولغاته، وعلمنا كيف نحيا وكيف نضحك وكيف نكتب. لقد كان نسيج وحده كاتبا متفردا لا يضاهى". 

ما أن انتشر نعي إدريس الخوري، حتى غطت صوره وسيرته الصحف والمواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي. تحدث كثيرون عن سيرة "بّادريس" وأدبه وعن شخصيته المتفردة. من بينهم من عرفوه عن قرب، ومنهم من قرأوا له أو سمعوا به فقط.

ومن بينهم أيضا أشخاص عدموا الخلق الإنساني والحضاري، من وجدوها فرصة لتصفية حسابات خاسرة، فجهروا بالحقد وبالسوء شامتين، محاولين عبثا الإساءة إلى ميت لم يعد اليوم بيننا. 

جعلني رحيل صديقي أكتشف كيف كنت أستثني من الموت هذا الكائن المسمى إدريس بن علال الداودي الكص الخوري.  

رجعت بي الذاكرة إلى سنوت وأعوام خلت، نسجنا فيها الكثير من الذكريات. تشهد على بعضها صورنا ورسائلنا المتبادلة.

ومنها  ذكرى مؤرخة قبل عامين، في مارس من 2020، عند اكتساح الجائحة وانتشار فيروس "كوفيد 19"، وفرض الحجر الصحي. فقد خصصت صديقي إدريس برسالة بعثتها إليه من بيروت، حيث كنت أقيم. 

وأمام هذه الموقف الحزين والموجع، أعيد الآن قراءة رسالتي الأخيرة عليك يا بّادريس بصوت مسموع، لعلي أستعيد بعضا من ردة أفعالك الساخرة بلا حدود، وأسمع رنّات ضحكاتك الصاخبة مرة أخرى، الضحكات نفسها التي طالما ملأت بها الأسماع في كل مكان حللت به وزرعت به ضجة الحياة.  

الرسالة: 

"بيروت، 4 مارس 2020، 

صباح الخير بَّادْريسْ... 

بلغني أنك تهدد الفيروس "الحقير" بالقضاء عليه سريعا إذا لم يستجب و"يخوي السّيكتور" le secteur.. فالعالم يحتاج لشرب "كاس نقي"... يؤكد الخلان... 

أتساءل كيف تقضي يومك في الحجر الصحي، وقد خلقت كائنا محبا للفضاءات المليئة بالناس وبالحياة والضحك.. حتى وأنت تحكي للعالم قصصا من معين "حزن في الرأس وفي القلب".. 

وأنت"بالفعل" يا بّادريس كائن فضائي جميل! 

تشتاق الآن إلى فضاء "الشاربان" قبالة كلية الآداب.. إلى "ماكس" في حي "لوسيان".. إلى حانات شارعي علال بنعبد الله وباتريس لومومبا في العاصمة..  

إلى "لابريس" و"مرس السلطان" و"الأطوميك" و"الزيادي" و"الكارتيي لاتان"  Quartier latin في كازا..  

إلى بارات ومقاهي القنيطرة وطنجة وفاس والعرائش ومكناس... 

أعرف أن المرض لم يستطع أن يغلبك وينهيك عن الخروج إلى الأصدقاء، ولا أن يعزلك عن أماكنك المفضلة والمحببة... فما أن تحس بأنك قادرعلى الوقوف حتى تجد نفسك أمام باب الشقة، تنزل خفيفا إلا من محفظتك الجلدية الصغيرة على كتفك، ومن نواياك الجميلة و"تخطيطاتك الحديثة في هندسة الفقر"، على قول صديقنا العزيز الشاعر السي أحمد بنميمون.. 

تركب "الترامواي" لتنزل في محطة الكنيسة، أمام كاتدرائية القديس بطرس بساحة الجولان.. تنادي على تاكسي، تسأله بلطف زائد أن يأخذك إلى "هنريس بار"، كمحطة ترانزيت قبل الإقلاع إلى بلاد "الشاربان" (نادي الكرة الحديدية)، وبعد إقفال "هنريس بار" أصبحت تتوجه مباشرة إلى أدغال "الشاربان"، حيث الهواء الطلق والأشجار والطبيعة المساعدة على الحرية والانطلاق.. و"هاتوا الخوابي.. يا أولاد سيدي موسى.. إن رأسي يريد المعجون..".. كما وثقتها في أول كتاب لك، وقد اقتبستها من صاحبها، صديقنا الشاعر الزجال والممثل حميد الهواضري، وكان الشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي نشرها في الطبعة العربية من "أنفاس" في سنوات الجمر والرصاص.. 

لا أعرف لماذا لم تخرج يا بّادريس على القراء بحكاياتك وسيرتك عن تلك السنوات العصيبة، ألم تكن ثوريا ويساريا من دون بطاقة انتساب، ولم تعر كتفيك لحمل راية أي حزب أو جماعة أو تيار، بل بقيت أنت هو أنت.. المنحاز دائما إلى الفقراء و"الطّابِية" Tapis. 

ربما انغمارك في الكأس والضحك، وجولاتك عبر خرائط الحانات هو من أفلتك من السجن وملاقاة المصير الأسوء، وقد كتبوا في تقاريرهم أنك رجل "نْشَايْطِي زَهْوَانٍي.. يُسرف في الكلام والقهقهات.. وفي شرب "الفيوباب" و"الكابيرني" (من أنواع النبيذ المغربي)... 

أتذكر ما حكيته مرة لمحمد زفزاف ولأحمد الجوماري ولي في المعاريف، عن مشاركتك في فرقة موسيقية وأنت شاب صغير، كنت تعزف على "الدربوكة"، وغنيت عند عودة السلطان محمد الخامس من المنفى أغنية أنت مؤلفها، تقول كلماتها: 

- "يا َرَبِّي حبِّيتيهْ فِ القمر بَيَّنْتِيهْ".. (يا ربي إنك أحببته وفي القمر أظهرته). 

والله أحبَّك يا بَّادريس.. ويُحبُّك دائما.. وأنت الآن في "منفاك الصحي الطوعي". 

ونحن أصدقاؤك أيضا نُحبُّك في الله... 

أتمنى أن تكون بخير، فالفرج قريب... 

سلامي ليوسف ومروان ولسعاد". 

*  

سلاما لروحك صديقي. 

وختاما، ونحن نحيي اليوم الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج، أرى صاحب الـ"خواتم" ينشد على لسان إدريس الخوري: 

"قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت. 

سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا. 

اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري. 

زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل 

نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر 

محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض. 

مَن أُخبر فيلدني ناسياً 

إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟ 

صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي 

صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي...".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).