Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا
انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا

عبد الرحيم التوراني

في نهاية الأسبوع الماضي، تواصلت معي عبر الواتساب السيدة سعاد بومهدي، رفيقة حياة الكاتب المغربي إدريس الخوري. كانت سعاد ترغب في استشارتي بأمر يخص العائلة، ما يعكس مدى الصلة الإنسانية العميقة التي تربطني منذ عقود بإدريس وأسرته. فطلبتُ منها بعض التريث إلى يوم غد، لعلِّي أجد صيغة أقترحها عليها.  

وجاء الغد، لكن أُرْغِمْتُ على تأجيل الاتصال لانشغالات غير منتظرة. وصباح يوم الاثنين 14 فبراير الجاري، فتحتُ تليفوني على مكالمة صوتية مسجلة للسيدة سعاد، تقول فيها بصوت باكٍ: 

- "خوكْ ماتْ يا عبد الرحيم.. خوكْ مْشى عند الله...". 

كان خبرا صادما.. "على الريق". لم أصدق ما سمعته، فاتصلت لأتأكد من الخبر الفاجع. سألت سعاد عن اللحظات الأخيرة لـ"بادريس" قبل مفارقته الحياة، كيف أسلم هذا الكائن الاستثنائي الروح لباريها؟ 

- لكن احكِ لي.. كيف يموت "بّادريس".. وقد مات؟ 

تقول سعاد، إنها كانت إلى جانبه حتى اللحظات الأخيرة، وكانا يتسليان بالحديث في أمور عادية.  

عند حوالي الساعة التاسعة وربع مساء، انطلق صوت الآذان من مسجد قريب، معلنا موعد صلاة العشاء. فنهضت سعاد وسألت إدريس هل تقدم له شوربة حساء الخضار أعدتها من أجله، لكنه لم يرغب فيها.  

ثم استأذنته: 

- سأذهب لأداء الصلاة، وبعدها ما رأيك في أن أناولك كوب "يوغورت"؟ 

ابتسم إدريس ابتسامة غامضة، ووافق بإشارة من رأسه.  

لم تمض دقائق معدودة، عادت بعدها سعاد مسرعة وبيدها "دانون"، لتفاجأ برفيق حياتها وهو مستلقٍ على الأرض، فاغرا فاه، فاتحا عينيه. 

صرخت غير مصدقة. صاحت: 

- إدريس.. إدريس.. أجبني.. هل تسمعني؟! 

اعتقدت الأمر مجرد دوخة أصابته أو ضيقا في التنفس. فلجأت إلى ما تختزنه ذاكرتها حول ما يجب عمله في مثل هذه الحالة الطارئة، محاولة إنعاش قلب ورئتي زوجها، لعل القلب يعود إلى نبضاته. ضغطت وضغطت بقوة كأنها تصارع الموت لتطرده. 

لكن بادريس ساعتها لم يكن فاقدا للوعي، كما ظنت المرأة وتمنت، بل كان قد رحل عن الدنيا وانسلّت روحه من جسده الواهن، هو الذي كان يحب كثيرا الكلام والكتابة عن لغة الجسد، ها هو جسده الآن مسجى يتكلم اللغة السرمدية، لغة الصمت الأبدي، وهي لغة لا تتكلم الموت كما قد يتوهم البعض.  

لقد انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا، حتى من كانت قبل برهة جالسة بجانبه. فجاء احتضاره سريعا وسكرات موته "مريحة". 

علق صديق أن صاحب"مدينة التراب".. "يليق به مثل هذا الموت الهادئ" الذي يتمناه كثيرون حين تصل ساعتهم. مستنكرا "كيف يعيش "بّادريس" حياة صعبة ويتلقى في نهايته موتا صعبا".  

إنه الموت يا صاحب، يفرق بين الأحبة ولا يستجيب لولولة ولوعة ولا لحسرة مفارق. 

هو "الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات"، وقد أقبل بّادريس على "لذات الحياة" القليلة المتاحة أمامه ما استطاع إليها سبيلا، وظل "لصيقا بالحياة وذهب معها إلى مداها الأقصى".

وكان حضوره يزين الجماعات بجلوسه بين الأصدقاء في الفضاءات التي أحب ارتيادها، بمسقط رأسه بالدار البيضاء أو بمدن الرباط والقنيطرة وفاس ومراكش وطنجة، وغيرها من المناطق المغربية التي عشقها، وكان له في كل موطئ أصدقاء كثْر وخلان. 

غضبت من نفسي ولمتها، كيف تراخيت وأرجأت اتصالي ببّادريس.  

حكت لي سعاد أنها أخبرته بمكالمتها معي، وأنه كان بانتظار مهاتفتي. ومما قاله:  "هذا صديق عزيز علي".  

وأنا أيضا أعز إدريس، ومع الأعوام و"الأيام والليالي" صرت أعزه أكثر. وقد عرفت علاقتنا، مدا وجزرا، كما حدث له مع آخرين، ما بين الاقتراب والابتعاد، والخصام والصلح.

وفي الأخير رست صداقتنا على شطها الهادئ، فلا عاصفة ولا أمواج، وقد هدأ بّادريس مع تقدم العمر، فتحول إلى الوداعة واللطف وكرم التسامح بامتياز... أضحى إنسانا حكيما، لانت عريكته، خف مزاجه الحاد والمتقلب وتخلى عن "عدوانيته" وجرأته.

حتى أني قلت مرة في سري وأنا أجالسه برفقة ابنه الشاب يوسف، في مطعم وحانة "لابريس" بالمعاريف، "لا.. يا بّادريس.. مثل هذه اللينة لا تليق بك.. دعك من هذا التأدب، وأنت كنت دائما تمجّه، بل تسخر من أصحابه. دعك من التأنق في الكلمات والعبارات المنتقاة من قاموس الإتيكيت المنذور للبرجوازية والفئات المتمثله بها. وأنت ونحن لسنا منها، ولن نكون." 

لكن بّادريس كان صادقا في أسلوبه وفي مشاعره وكلماته، ولم يكن يمثل. 

في الأيام الأخيرة، فكرت سعاد في تغيير المسكن الذي تقيم به العائلة. قالت لي: "أنت تعرف أن العمارة التي نقطن بها من دون مصعد. وصحة إدريس لم تعد تساعده على الطلوع والهبوط في "الدروج". لذا نفكر في البحث عن سكن سفلي.  

وقد وافق إدريس على اقتراح سعاد، ورد عليها: واعْلاشْ لّا... (لماذا لا). 

ثم أضاف مازحا:  تكلمي عن نفسك فقط، أما أنا فما زلت قادرا على استعمال "الدروج" صعودا وهبوطا مرات في اليوم، من دون أن أشعر بتعب... 

وإدريس من أبناء الطبقات السفلى. سكن دائما في "بيوت واطئة"، سواء في منزل أسرته بحي درب غلف العتيق في الدار البيضاء، أو منزل أخيه الأكبر في حي "قْطع ولد عيشة" المجاور، ثم بالبيت الذي أقام به لسنوات طويلة في زنقة نابولي بحي المحيط الرباطي، لما وصل إلى العاصمة وعمل بصحيفة "العلم"، قبل أن يغير السكن وينتقل إلى شقة بحي حسّان.

وفي الأعوام الأخيرة انتهى به المطاف للإقامة بـ"السكن في الأدوار العليا"، بموطن الموريسكيين، في حي السلام بمدينة سلا المتاخمة.. 

لكن بدل الدار الجديدة اختار القدر أن ينتقل "بّادريس" إلى "الدار الأخرى" الموعودة، لتتوقف دقات قلب خافق، طالما ظل ينبض مشتعلا بحب الحياة، متقدا بالانتماء للهامش وللمهمشين من فئات الشعب المغربي.

لذلك نعاه صديقه الكاتب أحمد بوزفور بالقول إن الخوري "علمنا أن نرتبط ببلدنا وشعبنا وآلام شعبنا ولغاته، وعلمنا كيف نحيا وكيف نضحك وكيف نكتب. لقد كان نسيج وحده كاتبا متفردا لا يضاهى". 

ما أن انتشر نعي إدريس الخوري، حتى غطت صوره وسيرته الصحف والمواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي. تحدث كثيرون عن سيرة "بّادريس" وأدبه وعن شخصيته المتفردة. من بينهم من عرفوه عن قرب، ومنهم من قرأوا له أو سمعوا به فقط.

ومن بينهم أيضا أشخاص عدموا الخلق الإنساني والحضاري، من وجدوها فرصة لتصفية حسابات خاسرة، فجهروا بالحقد وبالسوء شامتين، محاولين عبثا الإساءة إلى ميت لم يعد اليوم بيننا. 

جعلني رحيل صديقي أكتشف كيف كنت أستثني من الموت هذا الكائن المسمى إدريس بن علال الداودي الكص الخوري.  

رجعت بي الذاكرة إلى سنوت وأعوام خلت، نسجنا فيها الكثير من الذكريات. تشهد على بعضها صورنا ورسائلنا المتبادلة.

ومنها  ذكرى مؤرخة قبل عامين، في مارس من 2020، عند اكتساح الجائحة وانتشار فيروس "كوفيد 19"، وفرض الحجر الصحي. فقد خصصت صديقي إدريس برسالة بعثتها إليه من بيروت، حيث كنت أقيم. 

وأمام هذه الموقف الحزين والموجع، أعيد الآن قراءة رسالتي الأخيرة عليك يا بّادريس بصوت مسموع، لعلي أستعيد بعضا من ردة أفعالك الساخرة بلا حدود، وأسمع رنّات ضحكاتك الصاخبة مرة أخرى، الضحكات نفسها التي طالما ملأت بها الأسماع في كل مكان حللت به وزرعت به ضجة الحياة.  

الرسالة: 

"بيروت، 4 مارس 2020، 

صباح الخير بَّادْريسْ... 

بلغني أنك تهدد الفيروس "الحقير" بالقضاء عليه سريعا إذا لم يستجب و"يخوي السّيكتور" le secteur.. فالعالم يحتاج لشرب "كاس نقي"... يؤكد الخلان... 

أتساءل كيف تقضي يومك في الحجر الصحي، وقد خلقت كائنا محبا للفضاءات المليئة بالناس وبالحياة والضحك.. حتى وأنت تحكي للعالم قصصا من معين "حزن في الرأس وفي القلب".. 

وأنت"بالفعل" يا بّادريس كائن فضائي جميل! 

تشتاق الآن إلى فضاء "الشاربان" قبالة كلية الآداب.. إلى "ماكس" في حي "لوسيان".. إلى حانات شارعي علال بنعبد الله وباتريس لومومبا في العاصمة..  

إلى "لابريس" و"مرس السلطان" و"الأطوميك" و"الزيادي" و"الكارتيي لاتان"  Quartier latin في كازا..  

إلى بارات ومقاهي القنيطرة وطنجة وفاس والعرائش ومكناس... 

أعرف أن المرض لم يستطع أن يغلبك وينهيك عن الخروج إلى الأصدقاء، ولا أن يعزلك عن أماكنك المفضلة والمحببة... فما أن تحس بأنك قادرعلى الوقوف حتى تجد نفسك أمام باب الشقة، تنزل خفيفا إلا من محفظتك الجلدية الصغيرة على كتفك، ومن نواياك الجميلة و"تخطيطاتك الحديثة في هندسة الفقر"، على قول صديقنا العزيز الشاعر السي أحمد بنميمون.. 

تركب "الترامواي" لتنزل في محطة الكنيسة، أمام كاتدرائية القديس بطرس بساحة الجولان.. تنادي على تاكسي، تسأله بلطف زائد أن يأخذك إلى "هنريس بار"، كمحطة ترانزيت قبل الإقلاع إلى بلاد "الشاربان" (نادي الكرة الحديدية)، وبعد إقفال "هنريس بار" أصبحت تتوجه مباشرة إلى أدغال "الشاربان"، حيث الهواء الطلق والأشجار والطبيعة المساعدة على الحرية والانطلاق.. و"هاتوا الخوابي.. يا أولاد سيدي موسى.. إن رأسي يريد المعجون..".. كما وثقتها في أول كتاب لك، وقد اقتبستها من صاحبها، صديقنا الشاعر الزجال والممثل حميد الهواضري، وكان الشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي نشرها في الطبعة العربية من "أنفاس" في سنوات الجمر والرصاص.. 

لا أعرف لماذا لم تخرج يا بّادريس على القراء بحكاياتك وسيرتك عن تلك السنوات العصيبة، ألم تكن ثوريا ويساريا من دون بطاقة انتساب، ولم تعر كتفيك لحمل راية أي حزب أو جماعة أو تيار، بل بقيت أنت هو أنت.. المنحاز دائما إلى الفقراء و"الطّابِية" Tapis. 

ربما انغمارك في الكأس والضحك، وجولاتك عبر خرائط الحانات هو من أفلتك من السجن وملاقاة المصير الأسوء، وقد كتبوا في تقاريرهم أنك رجل "نْشَايْطِي زَهْوَانٍي.. يُسرف في الكلام والقهقهات.. وفي شرب "الفيوباب" و"الكابيرني" (من أنواع النبيذ المغربي)... 

أتذكر ما حكيته مرة لمحمد زفزاف ولأحمد الجوماري ولي في المعاريف، عن مشاركتك في فرقة موسيقية وأنت شاب صغير، كنت تعزف على "الدربوكة"، وغنيت عند عودة السلطان محمد الخامس من المنفى أغنية أنت مؤلفها، تقول كلماتها: 

- "يا َرَبِّي حبِّيتيهْ فِ القمر بَيَّنْتِيهْ".. (يا ربي إنك أحببته وفي القمر أظهرته). 

والله أحبَّك يا بَّادريس.. ويُحبُّك دائما.. وأنت الآن في "منفاك الصحي الطوعي". 

ونحن أصدقاؤك أيضا نُحبُّك في الله... 

أتمنى أن تكون بخير، فالفرج قريب... 

سلامي ليوسف ومروان ولسعاد". 

*  

سلاما لروحك صديقي. 

وختاما، ونحن نحيي اليوم الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج، أرى صاحب الـ"خواتم" ينشد على لسان إدريس الخوري: 

"قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت. 

سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا. 

اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري. 

زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل 

نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر 

محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض. 

مَن أُخبر فيلدني ناسياً 

إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟ 

صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي 

صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي...".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول
صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول

سناء الحنفي العاجي

تقول الحكاية التي انتشرت في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل: "ﺳﺄﻝ صحافي ذات مرة ﺍﻟﺪالاي لاما: "ﻣﺎﺫﺍ ﺳﺘﻔﻌﻞ ﻟﻮ ﺃﻥ ﺃﺣﺪ الأﺷﺨﺎﺹ ﺃﺧﺬ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳّﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻭﺃﻟﻘﺎﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ؟". ﺃجابه ﺍﻟﺪالاي ﻻﻣﺎ بدون تردد: "ﺳﻴﺪﻱ، ﺇﻥ ﺃﻟﻘﻰ ﺃﺣﺪهم ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻓﺄﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﺳﺄﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ الاتصال ﺑﺴﺒَّﺎﻙ ‏(ﻓﻨﻲ ﺻﺮﻑ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ)".

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻟﺼﺤافي ﻣﻦ ﺿﺤﻜﻪ؛ ﻗﺎﻝ له ﺑﺄﻥ ﻫﺬﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ ﺳﻤﻌﻬﺎ.

وأضاف الدالاي لاما ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻔﺠّﺮ ‏شخص ﻣﺎ تمثالا ﻟﺒﻮﺫﺍ، ﺃﻭ ﻳﺤﺮﻕ معبدا ﺑﻮﺫيا، ﺃﻭ ﻳﻘﺘﻞ ﺭﻫﺒﺎﻧﺎ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺑﻮﺫﻳﻴﻦ ﻭﺑﻮﺫﻳﺎﺕ.. ﻟﻜﻨﻲ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ لمن يرتكب ذلك ﺃﺑﺪﺍ ﺑﺄﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ كديانة عنيفة. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻟﻜﻨﻚ ﺃﺑﺪﺍ ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ولا ﺍﻟﺴﻼﻡ ولا ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ.

"ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ" ﻟﻴﺲ ﻫﻮ "ﺍﻟﺪﻳﻦ"، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺘﻤﺜﺎﻝ، ﻭلا ﺍﻟﻤﻌﺒﺪ. ﻛﻞ هؤلاء ﻫﻢ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ "ﺣﺎﻭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ".

ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻛﺘﺐ ﺃﻛﺜﺮ، ﺑﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﺑﺪ ﺃﻛﺜﺮ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﻤﺮﻳﻦ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺣﻴﻦ ﻧﻔﻘﺪ ﺣﺒﻨﺎ وﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻨﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ولأﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻧﺴﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺳﻴﺬﻫﺐ "ﺍﻟﺪﻳﻦ" ﻛﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ!!".

لا نعرف إذا ما كانت الحكاية صحيحة أم أنها مختلقة. وليس يهم صراحة أن تكون حقيقية فعلا، لأن مغزاها هو الأهم؛ ويمكن تطبيقه على الإسلام واليهودية والمسيحية وكل الديانات والإيديولوجيات والقناعات: هل الأساسي هو "الكتاب" أم ما يحمله من فكر أو روح؟ هل الأساسي هو "المعبد" أم القيم والسلوك والإيمان الروحي التي يفترض أن يتحلى بها المؤمن؟ هل الأساسي هو "رجل الدين" أم قيم وروح الدين؟ 

مناسبة هذا الكلام هو تداعيات وردود الفعل الشعبية والرسمية بعد حادثتي حرق القرآن في كل من السويد وهولندا. 

أن يقوم شخص بحرق القرآن هو بالتأكيد سلوك متطرف، بل وغبي! فهل حرق نسخ من القرآن سيقضي على المسلمين أو سيقضي على قناعاتهم؟ في زمن تطبع فيه المطابع ملايين النسخ سنويا، وتتوفر نسخ على الإنترنت، ما جدوى الحرق سوى الاستفزاز الغبي والعدواني؟

بالتالي، فردود الفعل المتشنجة تغذي تطرف الجهة التي قامت بالحرق وتشبع رغبتها في الاستفزاز. بل أكثر من ذلك، هي تثبت لمن يساندها قليلا أن المسلمين، بالفعل، أشخاص متطرفون وعنيفون في ردود أفعالهم. 

كذلك، متى سنتعلم أن مقدسنا ليس مقدسا عند الآخرين؟ تماما كما قد نستغرب بعض قناعات غيرنا أو حتى نسخر منها، فهناك من لا ينظر للمسجد أو للقرآن بنفس منظار المسلم المتدين. لذلك، فهو لن يستوعب كل ردود الفعل المتشنجة بخصوص حادثتي حرق القرآن. 

كما أن القرآن، ككتاب، هو بالنهاية عنصر مادي. القيمة الفعلية توجد في محتواه وفي روحه وفي القيم التي قد يحملها منه الإنسان المسلم. هذا الحامل المادي قد يتعرض للتلف من طرف المسلمين أنفسهم بسبب حوادث أو بسبب القدم فقط؛ وليس علينا أن نحمل أي تلف طبيعي أو حتى متعمد، تأويلات بعيدة وضخمة.

قيمنا ومقدساتنا قد تكون محط انتقادات من طرف الآخرين. بل ومحط سخرية ومحط أفعال عدوانية من طرف البعض.. وعلينا أن نقبل ذلك لأنه جزء من التعدد الفكري. ما لم تهدد هذه السخرية وهذه الأفعال العدوانية حياة الآخرين وما لم تمس كرامتهم وسلامتهم الجسدية كأفراد، فهي جزء من الحرية التي نطالب بها. كما أن القانون يفترض أن يعاقب كل سلوك يهدد حياة الآخرين وسلامتهم الجسدية. ما دون ذلك، يفترض أن يظل موضوع نقاش وانتقاد هادئ وبدون تشنجات ولا مبالغات.

الحقيقة أنه لا يوجد مسلم واحد سينسى الإسلام بسبب حرق القرآن، كما أن محتوى القرآن كنص لن يضيع بسبب الحرق، لأن النسخ متوفرة بالملايين. في نفس الوقت، فحتى ضمن غير المسلمين، ليس هناك شخص عاقل سيفرح إزاء سلوك غبي وعنصري ومتطرف كهذا الذي قام به من أحرقوا نسخا من القرآن. بالتالي، فكل ردود فعلنا المتشنجة لا تعني أكثر من كوننا مازلنا غارقين في وهم مركزيتنا الكونية.. كما أنها تجعلنا، للأسف، نغذي الخطابات السامة لمتطرفي الطرف الآخر!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).