Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا
انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا

عبد الرحيم التوراني

في نهاية الأسبوع الماضي، تواصلت معي عبر الواتساب السيدة سعاد بومهدي، رفيقة حياة الكاتب المغربي إدريس الخوري. كانت سعاد ترغب في استشارتي بأمر يخص العائلة، ما يعكس مدى الصلة الإنسانية العميقة التي تربطني منذ عقود بإدريس وأسرته. فطلبتُ منها بعض التريث إلى يوم غد، لعلِّي أجد صيغة أقترحها عليها.  

وجاء الغد، لكن أُرْغِمْتُ على تأجيل الاتصال لانشغالات غير منتظرة. وصباح يوم الاثنين 14 فبراير الجاري، فتحتُ تليفوني على مكالمة صوتية مسجلة للسيدة سعاد، تقول فيها بصوت باكٍ: 

- "خوكْ ماتْ يا عبد الرحيم.. خوكْ مْشى عند الله...". 

كان خبرا صادما.. "على الريق". لم أصدق ما سمعته، فاتصلت لأتأكد من الخبر الفاجع. سألت سعاد عن اللحظات الأخيرة لـ"بادريس" قبل مفارقته الحياة، كيف أسلم هذا الكائن الاستثنائي الروح لباريها؟ 

- لكن احكِ لي.. كيف يموت "بّادريس".. وقد مات؟ 

تقول سعاد، إنها كانت إلى جانبه حتى اللحظات الأخيرة، وكانا يتسليان بالحديث في أمور عادية.  

عند حوالي الساعة التاسعة وربع مساء، انطلق صوت الآذان من مسجد قريب، معلنا موعد صلاة العشاء. فنهضت سعاد وسألت إدريس هل تقدم له شوربة حساء الخضار أعدتها من أجله، لكنه لم يرغب فيها.  

ثم استأذنته: 

- سأذهب لأداء الصلاة، وبعدها ما رأيك في أن أناولك كوب "يوغورت"؟ 

ابتسم إدريس ابتسامة غامضة، ووافق بإشارة من رأسه.  

لم تمض دقائق معدودة، عادت بعدها سعاد مسرعة وبيدها "دانون"، لتفاجأ برفيق حياتها وهو مستلقٍ على الأرض، فاغرا فاه، فاتحا عينيه. 

صرخت غير مصدقة. صاحت: 

- إدريس.. إدريس.. أجبني.. هل تسمعني؟! 

اعتقدت الأمر مجرد دوخة أصابته أو ضيقا في التنفس. فلجأت إلى ما تختزنه ذاكرتها حول ما يجب عمله في مثل هذه الحالة الطارئة، محاولة إنعاش قلب ورئتي زوجها، لعل القلب يعود إلى نبضاته. ضغطت وضغطت بقوة كأنها تصارع الموت لتطرده. 

لكن بادريس ساعتها لم يكن فاقدا للوعي، كما ظنت المرأة وتمنت، بل كان قد رحل عن الدنيا وانسلّت روحه من جسده الواهن، هو الذي كان يحب كثيرا الكلام والكتابة عن لغة الجسد، ها هو جسده الآن مسجى يتكلم اللغة السرمدية، لغة الصمت الأبدي، وهي لغة لا تتكلم الموت كما قد يتوهم البعض.  

لقد انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا، حتى من كانت قبل برهة جالسة بجانبه. فجاء احتضاره سريعا وسكرات موته "مريحة". 

علق صديق أن صاحب"مدينة التراب".. "يليق به مثل هذا الموت الهادئ" الذي يتمناه كثيرون حين تصل ساعتهم. مستنكرا "كيف يعيش "بّادريس" حياة صعبة ويتلقى في نهايته موتا صعبا".  

إنه الموت يا صاحب، يفرق بين الأحبة ولا يستجيب لولولة ولوعة ولا لحسرة مفارق. 

هو "الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات"، وقد أقبل بّادريس على "لذات الحياة" القليلة المتاحة أمامه ما استطاع إليها سبيلا، وظل "لصيقا بالحياة وذهب معها إلى مداها الأقصى".

وكان حضوره يزين الجماعات بجلوسه بين الأصدقاء في الفضاءات التي أحب ارتيادها، بمسقط رأسه بالدار البيضاء أو بمدن الرباط والقنيطرة وفاس ومراكش وطنجة، وغيرها من المناطق المغربية التي عشقها، وكان له في كل موطئ أصدقاء كثْر وخلان. 

غضبت من نفسي ولمتها، كيف تراخيت وأرجأت اتصالي ببّادريس.  

حكت لي سعاد أنها أخبرته بمكالمتها معي، وأنه كان بانتظار مهاتفتي. ومما قاله:  "هذا صديق عزيز علي".  

وأنا أيضا أعز إدريس، ومع الأعوام و"الأيام والليالي" صرت أعزه أكثر. وقد عرفت علاقتنا، مدا وجزرا، كما حدث له مع آخرين، ما بين الاقتراب والابتعاد، والخصام والصلح.

وفي الأخير رست صداقتنا على شطها الهادئ، فلا عاصفة ولا أمواج، وقد هدأ بّادريس مع تقدم العمر، فتحول إلى الوداعة واللطف وكرم التسامح بامتياز... أضحى إنسانا حكيما، لانت عريكته، خف مزاجه الحاد والمتقلب وتخلى عن "عدوانيته" وجرأته.

حتى أني قلت مرة في سري وأنا أجالسه برفقة ابنه الشاب يوسف، في مطعم وحانة "لابريس" بالمعاريف، "لا.. يا بّادريس.. مثل هذه اللينة لا تليق بك.. دعك من هذا التأدب، وأنت كنت دائما تمجّه، بل تسخر من أصحابه. دعك من التأنق في الكلمات والعبارات المنتقاة من قاموس الإتيكيت المنذور للبرجوازية والفئات المتمثله بها. وأنت ونحن لسنا منها، ولن نكون." 

لكن بّادريس كان صادقا في أسلوبه وفي مشاعره وكلماته، ولم يكن يمثل. 

في الأيام الأخيرة، فكرت سعاد في تغيير المسكن الذي تقيم به العائلة. قالت لي: "أنت تعرف أن العمارة التي نقطن بها من دون مصعد. وصحة إدريس لم تعد تساعده على الطلوع والهبوط في "الدروج". لذا نفكر في البحث عن سكن سفلي.  

وقد وافق إدريس على اقتراح سعاد، ورد عليها: واعْلاشْ لّا... (لماذا لا). 

ثم أضاف مازحا:  تكلمي عن نفسك فقط، أما أنا فما زلت قادرا على استعمال "الدروج" صعودا وهبوطا مرات في اليوم، من دون أن أشعر بتعب... 

وإدريس من أبناء الطبقات السفلى. سكن دائما في "بيوت واطئة"، سواء في منزل أسرته بحي درب غلف العتيق في الدار البيضاء، أو منزل أخيه الأكبر في حي "قْطع ولد عيشة" المجاور، ثم بالبيت الذي أقام به لسنوات طويلة في زنقة نابولي بحي المحيط الرباطي، لما وصل إلى العاصمة وعمل بصحيفة "العلم"، قبل أن يغير السكن وينتقل إلى شقة بحي حسّان.

وفي الأعوام الأخيرة انتهى به المطاف للإقامة بـ"السكن في الأدوار العليا"، بموطن الموريسكيين، في حي السلام بمدينة سلا المتاخمة.. 

لكن بدل الدار الجديدة اختار القدر أن ينتقل "بّادريس" إلى "الدار الأخرى" الموعودة، لتتوقف دقات قلب خافق، طالما ظل ينبض مشتعلا بحب الحياة، متقدا بالانتماء للهامش وللمهمشين من فئات الشعب المغربي.

لذلك نعاه صديقه الكاتب أحمد بوزفور بالقول إن الخوري "علمنا أن نرتبط ببلدنا وشعبنا وآلام شعبنا ولغاته، وعلمنا كيف نحيا وكيف نضحك وكيف نكتب. لقد كان نسيج وحده كاتبا متفردا لا يضاهى". 

ما أن انتشر نعي إدريس الخوري، حتى غطت صوره وسيرته الصحف والمواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي. تحدث كثيرون عن سيرة "بّادريس" وأدبه وعن شخصيته المتفردة. من بينهم من عرفوه عن قرب، ومنهم من قرأوا له أو سمعوا به فقط.

ومن بينهم أيضا أشخاص عدموا الخلق الإنساني والحضاري، من وجدوها فرصة لتصفية حسابات خاسرة، فجهروا بالحقد وبالسوء شامتين، محاولين عبثا الإساءة إلى ميت لم يعد اليوم بيننا. 

جعلني رحيل صديقي أكتشف كيف كنت أستثني من الموت هذا الكائن المسمى إدريس بن علال الداودي الكص الخوري.  

رجعت بي الذاكرة إلى سنوت وأعوام خلت، نسجنا فيها الكثير من الذكريات. تشهد على بعضها صورنا ورسائلنا المتبادلة.

ومنها  ذكرى مؤرخة قبل عامين، في مارس من 2020، عند اكتساح الجائحة وانتشار فيروس "كوفيد 19"، وفرض الحجر الصحي. فقد خصصت صديقي إدريس برسالة بعثتها إليه من بيروت، حيث كنت أقيم. 

وأمام هذه الموقف الحزين والموجع، أعيد الآن قراءة رسالتي الأخيرة عليك يا بّادريس بصوت مسموع، لعلي أستعيد بعضا من ردة أفعالك الساخرة بلا حدود، وأسمع رنّات ضحكاتك الصاخبة مرة أخرى، الضحكات نفسها التي طالما ملأت بها الأسماع في كل مكان حللت به وزرعت به ضجة الحياة.  

الرسالة: 

"بيروت، 4 مارس 2020، 

صباح الخير بَّادْريسْ... 

بلغني أنك تهدد الفيروس "الحقير" بالقضاء عليه سريعا إذا لم يستجب و"يخوي السّيكتور" le secteur.. فالعالم يحتاج لشرب "كاس نقي"... يؤكد الخلان... 

أتساءل كيف تقضي يومك في الحجر الصحي، وقد خلقت كائنا محبا للفضاءات المليئة بالناس وبالحياة والضحك.. حتى وأنت تحكي للعالم قصصا من معين "حزن في الرأس وفي القلب".. 

وأنت"بالفعل" يا بّادريس كائن فضائي جميل! 

تشتاق الآن إلى فضاء "الشاربان" قبالة كلية الآداب.. إلى "ماكس" في حي "لوسيان".. إلى حانات شارعي علال بنعبد الله وباتريس لومومبا في العاصمة..  

إلى "لابريس" و"مرس السلطان" و"الأطوميك" و"الزيادي" و"الكارتيي لاتان"  Quartier latin في كازا..  

إلى بارات ومقاهي القنيطرة وطنجة وفاس والعرائش ومكناس... 

أعرف أن المرض لم يستطع أن يغلبك وينهيك عن الخروج إلى الأصدقاء، ولا أن يعزلك عن أماكنك المفضلة والمحببة... فما أن تحس بأنك قادرعلى الوقوف حتى تجد نفسك أمام باب الشقة، تنزل خفيفا إلا من محفظتك الجلدية الصغيرة على كتفك، ومن نواياك الجميلة و"تخطيطاتك الحديثة في هندسة الفقر"، على قول صديقنا العزيز الشاعر السي أحمد بنميمون.. 

تركب "الترامواي" لتنزل في محطة الكنيسة، أمام كاتدرائية القديس بطرس بساحة الجولان.. تنادي على تاكسي، تسأله بلطف زائد أن يأخذك إلى "هنريس بار"، كمحطة ترانزيت قبل الإقلاع إلى بلاد "الشاربان" (نادي الكرة الحديدية)، وبعد إقفال "هنريس بار" أصبحت تتوجه مباشرة إلى أدغال "الشاربان"، حيث الهواء الطلق والأشجار والطبيعة المساعدة على الحرية والانطلاق.. و"هاتوا الخوابي.. يا أولاد سيدي موسى.. إن رأسي يريد المعجون..".. كما وثقتها في أول كتاب لك، وقد اقتبستها من صاحبها، صديقنا الشاعر الزجال والممثل حميد الهواضري، وكان الشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي نشرها في الطبعة العربية من "أنفاس" في سنوات الجمر والرصاص.. 

لا أعرف لماذا لم تخرج يا بّادريس على القراء بحكاياتك وسيرتك عن تلك السنوات العصيبة، ألم تكن ثوريا ويساريا من دون بطاقة انتساب، ولم تعر كتفيك لحمل راية أي حزب أو جماعة أو تيار، بل بقيت أنت هو أنت.. المنحاز دائما إلى الفقراء و"الطّابِية" Tapis. 

ربما انغمارك في الكأس والضحك، وجولاتك عبر خرائط الحانات هو من أفلتك من السجن وملاقاة المصير الأسوء، وقد كتبوا في تقاريرهم أنك رجل "نْشَايْطِي زَهْوَانٍي.. يُسرف في الكلام والقهقهات.. وفي شرب "الفيوباب" و"الكابيرني" (من أنواع النبيذ المغربي)... 

أتذكر ما حكيته مرة لمحمد زفزاف ولأحمد الجوماري ولي في المعاريف، عن مشاركتك في فرقة موسيقية وأنت شاب صغير، كنت تعزف على "الدربوكة"، وغنيت عند عودة السلطان محمد الخامس من المنفى أغنية أنت مؤلفها، تقول كلماتها: 

- "يا َرَبِّي حبِّيتيهْ فِ القمر بَيَّنْتِيهْ".. (يا ربي إنك أحببته وفي القمر أظهرته). 

والله أحبَّك يا بَّادريس.. ويُحبُّك دائما.. وأنت الآن في "منفاك الصحي الطوعي". 

ونحن أصدقاؤك أيضا نُحبُّك في الله... 

أتمنى أن تكون بخير، فالفرج قريب... 

سلامي ليوسف ومروان ولسعاد". 

*  

سلاما لروحك صديقي. 

وختاما، ونحن نحيي اليوم الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج، أرى صاحب الـ"خواتم" ينشد على لسان إدريس الخوري: 

"قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت. 

سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا. 

اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري. 

زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل 

نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر 

محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض. 

مَن أُخبر فيلدني ناسياً 

إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟ 

صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي 

صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي...".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).