Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"كثيرا ما ترتفع حدة التعارض لتصبح صراع أضداد"
"كثيرا ما ترتفع حدة التعارض لتصبح صراع أضداد"

محمد المحمود

مسار التحضّر أو التغريب صَعبٌ ومُرْبِك ومُحْرِج وطويل، خاصة في المراكز الثقافية التاريخية لحضارة أو ثقافة الشرق.

في هذه المراكز الثقافية التي تكون فيها درجة الفاعلية الثقافية عالية، بقدر ما هي راسخة ومتجذرة، يكون التغريب أكثر من رحلة تثقيف، بانزياحه إلى حالة صراع،

قد تأخذ شكل "حرب" واسعة النطاق، تتجاوز حدود المجال  الثقافي إلى الاشتباك مع مسارات السياسة والاقتصاد، حيث للثقافات المحلية التقليدية في عالم الشرق "سدنتها" المنتفعون منها بشكل مباشر، كما يذود عنها "منتهزو توظيفها" المنتفعون منها بشكل غير مباشر. وكلا الطرفين: المنتفعون والانتهازيون، ترسّخت مصالحهم معها وتشعّبت على مدى زمني طويل.   

بل ليس الصراع هنا صراعا واعيا على المصالح المادية فحسب، إنه أيضا صراع "ما وراء مادي" صراع "هُوّياتي"، ينتج عن اختلاف ثقافي كبير، اختلاف يجعل نظامَ الوعي مُخْتلفًا إلى درجة التعارض التام بين طرفي الصراع.

وكثيرا ما ترتفع حدة التعارض لتصبح صراع أضداد، خاصة في بعض المحاور المفصلية المتعلقة بتنظيم وإدارة السلوك الإنساني على مستوى التعاطي مع مكونات الذات الداخلية، وعلى مستوى رؤية الآخر والتعاطي معه.

يقول جوستاف لوبون: "والاختلاف بين مشاعرنا واحتياجاتنا ومشاعر الشرقيين واحتياجاتهم عظيم إلى الغاية، فلذا يتعذر تذليله فجأة". (روح السياسية، جوستاف لوبون، ص154).  

هل يمكن أن يلتقي الشرقُ والغربُ (أقصد: العالم الثقافي للشرق مع العالم الثقافي للغرب) في منطقة وسط؟ لوبون يُجيب بالنفي كما رأينا، وكذلك روديارد كيبلنغ، الذي قال عبارته الشهيرة: "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا إلى حين تَمثُل الأرض والسماء أمام عرش الرب يوم الحساب العظيم". بينما جوته يقول: "من يعرف نفسه ويعرف الآخر فسوف يعترف أيضا بأن الشرق والغرب لا ينفصلان". (التنوير الآتي من الشرق، جي. جي. كلارك، ص13).

يمكن اعتبار رأي جوته من قبيل الانشداد إلى خيال رومانسي مُتَماهٍ مع الشرق، خيال حالم كان موضة ذلك العصر المأزوم، بل وامتدت بعض مساربه إلى يومنا هذا.

فالشرق يبقى في خيال بعض الغربيين مُسْتراحَا معنويا للاستجمام من تخمة الحضارة، رحلة خاطفة عابرة مُخَدّرة تنقلهم من عالم العقل والتيقّظ والإبداع والتنظيم والبناء والتقدم اللاهث إلى عالم الفوضى والعبثية والخَدَر اللاّمبالي، إنه كَسْرٌ لرتابة المَلل في حياة القصور هروبا إلى حديقةٍ خلفية يستطيع بها الغربي أن يُخْرج ذلك الإنسان البدائي من داخله ولو لبضعة أيام.

أحيانا قد يأخذ مديحُ الغربي للشرق أو لثقافة الشرق شكلَ غضبٍ على الذات أو على حضارة الغرب، جرّاء الضيق بها أو التوتر من بعض مساراتها الآثمة أو التي يظنها آثمة. وهذا كثير.

وعلى مثله نَحْمل مديحَ الصين الذي نفث به الفيلسوفُ البريطاني، برتراند راسل، حين قال: "ولقد تحققت بأن الجنس الأبيض ليس هاما تلك الأهمية التي كنت أراها. فإذا أفنى سكانُ أوروبا وأميركا بعضهم بعضا وبادوا جميعا في الحرب، فهذا الأمر لن يعني بالضرورة دمار النوع البشري، ولن يعني حتى نهاية الحضارة. فسيبقى مع ذلك عدد ضخم من الصينيين، وإن الصين لهي، في كثير من الوجوه، لأعظم بلاد شاهدتها طيلة حياتي. فهي ليست فقط أضخم بلدان العالم عددا وحضارة، بل إنها تبدو على أنها أعمق أقطار العالم فكرا"، (قصة الفلسفة، ويل ديورانت، ص536)     

هكذا تحدّث راسل حَالِما! ولكن، هل ترك عالمَ الغرب الذي كان يضيق به، واتجه ليستوطن الصين التي يراها  "أعظم بلاد شاهدتها في حاتي" , و"أعمق أقطار العالم فكرا"، أم اكتفى برحلة قصيرة عابرة للحديقة الخلفية التي تمنحه تجربة لَهْوٍ مغايرة، لَهْوٍ طفولي ساذج لا أكثر؟ 

منذ القِدم لاحظ المتأملون والمراقبون كثيرا من الفروقات بين الشرق والغرب. تحدث عن ذلك أبقراط بإسهاب، وربط هذا الاختلاف بالمناخ، وكذلك فعل أرسطو، الذي استثمر فكرة المناخ أو الموقع الجغرافي، ليمنح الإغريق أفضل خصائص الشرق وأفضل خصائص الغرب مَعًا، باعتبارهم وسطا بين عالمين مُتمايزين مُخْتلفين.

وكذلك في التراث الإسلامي الذي إن امتدح الغرب قليلا (كما في نص عمرو بن العاص الذي يذكر فيه خمسا من القيم المركزية الإيجابية لدى الغرب)، فقد ذمهم كثيرا (صورة الرومي العِلج...وما كتبه أسامة بن منقذ فترة الحروب الصليبية...إلخ). وكل هذا يدل على وَعي جَمْعِي بِعَالمين ثقافيين مُتَمَايزين، وعي مُسْتقر ينتظم معظم فترات التاريخ. 

وكما جرى التأكيد تاريخيا على هذا الاختلاف والتمايز في مستوى التفكير الواعي المباشر والصريح، جرى التأكيد عليه أيضا في الفنون والآداب والأساطير، وتسرّب كل هذا إلى أقلام المؤرخين والرحّالة والمُسْتكشِفين، ومن ثَمَّ انتقل إلى الفن والإعلام في العصر الحديث.  

طبعا، لا يعني كل ما سبق أن "الفصل التام" يُمَثّل واقعة مُتَعيّنة، بل هو، مهما كانت درجة التذكير به والإلحاح عليه، مجرد إشارة أو علامة للتوصيف البحثي على مستوى الدراسات النظرية. ففي الواقع العيني، كثير من ملامح الثقافة الشرقية تجد نفسها في بعض مناحي الثقافة الغربية (في الهامش طبعا، ولكنها قد ترقى للمتن في بعض الفترات أو الظروف التاريخية الخاصة).

والعكس صحيح أيضا، وإن كان بدرجة أقل. والسبب في ذلك أن التشريق هو عودة شبه تلقائية إلى البدائي الكامن في الإنسان المتحضّر(وهذا سهل ومتوقّع)، بينما التغريب مُنْجَز مُتقدِّم يحتاج لفعل واع كيما يجد له موضعا في عالم شرقي متضامن أو متعاضد على مستوى القيم والأعراف والتقاليد. 

التأكيد على هذا لا ينفي أن قوى العولمة النافذة (والتي هي في جوهرها غربية) أصبحت تفرض تأثيراتها بقوة الدفع الحضاري المتعولم. ما يعني أن "التغريب" يفعل فِعله في مسارات ومستويات كثيرة؛ لا يستطيع سدنة خطاب الأصالة ولا مُنَاصِرو الجوهرانية الشرقية مواجهته على أرض الواقع إلا بخسارات مادية فادحة لا يستطيعون، في الغالب، تحمل أكلافها.

وهذا ما يجعلهم، في مسار اجتراحهم الهروبي لِحُلولٍ تَوسّطيّة، يُحَاولون تشريق ثقافة أو قيم الغرب قدر المستطاع، فينجحون أحيانا، ويفشلون في معظم الأحيان.  

في كل أنحاء الشرق ثمة جدل واسع ومستمر بين "أصالة شرقية" و"حداثة تغريبية". وإذا كانت الحداثة التغريبية تكتسح العالم، ومنه العالم الشرقي، منذ قرنين وأكثر، وزادت وتيرتها في القرن الأخير، فإن ثمة حقيقتين في هذا السياق: 

الأولى، أن الحداثة التغريبية واجهت، وتواجه، ممانعةً شرقية شرِسَة، تجعل من تغريب الشرق مغامرة صراعية باهظة التكاليف، بل وقد تُحِيلها، نتيجة لظروف الصراع الاستثنائية غالبا، إلى ما يُشْبه الكارثة في بعض الأحيان. 

والثانية، أن هناك حركة مضادة ( أي تشريق الغرب)، تمتهن تقديم الشرق كنموذج ثقافي أو قيمي بديل عن الغرب. وقد اكتسبت هذه الحركة التَّخلّفية بعض التأييد، خاصة بعد صعود الصين على مستوى التطور التقني أو الصناعي وما يتبعه من نجاح اقتصادي وسياسي.

بالإضافة إلى تعافي روسيا، وبروزها كقوة عالمية لها أطماعها الإمبراطورية المتماهية مع حقائق التاريخ وأساطيره، تلك الأطماع ذات الطابع العدواني، والتي لا يمكن تحقيقها دون التصدي لمسار التحضّر الإنساني: التغريب.

إن الشرق المُتَغرِّب (اليابان، وكوريا الجنوبية، تحديدا) لا يزال مُتردِّدا ومَهزوزا، فضلا عن كونه مُحَاصرَا بطوفان تَشريقي يتجاوب معه طائفة من المُتَنفّذين المُسْتَنفِعين من استشراء تقاليد الشرق الجمعانية؛ مقابل التحدي الذي تفرضه تقاليد الغرب الفردانية، وما يتبعها ويتلازم معها من المبادئ العامة لحقوق الإنسان التي لا تعرفها ولا تعترف بها ثقافات الشرق أصلا (لا تعرفها من حيث نسقها الثقافي المتكامل المتعاضد في بنية حقوقية واحدة، وإلا فهي معروفة كمبادئ جزئية وهامشية وظرفية).

لقد كان المنشق الصيني التايواني الأصل، بو يانغ، المدافع عن القيم الكونية (وهي القيم الغربية هنا) يرى أن الصينيين عندما استفاقوا على تقدّم الغرب وتأخّرهم غدوا مشدودين إلى عُقْدَتين: عقدة نقص وعقدة تفوق، والحال، كما يرى، أن "الصيني بعقدة النقص عبد، وبعقدة التفوق طاغية"، وأن هذا يعني، كما يقول، عَجْز الصينيين أن ينظروا إلى أنفسهم باحترام، يعني أنهم، في الوقت ذاته، عاجزون على أن يتعاملوا مع الآخرين من موقع الندية والمساواة، فهم بين خيارين اثنين: "إما أنك سيدي وإما أنك عبدي". (هرطقات، جورج طرابيشي ج1،ص185). 

ما ذكره يانغ هنا في جملته الأخيرة يختصر، بشكل حادٍّ وأليم، معنى غياب الوعي بالإنسان في ثقافة هي، في جوهرها، لا تؤمن حقا بإنسانية الإنسان، إذ السيادة هنا أو في الثقافة الصينية، ليست مَرْتبةً أو مكانة عُليا، كما أن العبودية ليست مرتبة أو مكانة دنيا فحسب؛ بل هما، أيضا، وبصورة أولوية، عَمَليتا تَشْييء: إلغاء للمستوى الإنساني في الإنسان. 

إن هذا يعني أن التشريق، مُمَثلا في أكثر زواياه حِدّة في أيامنا هذه بالتصيين، ليس مجرد تنويع على أنماط الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، بل هو إلغاء كامل للإنسان على مستوى معنى وجوده المُتَجاوز لده المادي.

وبالتالي، فالتشريق هو عولمة لهذا الإلغاء، هو امتداد به ليتجاوز حدودَ الشرق الجغرافي؛ بقدر ما هو ترسيخ له في حدوده الجغرافية.

وباختصار: بالتشريق يَتَشيّأ الإنسان؛ بقدر ما هو يتأنسن بالتغريب. أقول هذا؛ رغم كل تأكيدات وتفسيرات ومناكفات مناهضي الليبرالية الغربية وأعداء الرأسمالية وفلول الاشتراكية، أولئك الذين يحاولون، بعناد يائس، إثبات أن الأمر عكس ما اختصرته آنفا.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).