Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جانب من المظاهرات الأخيرة في المغرب احتجاجا على ارتفاع الأسعار
جانب من مظاهرة سابقة بالمغرب للاحتجاج على ارتفاع الأسعار

عبد الرحيم التوراني

تميز الأسبوع الذي نودعه بجملة من الأحداث تفاعلت على الساحة المغربية بشكل متلاحق، بعد المسيرات الشعبية الحاشدة التي خرجت بأكثر من خمسين مدينة وبلدة بمختلف جهات المملكة، لبت نداء "الجبهة الاجتماعية"، رافعة شعارت تندد برفع أسعار المواد الاستهلاكية، وخنق الحريات والعودة بالبلد إلى "سنوات الرصاص". وكان لافتا ترديد شعار: "أخنوش ..ارحل"، للمطالبة برحيل رئيس الحكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش ولم تمض سوى خمسة أشهر على تعيينه. 

والمثير أكثر أن جهات إعلامية معروفة بولائها للسلطات، ساهمت بالترويج لهذا المطلب الاحتجاجي. ما دفع البعض، إلى التشكيك في خلفيات رفع شعار مماثل، وليصرح عبد الإله بنكيران (الأمين العام لحزب العدالة والتنمية)، أنه ضد أن يرحل أخنوش أو تغييره بشخص آخر من حزبه (رجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي)، كما تطالب بذلك أوساط ما، مؤكدا على أنه إذا اقتضى الأمر تغييرا فليتم عبر إعادة الانتخابات. 

سجناء بلا مجد 

كما شهدت محكمة الاسئتناف بالدار البيضاء في الأسبوع ذاته، متابعة تطورات محاكمتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني، التي يتعاطى معها الرأي العام الحقوقي في المغرب وخارجه، على أساس أنها "ملفات مفبركة"، بسبب مقالات وتحقيقات صحفية مزعجة نشرها كل من الراضي والريسوني، ووصفت التهم الأخلاقية الموجهة إليهما بــ "الباطلة والملفقة". 

وفي حين تستمر محاكمة الراضي، أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكمها المؤيد للحكم الابتدائي، في حق الريسوني المتابع بتهمة "هتك العرض بالعنف والاحتجاز"، بالسجن لمدة خمس سنوات. 

وللتذكير، فقد تمت قبل أربعة أعوام، جرجرة صحفي آخر أمام القضاء، وهو توفيق بوعشرين، صاحب جريدة "أخبار اليوم"، (التي كان يعمل بها الريسوني)، وحكم عليه بـ 12 سنة سجنا نافذا، إثر اتهامه بملفات أخلاقية، أخطرها "الاتجار في البشر". وعرف بوعشرين هو الآخر بانتقاداته الحادة للسياسة الرسمية. وكان تقرير أممي ذكر أن "اعتقال بوعشرين تعسفي يخالف الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية".  

أحد الحقوقيين، علق على محاكمات الصحفيين في العهد الجديد، بأن السلطات طورت من أدائها وممارستها الردعية، وباتت لا تمنح الصحفيين المتابعين مجد متابعتهم بسبب الرأي أو حرية التعبير، وحتى لا يستفيدون من تعاطف الرأي العام، تلفق لهم تهما جنسية، تؤدي إلى إدانتهم المسبقة من طرف الشارع، قبل صدور أحكام القضاء.  

تُهمٌ مستنسخة 

أما في العاصمة الرباط، فجرت محاكمة لا تقل عناوينها إثارة، حيث نطقت المحكمة الابتدائية بالسجن ثلاث سنوات حبسا نافذا على المحامي محمد زيان، مع غرامة مالية، بعد توجيه إحدى عشر تهمة في حقه، وجلها تهم أخلاقية، تبدأ بـ"إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين"، مرورا بتهمة "بث ادعاءات ووقائع كاذبة قصد التشهير بالأشخاص عن طريق الأنظمة المعلوماتية، والتحريض على خرق تدابير الطوارئ الصحية"، وصولا إلى "المشاركة في الخيانة الزوجية، والمشاركة في إعطاء القدوة السيئة للأطفال نتيجة سوء السلوك، وتهريب مجرم من البحث ومساعدته على الهرب، والتحرش الجنسي". 

مبعث الإثارة في الحكم على محمد زيان، هو زيان نفسه، إنه شخصة إشكالية مثيرة للجدل. ولا إجماع حول سيرته ومساره المتقلب كشخص غير عادٍ على أكثر من صعيد. أولها عمره المتقدم، (قبل أيام قليلة احتفل زيان بعيد ميلاده التاسع والسبعين واقفا أمام المحكمة). وكونه كان وزيرا سابقا لحقوق الإنسان، ونقيبا سابقا لهيأة المحامين بالرباط، وأمينا عاما لحزب سياسي.  

في التسعينيات الماضية اشتهر بلقب "محامي الدولة"، عندما واجه لوحده عشرات المحامين المؤازين للزعيم النقابي اليساري محمد نوبير الأموي، الذي تابعته الحكومة المغربية على خلفية حوار صحفي أدلى به ليومية "الباييس" الإسبانية، ووصف فيه وزراء الحكومة بأنهم "لصوص".  

ومن مكر التاريخ، أن محامين  كانوا واجهوا "محامي الدولة" محمد زيان في سنة 1992، تحولوا اليوم هم "محامو الدولة"، وترافعوا باسمها ضده. وعلى رأس هؤلاء ابراهيم الراشيدي وعبد الكبير طبيح، المنتسبان إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر، إذ لم يعد الزمن هو الزمن، بعد أن مُسخ الحزب المشار إليه، من حزب يساري راديكالي معارض، يحظى بشعبية وثقة جماهيرية واسعة، إلى حزب صغير يزايد على أحزاب الموالاة التقليدية، حتى بعد أن تم ركنه خارج تشكيلة الحكومة الحالية، عكس إرادة كاتبه الأول الطامع في الاستوزار بأي ثمن. 

شراسة صوتية 

محمد زيان، القادم من بطانة "مخزنية"، ومن أجواء الطبقات العليا، كان صهرا للمستشار الملكي أحمد رضا غديرة (متزوجا من ابنته الصحفية الفرنكفونية المرحومة زبيدة غديرة قبل انفصالهما). يحبذ تعريفه بـ"المناضل اللبيرالي الوحيد". اعتاد الناس منذ استقالته من منصبه وزيرا لحقوق الإنسان، على خرجاته الإعلامية وشراسته الانتقادية، وألفوا انتقاداته للأوضاع السياسية. فهو مثلا لم يتردد بالقول إن "المغرب تحكمه فرنسا"، ووصف حكومة "التناوب" برئاسة الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي في 1998، بحكومة "تناوب ممنوح". وأنها "حكومة غير مجدية، مثل ذبابة اعتلت ذيل حمار". وأن كل ما فعلته حكومة اليوسفي هو "تهميش صريح للمبادئ وللقيم لفائدة أفراد من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".  

كما تجرأ زيان ووجه نقدا لاذعا إلى صديقه وزير الداخلية إدريس البصري، واصفا إياه بكونه "حالة مارقة" في المشهد السياسي المغرب، وأن هذا المشهد ليس سوى"رقعة شطرنج عفا عليها الزمن ومحكوم عليها بالفشل"، لأن الأحزاب السياسة القائمة هي مجرد "مخلوقات أوجدها النظام المغربي وفرضتها قوى أجنبية". ثم سدد سهامه إلى حزب الاتحاد الدستوري الذي انتمى إليه قبل أن يغادره، كونه "ليس حزبا ليبراليا كما يدعي. وهو حزب غير  قادر على الدفاع عن الليبرالية والمبادرة الخاصة لضمان مستقبل المغاربة". 

سبق لزيان تبوؤ مناصب مهمة بالدواليب الوزارية (مابين 1965 و 1968)، وفي نهاية الستينيات جرى تكليفه بإنشاء حزب إداري سرعان ما اختفى وغاب، يدعو إلى ما أسماه بـ"الاشتراكية الملكية". وفي 1984 ولج البرلمان باسم حزب "الاتحاد الدستوري" بزعامة المعطي بوعبيد، وعين عضوا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما انتخب نقيبا لهيأة المحامين بالعاصمة. 

وكان زيان أول وزير مغربي حمل حقيبة "حقوق الإنسان" في التسعينيات، قبل أن يقدم استقالته احتجاجا على ما سمي بــ"حملة التطهير" التي نفذها وزير الداخلية إدريس البصري في صفوف رجال الأعمال. 

بعدها شاهدناه يضع يده في يد رجل الأعمال ناجم أباعقيل صاحب "حزب العمل"، ويتقدم مرشحا باسم هذا الحزب، قبل أن يغادره أيضا ويؤسس حزبه الخاص "الحزب الليبرالي المغربي في 2001، الذي أصبح اسمه "الحزب المغربي الحر". 

ورغم أن حزب زيان حاول الظهور بمنأى عن أساليب الأحزاب التقليدية، والنهل من قاموس ليبرالي يميني محافظ، والزعم أنه حزب مستقل، إلا أن صحفيين، ممن سافروا في آخر أبريل 2001، إلى مدينة الناضور على متن حافلات تعود لشركة نقل في ملكية محمد زيان، من أجل حضور أعمال المؤتمر التأسيسي للحزب الليبرالي، نقلوا أن المؤتمر عقد تحت إشراف عناصر من جهاز المخابرات المغربية بشكل مكشوف تقريبا. 

من مدلل إلى منبوذ 

لكن ما الذي حدث حتى انتقل زيان من وزير و"محامي الدولة" إلى عدو للسلطات؟  

هل يعود الأمر للسانه السليط وشراسته عند كلامه عن مآل الثروة الوطنية، التي تساءل ملك البلاد عنها مرة أمام البرلمان: "أين الثروة؟"، وقد أصبح زيان بكل مناسبة ومن دونها يسأل بدوره متهما: أين ثروات المغرب السمكية بالبحار، وأين معادن الذهب والفضة والنحاس المستخرجة من مناجم المغرب؟ وأين هي أموال الفوسفاط الذي يعد المغرب المنتج الأول له في العالم؟ 

وكانت سنة 2018 شهدت متابعة الصحفي توفيق بوعشرين قضائيا، فخرج محاميه زيان ليتهم المخابرات بتدبير وفبركة ملف فارغ. ورغم كون زيان رجل قانون فإنه لا يحرص على وزن كلماته، ما أوقعه في مواجهة مع القضاء واستدعائه للتحقيق مرات. 

وفي السنتين الأخيرتين تولى زيان ملف الدفاع عن ضابطة شرطة تم فصلها بعد اتهامها لرئيسها المباشر بالتحرش. وبعد مغادرتها المغرب برفقة ابنتها الصغيرة متسللة عبر مدخل مدينة سبتة المحتلة، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم زوجها اليمني الجنسية، انضمت إلى أصحاب القنوات الرقمية المعارضة، وشرعت في بث فيديوهات تكيل فيها جملة من الاتهامات ضد إدارة البوليس المغربي. 

 فجأة، تم تسريب فيديو على موقع مغربي يظهر فيه محمد زيان عاريا كما ولدته أمه، وتبدو الضابطة المذكورة تجفف جسمه. فيديو قال عنه زيان أنه مفبرك من طرف أجهزة البوليس، وزاد من ثورته ضد مدير الأمن والمخابرات عبد اللطيف الحموشي، وضد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وأكثر من الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث كانت تتسارع القنوات الباحثة عن رفع عدد المشاهدات لنشر تصريحاته. 

وكان أحد أبنائه حكم عليه بالسجن، في بداية انتشار وباء كورونا بتهمة ترويج أقنعة غير مرخص بها. لكن زيان لم يصمت. 

ومن الطرف التي قام بها زيان، ليلة جلب فيها حفظة القرآن، افترش الأرض معهم أمام مبنى البرلمان لتلاوة المصحف كاملا على طريقة القراءة المغربية.  

وقبل أقل من شهرين صدر حكم قضائي بإفراغ النقيب السابق للمحامين من مكتبه بشارع محمد الخامس والذي يشغله منذ سنوات. 

نقطة فوق ريان 

وخلال أطوار محاكمته وقعت حادثة سقوط الطفل ريان في البئر التي هزت العالم، ولما شاهد صورة والدة الطفل الضحية على شاشة التلفزيون، وهي تتلقى هاتفيا تعزية الملك، هلل زيان مستبشرا باسم والدة ريان: وسيمة خرشيش، المتطابق مع لقب موكلته الضابطة الأمنية (وهيبة خرشيش)، وصرح أنه يتفاءل بهذه المصادفة، ناسيا أن لقبه لا يختلف عن الطفل الغريق سوى بنقطة واحدة فوق حرف "الراء"، وأنه مثله ذاهب صوب الغرق.  

إثر الحكم على زيان، عمّت موجة من التعاطف مع محنة رجل عجوز، ولم يعتد المغاربة محاكمة وسجن الوزراء الممارسين أو السابقين، والاستثناء حصل في سبعينيات  القرن الماضي، عندما اعتقل وزراء بتهمة الفساد، حظوا بالعفو لاحقا. 

وتضامن آخرون مع زيان لما تابعوا تصريحه: "في الثمانين من عمري لم يعد لدي ما أخسره، وأنه "لم يبق لدي ما أعمله في هذه الدنيا لأني صرت أبحث عن الآخرة". 

لكن الرجل المسن، ربما لا يتذكر أنه اختار لحزبه شعار "الأسد"، وانتقى  صورة أسد مشهور في المغرب، مرسوم على علبة أعواد ثقاب، وعوض الانتباه لهيبة الأسد، فإن ما بقي عالقا بأذهان الناس هو عود الثقاب. والسؤال هنا لا يخص شكل أسد افتراضي مهزوم، أو فصيلته الأطلسية المنقرضة، بقدر ما تهم حالة أعواد الثقاب، وقد تأكد أن بها بلل، وأن لا ضرر يخشى منها لو مست كومة حطب، بينما الخوف الأكبر يكمن في الحطب المثقل بسوائل قابلة للاشتعال، في ظل احتقان يسود واقعا مأزوما، مهيئا للانفجار في أي آن.  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا
تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا

سناء العاجي الحنفي

أشاهد صورتي على الهاتف وألمح التجاعيد الصغيرة على جانب العين.. أخاديد صغيرة تذكرني بسنوات العمر الذي مضى، بلحظات إحباط ومحطات أمل وتطلع للمستقبل. بقصص حب وخوف وأحلام جميلة تصنع الأمل وأخرى تصطدم بجدار الإحباط لتتكسر. 

لم أفكر يوما في إجراء عمليات تجميل ولا طمس لآثار العمر على وجهي. لست أفرق بين "البوتوكس" و"الفيلر" وغيرها من وسائل التشبيب القسري.

أتابع صور الفنانات الشهيرات وهن تزددْن صغرا مع تقدم العمر، وأتساءل: إلى متى؟ ما الذي يعنيه أن أنظر في المرآة فلا أراني، بتفاصيل عمري وتجاربي وأخطائي وإحباطاتي؟ ما معنى أن أمسح تاريخ أحاسيسي ومشاعري وتجاربي، بمشرط في عيادة طبية، وبكامل إرادتي؟ كيف نمسح تجاعيد الروح وأوجاع القلب؟ كيف نخفي آثار العمر من نبضاتنا المتعبة ومن ذكرياتنا، بحلوها ومرها؟

حتى على حسابي الجديد على الإنستغرام، أستغرب وأتساءل: هل وحدي أكبر؟ إذ لا أرى إلا أشخاصا يتقدمون في الشباب كلما تقدمت بنا السنوات. 

طبيعي أن ترعبنا، بين الفينة والأخرى، سنوات العمر الذي يمر. طبيعي أن نتأمل أثر السنوات على أجسادنا ووجوهنا فنشعر أحيانا بذلك الانقباض الخفيف في القلب، يذكرنا بأن العداد لا يتوقف.. وأنه يوما ما، في موعد لم يعد بعيدا، سيبدأ العد العكس. طبيعي أن ترعبنا فكرة الكهولة والعجز أحيانا.. والموت أيضا!

لذلك، فالبعض قد يهرب منها بأن لا يواجهها. بأن يبدو لنفسه وللآخرين دائم الشباب. لكن، إلى متى؟  
منذ أن عرفتني وأنا متصالحة مع سني. في أبريل من هذه السنة، سأحتفل بعيد ميلادي السادس والأربعين. منذ سنة على الأقل، أصبح بإمكاني أن أذهب للحج والعمرة بدون محرم! الدين وقوانين بعض الدول تعتبرنني امرأة غير مشتهاة لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين. امرأة لا يُخاف منها. وهذا ربما جزء مما يرعب النساء: أن تعتبر الأغلبية، مجتمعات وأفرادا وقوانين وحتى لغة (فهل هناك مرادف ذكوري لـ "سن اليأس"؟ وهل هناك مرادف ذكوري لـ "القواعد من النساء"؟)، أن للنساء تاريخ صلاحية يمكن قراءته من تفاصيل شكل الجسد ومن مدى انشداد البشرة ومحيط العينين، فتسارعن لإخفاء كل دليل يثبت تورطهن المرعب في التقدم الطبيعي في العمر. 

الحقيقة أنه خلل مشترك بين هشاشة لدى بعض النساء تجعلهن يربطن قيمتهن حصريا بشبابهن، وبين مجتمع يختزل النساء في معايير مرتبطة حصريا بالجمال وبالشباب. لنكن موضوعيين: ألا يقيم الكثيرون قيمة النساء، ليس فقط في "سوق" الزواج والحب والعلاقات، بل أيضا مهنيا، بالعمر والشكل؟ هل حظوظ الإعلاميات والممثلات ومقدمات البرامج في العالم بأسره، هي نفسها وهن في العشرينيات مقارنة مع بلوغهن الخمسينيات والستينيات من العمر؟ إذا استثنينا ميريل ستريب وجوليا روبرتس، كم عدد نجمات هوليود ممن حافظن على نجوميتهن بعد الخمسين؟ بين نجمات مصر مثلا، كم مرة صادفنا على مواقع التواصل مقارنات فجة بين صورهن وهن شابات فاتنات وصورهن في سن الستين أو السبعين؟ هل نتذكر سخرية مواقع التواصل من صورة النجمة ميرفت أمين منذ شهور قليلة وهي في عزاء، وكمّ السخرية من عمرها وشكلها؟ أليس طبيعيا أن تتقدم ميرفت أمين في السن، تماما كذاك الجالس على حاسوب يتهكم منها بخبث؟ 

نفس المجتمع الذي يسخر من فنانة أو حتى من سيدة غير معروفة بسبب ظهور علامات السن عليها، هو ذاك الذي ينتقد السيدات اللواتي يقعن في فخ التجميل والبوطوكس. أليس الضغط الرهيب الذي يمارَس على النساء بسبب الشكل والتجاعيد هو ما يدفع بعضهن إلى عيادات جراحي التجميل والمراكز المتخصصة؟ 

أتمنى أن يأتي يوما نتصالح فيه جميعنا مع عمرنا.. أن نتقبل مبدأ "العبور" بكل ما يعنيه من تفاصيل يرتبط بعضها بالتجاعيد وبالوهن الجسدي. أتمنى أن نتوقف عن اختزال النساء في بشرة مشدودة وفي مقاس معين للخصر وفي غياب تام للتجاعيد. وأتمنى أن تتوقف النساء عن الوقوع في فخ هذا الميركاتو الذي يفرض عليهن شبابا دائما للوجه.. حتى لو شاخ الجسد وشاخت الروح.

لنسعَ جميعنا لتجديد شباب الروح. لنكن مواظبين على الرياضة. لنسعَ لتغذية صحية. لنبتعد عن العلاقات السامة. لنعتنِ بصحة البشرة والشعر والجسد، ليس لكي تبدو أكثر صغرا، بل فقط لكي تكون بصحة جيدة.. لن يضمن لنا هذا أن نعيش أبد الدهر. سنشيخ وسنتعب، ويوما ما سنموت. لكن، بانتظار ذلك اليوم، لنعش كل لحظة بصحة جيدة. لنتصالح مع تفاصيلنا وعيوبنا وحتى مع تجاعيدنا. 

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا. هي نحن. فكيف نسمح لمشرط الجراح أو لأي مركز تجميل بأن يفصلنا عن تاريخنا وعن تاريخ أجسادنا؟ كيف نصنع لنا وجها لا يشبهنا؟

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).