Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جانب من المظاهرات الأخيرة في المغرب احتجاجا على ارتفاع الأسعار
جانب من مظاهرة سابقة بالمغرب للاحتجاج على ارتفاع الأسعار

عبد الرحيم التوراني

تميز الأسبوع الذي نودعه بجملة من الأحداث تفاعلت على الساحة المغربية بشكل متلاحق، بعد المسيرات الشعبية الحاشدة التي خرجت بأكثر من خمسين مدينة وبلدة بمختلف جهات المملكة، لبت نداء "الجبهة الاجتماعية"، رافعة شعارت تندد برفع أسعار المواد الاستهلاكية، وخنق الحريات والعودة بالبلد إلى "سنوات الرصاص". وكان لافتا ترديد شعار: "أخنوش ..ارحل"، للمطالبة برحيل رئيس الحكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش ولم تمض سوى خمسة أشهر على تعيينه. 

والمثير أكثر أن جهات إعلامية معروفة بولائها للسلطات، ساهمت بالترويج لهذا المطلب الاحتجاجي. ما دفع البعض، إلى التشكيك في خلفيات رفع شعار مماثل، وليصرح عبد الإله بنكيران (الأمين العام لحزب العدالة والتنمية)، أنه ضد أن يرحل أخنوش أو تغييره بشخص آخر من حزبه (رجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي)، كما تطالب بذلك أوساط ما، مؤكدا على أنه إذا اقتضى الأمر تغييرا فليتم عبر إعادة الانتخابات. 

سجناء بلا مجد 

كما شهدت محكمة الاسئتناف بالدار البيضاء في الأسبوع ذاته، متابعة تطورات محاكمتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني، التي يتعاطى معها الرأي العام الحقوقي في المغرب وخارجه، على أساس أنها "ملفات مفبركة"، بسبب مقالات وتحقيقات صحفية مزعجة نشرها كل من الراضي والريسوني، ووصفت التهم الأخلاقية الموجهة إليهما بــ "الباطلة والملفقة". 

وفي حين تستمر محاكمة الراضي، أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكمها المؤيد للحكم الابتدائي، في حق الريسوني المتابع بتهمة "هتك العرض بالعنف والاحتجاز"، بالسجن لمدة خمس سنوات. 

وللتذكير، فقد تمت قبل أربعة أعوام، جرجرة صحفي آخر أمام القضاء، وهو توفيق بوعشرين، صاحب جريدة "أخبار اليوم"، (التي كان يعمل بها الريسوني)، وحكم عليه بـ 12 سنة سجنا نافذا، إثر اتهامه بملفات أخلاقية، أخطرها "الاتجار في البشر". وعرف بوعشرين هو الآخر بانتقاداته الحادة للسياسة الرسمية. وكان تقرير أممي ذكر أن "اعتقال بوعشرين تعسفي يخالف الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية".  

أحد الحقوقيين، علق على محاكمات الصحفيين في العهد الجديد، بأن السلطات طورت من أدائها وممارستها الردعية، وباتت لا تمنح الصحفيين المتابعين مجد متابعتهم بسبب الرأي أو حرية التعبير، وحتى لا يستفيدون من تعاطف الرأي العام، تلفق لهم تهما جنسية، تؤدي إلى إدانتهم المسبقة من طرف الشارع، قبل صدور أحكام القضاء.  

تُهمٌ مستنسخة 

أما في العاصمة الرباط، فجرت محاكمة لا تقل عناوينها إثارة، حيث نطقت المحكمة الابتدائية بالسجن ثلاث سنوات حبسا نافذا على المحامي محمد زيان، مع غرامة مالية، بعد توجيه إحدى عشر تهمة في حقه، وجلها تهم أخلاقية، تبدأ بـ"إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين"، مرورا بتهمة "بث ادعاءات ووقائع كاذبة قصد التشهير بالأشخاص عن طريق الأنظمة المعلوماتية، والتحريض على خرق تدابير الطوارئ الصحية"، وصولا إلى "المشاركة في الخيانة الزوجية، والمشاركة في إعطاء القدوة السيئة للأطفال نتيجة سوء السلوك، وتهريب مجرم من البحث ومساعدته على الهرب، والتحرش الجنسي". 

مبعث الإثارة في الحكم على محمد زيان، هو زيان نفسه، إنه شخصة إشكالية مثيرة للجدل. ولا إجماع حول سيرته ومساره المتقلب كشخص غير عادٍ على أكثر من صعيد. أولها عمره المتقدم، (قبل أيام قليلة احتفل زيان بعيد ميلاده التاسع والسبعين واقفا أمام المحكمة). وكونه كان وزيرا سابقا لحقوق الإنسان، ونقيبا سابقا لهيأة المحامين بالرباط، وأمينا عاما لحزب سياسي.  

في التسعينيات الماضية اشتهر بلقب "محامي الدولة"، عندما واجه لوحده عشرات المحامين المؤازين للزعيم النقابي اليساري محمد نوبير الأموي، الذي تابعته الحكومة المغربية على خلفية حوار صحفي أدلى به ليومية "الباييس" الإسبانية، ووصف فيه وزراء الحكومة بأنهم "لصوص".  

ومن مكر التاريخ، أن محامين  كانوا واجهوا "محامي الدولة" محمد زيان في سنة 1992، تحولوا اليوم هم "محامو الدولة"، وترافعوا باسمها ضده. وعلى رأس هؤلاء ابراهيم الراشيدي وعبد الكبير طبيح، المنتسبان إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر، إذ لم يعد الزمن هو الزمن، بعد أن مُسخ الحزب المشار إليه، من حزب يساري راديكالي معارض، يحظى بشعبية وثقة جماهيرية واسعة، إلى حزب صغير يزايد على أحزاب الموالاة التقليدية، حتى بعد أن تم ركنه خارج تشكيلة الحكومة الحالية، عكس إرادة كاتبه الأول الطامع في الاستوزار بأي ثمن. 

شراسة صوتية 

محمد زيان، القادم من بطانة "مخزنية"، ومن أجواء الطبقات العليا، كان صهرا للمستشار الملكي أحمد رضا غديرة (متزوجا من ابنته الصحفية الفرنكفونية المرحومة زبيدة غديرة قبل انفصالهما). يحبذ تعريفه بـ"المناضل اللبيرالي الوحيد". اعتاد الناس منذ استقالته من منصبه وزيرا لحقوق الإنسان، على خرجاته الإعلامية وشراسته الانتقادية، وألفوا انتقاداته للأوضاع السياسية. فهو مثلا لم يتردد بالقول إن "المغرب تحكمه فرنسا"، ووصف حكومة "التناوب" برئاسة الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي في 1998، بحكومة "تناوب ممنوح". وأنها "حكومة غير مجدية، مثل ذبابة اعتلت ذيل حمار". وأن كل ما فعلته حكومة اليوسفي هو "تهميش صريح للمبادئ وللقيم لفائدة أفراد من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".  

كما تجرأ زيان ووجه نقدا لاذعا إلى صديقه وزير الداخلية إدريس البصري، واصفا إياه بكونه "حالة مارقة" في المشهد السياسي المغرب، وأن هذا المشهد ليس سوى"رقعة شطرنج عفا عليها الزمن ومحكوم عليها بالفشل"، لأن الأحزاب السياسة القائمة هي مجرد "مخلوقات أوجدها النظام المغربي وفرضتها قوى أجنبية". ثم سدد سهامه إلى حزب الاتحاد الدستوري الذي انتمى إليه قبل أن يغادره، كونه "ليس حزبا ليبراليا كما يدعي. وهو حزب غير  قادر على الدفاع عن الليبرالية والمبادرة الخاصة لضمان مستقبل المغاربة". 

سبق لزيان تبوؤ مناصب مهمة بالدواليب الوزارية (مابين 1965 و 1968)، وفي نهاية الستينيات جرى تكليفه بإنشاء حزب إداري سرعان ما اختفى وغاب، يدعو إلى ما أسماه بـ"الاشتراكية الملكية". وفي 1984 ولج البرلمان باسم حزب "الاتحاد الدستوري" بزعامة المعطي بوعبيد، وعين عضوا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما انتخب نقيبا لهيأة المحامين بالعاصمة. 

وكان زيان أول وزير مغربي حمل حقيبة "حقوق الإنسان" في التسعينيات، قبل أن يقدم استقالته احتجاجا على ما سمي بــ"حملة التطهير" التي نفذها وزير الداخلية إدريس البصري في صفوف رجال الأعمال. 

بعدها شاهدناه يضع يده في يد رجل الأعمال ناجم أباعقيل صاحب "حزب العمل"، ويتقدم مرشحا باسم هذا الحزب، قبل أن يغادره أيضا ويؤسس حزبه الخاص "الحزب الليبرالي المغربي في 2001، الذي أصبح اسمه "الحزب المغربي الحر". 

ورغم أن حزب زيان حاول الظهور بمنأى عن أساليب الأحزاب التقليدية، والنهل من قاموس ليبرالي يميني محافظ، والزعم أنه حزب مستقل، إلا أن صحفيين، ممن سافروا في آخر أبريل 2001، إلى مدينة الناضور على متن حافلات تعود لشركة نقل في ملكية محمد زيان، من أجل حضور أعمال المؤتمر التأسيسي للحزب الليبرالي، نقلوا أن المؤتمر عقد تحت إشراف عناصر من جهاز المخابرات المغربية بشكل مكشوف تقريبا. 

من مدلل إلى منبوذ 

لكن ما الذي حدث حتى انتقل زيان من وزير و"محامي الدولة" إلى عدو للسلطات؟  

هل يعود الأمر للسانه السليط وشراسته عند كلامه عن مآل الثروة الوطنية، التي تساءل ملك البلاد عنها مرة أمام البرلمان: "أين الثروة؟"، وقد أصبح زيان بكل مناسبة ومن دونها يسأل بدوره متهما: أين ثروات المغرب السمكية بالبحار، وأين معادن الذهب والفضة والنحاس المستخرجة من مناجم المغرب؟ وأين هي أموال الفوسفاط الذي يعد المغرب المنتج الأول له في العالم؟ 

وكانت سنة 2018 شهدت متابعة الصحفي توفيق بوعشرين قضائيا، فخرج محاميه زيان ليتهم المخابرات بتدبير وفبركة ملف فارغ. ورغم كون زيان رجل قانون فإنه لا يحرص على وزن كلماته، ما أوقعه في مواجهة مع القضاء واستدعائه للتحقيق مرات. 

وفي السنتين الأخيرتين تولى زيان ملف الدفاع عن ضابطة شرطة تم فصلها بعد اتهامها لرئيسها المباشر بالتحرش. وبعد مغادرتها المغرب برفقة ابنتها الصغيرة متسللة عبر مدخل مدينة سبتة المحتلة، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم زوجها اليمني الجنسية، انضمت إلى أصحاب القنوات الرقمية المعارضة، وشرعت في بث فيديوهات تكيل فيها جملة من الاتهامات ضد إدارة البوليس المغربي. 

 فجأة، تم تسريب فيديو على موقع مغربي يظهر فيه محمد زيان عاريا كما ولدته أمه، وتبدو الضابطة المذكورة تجفف جسمه. فيديو قال عنه زيان أنه مفبرك من طرف أجهزة البوليس، وزاد من ثورته ضد مدير الأمن والمخابرات عبد اللطيف الحموشي، وضد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وأكثر من الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث كانت تتسارع القنوات الباحثة عن رفع عدد المشاهدات لنشر تصريحاته. 

وكان أحد أبنائه حكم عليه بالسجن، في بداية انتشار وباء كورونا بتهمة ترويج أقنعة غير مرخص بها. لكن زيان لم يصمت. 

ومن الطرف التي قام بها زيان، ليلة جلب فيها حفظة القرآن، افترش الأرض معهم أمام مبنى البرلمان لتلاوة المصحف كاملا على طريقة القراءة المغربية.  

وقبل أقل من شهرين صدر حكم قضائي بإفراغ النقيب السابق للمحامين من مكتبه بشارع محمد الخامس والذي يشغله منذ سنوات. 

نقطة فوق ريان 

وخلال أطوار محاكمته وقعت حادثة سقوط الطفل ريان في البئر التي هزت العالم، ولما شاهد صورة والدة الطفل الضحية على شاشة التلفزيون، وهي تتلقى هاتفيا تعزية الملك، هلل زيان مستبشرا باسم والدة ريان: وسيمة خرشيش، المتطابق مع لقب موكلته الضابطة الأمنية (وهيبة خرشيش)، وصرح أنه يتفاءل بهذه المصادفة، ناسيا أن لقبه لا يختلف عن الطفل الغريق سوى بنقطة واحدة فوق حرف "الراء"، وأنه مثله ذاهب صوب الغرق.  

إثر الحكم على زيان، عمّت موجة من التعاطف مع محنة رجل عجوز، ولم يعتد المغاربة محاكمة وسجن الوزراء الممارسين أو السابقين، والاستثناء حصل في سبعينيات  القرن الماضي، عندما اعتقل وزراء بتهمة الفساد، حظوا بالعفو لاحقا. 

وتضامن آخرون مع زيان لما تابعوا تصريحه: "في الثمانين من عمري لم يعد لدي ما أخسره، وأنه "لم يبق لدي ما أعمله في هذه الدنيا لأني صرت أبحث عن الآخرة". 

لكن الرجل المسن، ربما لا يتذكر أنه اختار لحزبه شعار "الأسد"، وانتقى  صورة أسد مشهور في المغرب، مرسوم على علبة أعواد ثقاب، وعوض الانتباه لهيبة الأسد، فإن ما بقي عالقا بأذهان الناس هو عود الثقاب. والسؤال هنا لا يخص شكل أسد افتراضي مهزوم، أو فصيلته الأطلسية المنقرضة، بقدر ما تهم حالة أعواد الثقاب، وقد تأكد أن بها بلل، وأن لا ضرر يخشى منها لو مست كومة حطب، بينما الخوف الأكبر يكمن في الحطب المثقل بسوائل قابلة للاشتعال، في ظل احتقان يسود واقعا مأزوما، مهيئا للانفجار في أي آن.  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).