Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جانب من المظاهرات الأخيرة في المغرب احتجاجا على ارتفاع الأسعار
جانب من مظاهرة سابقة بالمغرب للاحتجاج على ارتفاع الأسعار

عبد الرحيم التوراني

تميز الأسبوع الذي نودعه بجملة من الأحداث تفاعلت على الساحة المغربية بشكل متلاحق، بعد المسيرات الشعبية الحاشدة التي خرجت بأكثر من خمسين مدينة وبلدة بمختلف جهات المملكة، لبت نداء "الجبهة الاجتماعية"، رافعة شعارت تندد برفع أسعار المواد الاستهلاكية، وخنق الحريات والعودة بالبلد إلى "سنوات الرصاص". وكان لافتا ترديد شعار: "أخنوش ..ارحل"، للمطالبة برحيل رئيس الحكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش ولم تمض سوى خمسة أشهر على تعيينه. 

والمثير أكثر أن جهات إعلامية معروفة بولائها للسلطات، ساهمت بالترويج لهذا المطلب الاحتجاجي. ما دفع البعض، إلى التشكيك في خلفيات رفع شعار مماثل، وليصرح عبد الإله بنكيران (الأمين العام لحزب العدالة والتنمية)، أنه ضد أن يرحل أخنوش أو تغييره بشخص آخر من حزبه (رجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي)، كما تطالب بذلك أوساط ما، مؤكدا على أنه إذا اقتضى الأمر تغييرا فليتم عبر إعادة الانتخابات. 

سجناء بلا مجد 

كما شهدت محكمة الاسئتناف بالدار البيضاء في الأسبوع ذاته، متابعة تطورات محاكمتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني، التي يتعاطى معها الرأي العام الحقوقي في المغرب وخارجه، على أساس أنها "ملفات مفبركة"، بسبب مقالات وتحقيقات صحفية مزعجة نشرها كل من الراضي والريسوني، ووصفت التهم الأخلاقية الموجهة إليهما بــ "الباطلة والملفقة". 

وفي حين تستمر محاكمة الراضي، أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكمها المؤيد للحكم الابتدائي، في حق الريسوني المتابع بتهمة "هتك العرض بالعنف والاحتجاز"، بالسجن لمدة خمس سنوات. 

وللتذكير، فقد تمت قبل أربعة أعوام، جرجرة صحفي آخر أمام القضاء، وهو توفيق بوعشرين، صاحب جريدة "أخبار اليوم"، (التي كان يعمل بها الريسوني)، وحكم عليه بـ 12 سنة سجنا نافذا، إثر اتهامه بملفات أخلاقية، أخطرها "الاتجار في البشر". وعرف بوعشرين هو الآخر بانتقاداته الحادة للسياسة الرسمية. وكان تقرير أممي ذكر أن "اعتقال بوعشرين تعسفي يخالف الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية".  

أحد الحقوقيين، علق على محاكمات الصحفيين في العهد الجديد، بأن السلطات طورت من أدائها وممارستها الردعية، وباتت لا تمنح الصحفيين المتابعين مجد متابعتهم بسبب الرأي أو حرية التعبير، وحتى لا يستفيدون من تعاطف الرأي العام، تلفق لهم تهما جنسية، تؤدي إلى إدانتهم المسبقة من طرف الشارع، قبل صدور أحكام القضاء.  

تُهمٌ مستنسخة 

أما في العاصمة الرباط، فجرت محاكمة لا تقل عناوينها إثارة، حيث نطقت المحكمة الابتدائية بالسجن ثلاث سنوات حبسا نافذا على المحامي محمد زيان، مع غرامة مالية، بعد توجيه إحدى عشر تهمة في حقه، وجلها تهم أخلاقية، تبدأ بـ"إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين"، مرورا بتهمة "بث ادعاءات ووقائع كاذبة قصد التشهير بالأشخاص عن طريق الأنظمة المعلوماتية، والتحريض على خرق تدابير الطوارئ الصحية"، وصولا إلى "المشاركة في الخيانة الزوجية، والمشاركة في إعطاء القدوة السيئة للأطفال نتيجة سوء السلوك، وتهريب مجرم من البحث ومساعدته على الهرب، والتحرش الجنسي". 

مبعث الإثارة في الحكم على محمد زيان، هو زيان نفسه، إنه شخصة إشكالية مثيرة للجدل. ولا إجماع حول سيرته ومساره المتقلب كشخص غير عادٍ على أكثر من صعيد. أولها عمره المتقدم، (قبل أيام قليلة احتفل زيان بعيد ميلاده التاسع والسبعين واقفا أمام المحكمة). وكونه كان وزيرا سابقا لحقوق الإنسان، ونقيبا سابقا لهيأة المحامين بالرباط، وأمينا عاما لحزب سياسي.  

في التسعينيات الماضية اشتهر بلقب "محامي الدولة"، عندما واجه لوحده عشرات المحامين المؤازين للزعيم النقابي اليساري محمد نوبير الأموي، الذي تابعته الحكومة المغربية على خلفية حوار صحفي أدلى به ليومية "الباييس" الإسبانية، ووصف فيه وزراء الحكومة بأنهم "لصوص".  

ومن مكر التاريخ، أن محامين  كانوا واجهوا "محامي الدولة" محمد زيان في سنة 1992، تحولوا اليوم هم "محامو الدولة"، وترافعوا باسمها ضده. وعلى رأس هؤلاء ابراهيم الراشيدي وعبد الكبير طبيح، المنتسبان إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر، إذ لم يعد الزمن هو الزمن، بعد أن مُسخ الحزب المشار إليه، من حزب يساري راديكالي معارض، يحظى بشعبية وثقة جماهيرية واسعة، إلى حزب صغير يزايد على أحزاب الموالاة التقليدية، حتى بعد أن تم ركنه خارج تشكيلة الحكومة الحالية، عكس إرادة كاتبه الأول الطامع في الاستوزار بأي ثمن. 

شراسة صوتية 

محمد زيان، القادم من بطانة "مخزنية"، ومن أجواء الطبقات العليا، كان صهرا للمستشار الملكي أحمد رضا غديرة (متزوجا من ابنته الصحفية الفرنكفونية المرحومة زبيدة غديرة قبل انفصالهما). يحبذ تعريفه بـ"المناضل اللبيرالي الوحيد". اعتاد الناس منذ استقالته من منصبه وزيرا لحقوق الإنسان، على خرجاته الإعلامية وشراسته الانتقادية، وألفوا انتقاداته للأوضاع السياسية. فهو مثلا لم يتردد بالقول إن "المغرب تحكمه فرنسا"، ووصف حكومة "التناوب" برئاسة الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي في 1998، بحكومة "تناوب ممنوح". وأنها "حكومة غير مجدية، مثل ذبابة اعتلت ذيل حمار". وأن كل ما فعلته حكومة اليوسفي هو "تهميش صريح للمبادئ وللقيم لفائدة أفراد من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".  

كما تجرأ زيان ووجه نقدا لاذعا إلى صديقه وزير الداخلية إدريس البصري، واصفا إياه بكونه "حالة مارقة" في المشهد السياسي المغرب، وأن هذا المشهد ليس سوى"رقعة شطرنج عفا عليها الزمن ومحكوم عليها بالفشل"، لأن الأحزاب السياسة القائمة هي مجرد "مخلوقات أوجدها النظام المغربي وفرضتها قوى أجنبية". ثم سدد سهامه إلى حزب الاتحاد الدستوري الذي انتمى إليه قبل أن يغادره، كونه "ليس حزبا ليبراليا كما يدعي. وهو حزب غير  قادر على الدفاع عن الليبرالية والمبادرة الخاصة لضمان مستقبل المغاربة". 

سبق لزيان تبوؤ مناصب مهمة بالدواليب الوزارية (مابين 1965 و 1968)، وفي نهاية الستينيات جرى تكليفه بإنشاء حزب إداري سرعان ما اختفى وغاب، يدعو إلى ما أسماه بـ"الاشتراكية الملكية". وفي 1984 ولج البرلمان باسم حزب "الاتحاد الدستوري" بزعامة المعطي بوعبيد، وعين عضوا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما انتخب نقيبا لهيأة المحامين بالعاصمة. 

وكان زيان أول وزير مغربي حمل حقيبة "حقوق الإنسان" في التسعينيات، قبل أن يقدم استقالته احتجاجا على ما سمي بــ"حملة التطهير" التي نفذها وزير الداخلية إدريس البصري في صفوف رجال الأعمال. 

بعدها شاهدناه يضع يده في يد رجل الأعمال ناجم أباعقيل صاحب "حزب العمل"، ويتقدم مرشحا باسم هذا الحزب، قبل أن يغادره أيضا ويؤسس حزبه الخاص "الحزب الليبرالي المغربي في 2001، الذي أصبح اسمه "الحزب المغربي الحر". 

ورغم أن حزب زيان حاول الظهور بمنأى عن أساليب الأحزاب التقليدية، والنهل من قاموس ليبرالي يميني محافظ، والزعم أنه حزب مستقل، إلا أن صحفيين، ممن سافروا في آخر أبريل 2001، إلى مدينة الناضور على متن حافلات تعود لشركة نقل في ملكية محمد زيان، من أجل حضور أعمال المؤتمر التأسيسي للحزب الليبرالي، نقلوا أن المؤتمر عقد تحت إشراف عناصر من جهاز المخابرات المغربية بشكل مكشوف تقريبا. 

من مدلل إلى منبوذ 

لكن ما الذي حدث حتى انتقل زيان من وزير و"محامي الدولة" إلى عدو للسلطات؟  

هل يعود الأمر للسانه السليط وشراسته عند كلامه عن مآل الثروة الوطنية، التي تساءل ملك البلاد عنها مرة أمام البرلمان: "أين الثروة؟"، وقد أصبح زيان بكل مناسبة ومن دونها يسأل بدوره متهما: أين ثروات المغرب السمكية بالبحار، وأين معادن الذهب والفضة والنحاس المستخرجة من مناجم المغرب؟ وأين هي أموال الفوسفاط الذي يعد المغرب المنتج الأول له في العالم؟ 

وكانت سنة 2018 شهدت متابعة الصحفي توفيق بوعشرين قضائيا، فخرج محاميه زيان ليتهم المخابرات بتدبير وفبركة ملف فارغ. ورغم كون زيان رجل قانون فإنه لا يحرص على وزن كلماته، ما أوقعه في مواجهة مع القضاء واستدعائه للتحقيق مرات. 

وفي السنتين الأخيرتين تولى زيان ملف الدفاع عن ضابطة شرطة تم فصلها بعد اتهامها لرئيسها المباشر بالتحرش. وبعد مغادرتها المغرب برفقة ابنتها الصغيرة متسللة عبر مدخل مدينة سبتة المحتلة، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم زوجها اليمني الجنسية، انضمت إلى أصحاب القنوات الرقمية المعارضة، وشرعت في بث فيديوهات تكيل فيها جملة من الاتهامات ضد إدارة البوليس المغربي. 

 فجأة، تم تسريب فيديو على موقع مغربي يظهر فيه محمد زيان عاريا كما ولدته أمه، وتبدو الضابطة المذكورة تجفف جسمه. فيديو قال عنه زيان أنه مفبرك من طرف أجهزة البوليس، وزاد من ثورته ضد مدير الأمن والمخابرات عبد اللطيف الحموشي، وضد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وأكثر من الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث كانت تتسارع القنوات الباحثة عن رفع عدد المشاهدات لنشر تصريحاته. 

وكان أحد أبنائه حكم عليه بالسجن، في بداية انتشار وباء كورونا بتهمة ترويج أقنعة غير مرخص بها. لكن زيان لم يصمت. 

ومن الطرف التي قام بها زيان، ليلة جلب فيها حفظة القرآن، افترش الأرض معهم أمام مبنى البرلمان لتلاوة المصحف كاملا على طريقة القراءة المغربية.  

وقبل أقل من شهرين صدر حكم قضائي بإفراغ النقيب السابق للمحامين من مكتبه بشارع محمد الخامس والذي يشغله منذ سنوات. 

نقطة فوق ريان 

وخلال أطوار محاكمته وقعت حادثة سقوط الطفل ريان في البئر التي هزت العالم، ولما شاهد صورة والدة الطفل الضحية على شاشة التلفزيون، وهي تتلقى هاتفيا تعزية الملك، هلل زيان مستبشرا باسم والدة ريان: وسيمة خرشيش، المتطابق مع لقب موكلته الضابطة الأمنية (وهيبة خرشيش)، وصرح أنه يتفاءل بهذه المصادفة، ناسيا أن لقبه لا يختلف عن الطفل الغريق سوى بنقطة واحدة فوق حرف "الراء"، وأنه مثله ذاهب صوب الغرق.  

إثر الحكم على زيان، عمّت موجة من التعاطف مع محنة رجل عجوز، ولم يعتد المغاربة محاكمة وسجن الوزراء الممارسين أو السابقين، والاستثناء حصل في سبعينيات  القرن الماضي، عندما اعتقل وزراء بتهمة الفساد، حظوا بالعفو لاحقا. 

وتضامن آخرون مع زيان لما تابعوا تصريحه: "في الثمانين من عمري لم يعد لدي ما أخسره، وأنه "لم يبق لدي ما أعمله في هذه الدنيا لأني صرت أبحث عن الآخرة". 

لكن الرجل المسن، ربما لا يتذكر أنه اختار لحزبه شعار "الأسد"، وانتقى  صورة أسد مشهور في المغرب، مرسوم على علبة أعواد ثقاب، وعوض الانتباه لهيبة الأسد، فإن ما بقي عالقا بأذهان الناس هو عود الثقاب. والسؤال هنا لا يخص شكل أسد افتراضي مهزوم، أو فصيلته الأطلسية المنقرضة، بقدر ما تهم حالة أعواد الثقاب، وقد تأكد أن بها بلل، وأن لا ضرر يخشى منها لو مست كومة حطب، بينما الخوف الأكبر يكمن في الحطب المثقل بسوائل قابلة للاشتعال، في ظل احتقان يسود واقعا مأزوما، مهيئا للانفجار في أي آن.  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).