Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لكن الحروب في حقيقتها جرائم بلا عقاب
لكن الحروب في حقيقتها جرائم بلا عقاب

عبد الرحيم التوراني

مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، استحضر البعض أسماء أوكرانية عديدة في ميادين الفكر والفلسفة والعلوم والسياسة، وحقول الأدب، والفنون والرياضة. أسماء رصعت لوحة المجد التليد للإمبراطورية الروسية، وإشعاع اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية في القرن العشرين، قبل انطفائه بتفتته وانهيار المعسكر الشرقي في التسعينيات الماضية.

نذكر أسماء نيكيتا خروتشوف، وليونيد بريجنيف، وقسطنطين تشيرنينكو، وميخائيل غورباتشوف، وكل هؤلاء تولوا رئاسة الحزب الحاكم ومسؤولية قيادة الاتحاد السوفياتي.

إلا أن أوكرانيا منفردا متفردا هو ليون تروتسكي، من أبرز زعماء ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، كان الأقرب إلى الخط الفكري اللينيني وإلى توجهات لينين السياسية، بل يقال إن لينين كان يقدره ويحظى بمكانة مميزة لديه، ومما تذكره روايات تاريخية أنه كان أكثر شعبية وجماهيرية من لينين نفسه، لذلك كان ينتظر أن يخلفه في القيادة. وهو من أشهر أقطاب منظري الفكر الماركسي في العالم. حتى بعد رحيله ظل دائما شخصية مثيرة للجدل وظل يستقطب المحازبين والأنصار. واليوم تسطع إحدى مقولاته المضيئة التي صارت حكمة بليغة، مستقاة من التاريخ البشري ومن التجارب الإنسانية العميقة.

يقول تروتسكي: "قد لا تكون مهتما بالحرب.. لكن الحرب مهتمة بك".

والحرب الجارية اللحظة في منطقة جغرافية محددة من هذا العالم لها انعكاساتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والجيوسياسية على باقي أرجاء العالم، فمهما نأى المرء عن نيرانها بمسافات، فإن لهيبها سيلفحه شاء ذلك أم أبى. وها نحن نشاهد منذ الآن كيف شرعت هذه الوغى الهيجاء على الفور وقبل أن تخبو شراراتها أو تبرد شرورها، في توزيع لهيب حرائقها بالجملة وبالمفرق على ساكنة كل القارات.

واهمٌ من يعتقد أنه بعيد عن الحرب، لمجرد أنه يبعد عن ساحتها بآلاف الكيلومترات، حين سيجد نفسه وهو المقيم بقارة ثانية نائية، متابعا بهذا القدر أو ذاك أخبار وتطورات الصراع العسكري المحتدم فوق أراضي أوكرانيا. فلم يعد بالإمكان تناسى أننا في عصر الانترنت وسباق المعلومات، مما يزيد من حدة وطيس الحرب لتصل أصداء معاركها حيث لا يتوقع ويزودك بأخبارها من لم تزود. ولنكتشف من جديد أن التاريخ البشري منذ بدء الخليقة، ليس سوى حقب وعصور ممتدة من الحروب المتلاحقة، حرب تلد أخرى من تحت رماد الفتن والأحقاد، ومراكمات العصبيات القومية والدينية والطائفية والمذهبية. وأرقام بلا حصر من القتلى والضحايا. وأنه رغم التقدم الظاهر والملموس والتطور التكنولوجي العالي الذي حققه العقل البشري، فإن الحقيقة تقول إننا نكاد لا نختلف عن الأسلاف الأوائل، الذين لجؤوا لحل نزاعاتهم بلغة الدم والقتال، وقد آمنوا بثنائية النصر والهزيمة، من اعتقادهم بالخير والشر، والدنيا في نهاية الأمر بالنسبة إليهم مجرد مصالح وأهداف لا يمكن حسمها إلا بمنطق القوة.

كمٌّ هائل من الأخبار والصور والفيديوهات، ومن التصريحات والخطب والتحليلات العسكرية والدبلوماسية والسياسية، والتدوينات والتغريدات، والمراسلات الميدانية من عين الحرب. كمٌّ غير مسبوق ينهال الآن على الرؤوس بوتيرة أسرع من سرعة تساقط القذائف والصواريخ فوق أهدافها، حيث الجميع صار بصيغة المفرد محاصرا وعالقا في لجة حارقة، ولا مجال للإفلات من الوابل المنهمر كصخور فوق الجماجم المكشوفة والصدور العارية.

ومثل مباراة في رياضة كرة القدم، (باعتبارها الرياضة الأممية الأولى التي تنهل أكثر من قواميس الحروب ولغة الهجوم والدفاع)، شطرت حرب روسيا وأوكرانيا العالم إلى جمهور كبير منقسم، يتضح حتى الساعة أن غالبيته تميل للانتصار للفريق الأوكراني، بينما مجريات الواقع تظهر لحد الساعة تفوق الفريق الروسي على أرضية الميدان، والمباراة لم تنته بعد، ولا تعرف مدتها الافتراضية، وما إذا كانت ستضاف إليها أشواط إضافية، أو ستنتهي بضربات الجزاء الحاسمة، أو ركلات الحظ غير المنصفة أحيانا.. بل إن لا أحد يعلم متى توقيت صافرة نهايتها، خصوصا أنها تدار من دون حكام متوافق على شرعية قراراتهم. لكن لا يجب أن نغفل من لا نراهم يجلسون في الغرف الموصودة، تماما مثل حكام "الفار" في الفوتبول، يترصدون "الأخطاء" ويقومون بتسجيلها إلى حين، وكلهم رغبة في إطالة عمر الحرب حتى تحقيق الأهداف التي يسعون خلفها! ولا محيد عن غالب ومغلوب!

أما في الجانب المتعلق بالجماهير العربية، وجماهير ما يطلق عليه العالم الثالث، فرغم إدراكهم للحقيقة الناصعة، حدث لهم ما يشبه الصدمة والمفاجأة المتوقعة، وهم يشاهدون كيف يهتم العالم الغربي بالأوضاع الإنسانية المترتبة عن التدخل الروسي في بلد آمن، وكيف انتفض وتداعى هذا الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، لمساندة الشعب والحكومة في أوكرانيا، وكيف فتحت أوروبا ذراعيها وأبوابها لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين الفارين من ويلات الحرب، حتى الجهات والأوساط الأوروبية المعروفة عادة بعنصريتها المقيتة، باتت بين ليلة وضحاها متسامحة ومتعاطفة، وسرت في أوصالها نبضات الإنسانية والتضامن مع ضحايا الحرب المشتعلة الآن بشرق أوربا.

هذا المشهد الدافئ أعاد إلى الأذهان ما جرى، ولا يزال، من مواقف الخذلان تجاه ضحايا آخرين، من إنتاج مآسي النزاعات والحروب التي عرفتها وتعرفها الجغرافيات الممتدة في أكثر من منطقة في العالم، في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق، وفي ليبيا واليمن وأفغانستان والصومال...

فمنذ عقود وهذه المناطق وغيرها تعاني من كوارث الحروب ومن فظائعها على البشر والشجر، مناطق منكوبة غارقة في الدم وفي الفوضى وفي الحرائق وانعدام السلم والأمان، وشعوبها تتلاشى رويدا وسط القهر والتشرد والتخلف والفساد، والظلم والأمراض والفقر والجوع والتجويع والجهل والتجهيل، وهي مصائب لا تقل خطورة عن أسلحة ما يسمى بـ"الدمار الشامل". والقوى العظمى التي تزعم المحافظة على السلم والسلام والأمن في العالم، لا تغض الطرف فقط عما تعانيه البشرية المنكوبة، بل هي من أسباب نكبتها، وهي من يجتهد للإبقاء على جذوة جمر البؤس والمآسي.

في هذا السياق تعددت التدوينات والفيديوهات التي انتشرت بمواقع التواصل الاجتماعي، مع الطرائف والنكت التي تستدعي "ضحكا كالبكا"، منها هذه التدوينة المتداولة عبر الواتساب:

أربعة ايام فقط في الحرب علمتنا كثيرا من الدروس:

- الدعوة لتطوع الأجانب بطولة في أوكرانيا .. ولكنها دعوة للإرهاب لو كانوا مسلمين.

- الضابط الأوكراني الذي فجر نفسه هو بطل..، لكنه لو كان مسلماً فهو إرهابي.

- تضامن الشخصيات الرياضية مع أوكرانيا حق أصيل، ولكنه ممنوع عندما كتب اللاعب المصري محمد أبو تريكة على التيشيرت (تعاطفا مع غزة).. ويستحق كذلك العقاب عليه.

- دعم أوكرانيا بالسلاح حق مشروع للدفاع عن النفس، بينما دعم غزة بالسلاح إجرام و يعاقب صاحبه بالسجن. 

- مقاطعة روسيا اقتصاديا واجب إنساني، بينما مقاطعة إسرائيل إجرام وتعدي على حقهم المشروع في الدفاع عن النفس.

إننا نعيش في عالم منافق بامتياز.

وكأنها "دعوة صريحة لتوزيع الحرب والمأساة والجحود واللاتضامن بالقسطاط، فمثلما عاملتم محنتنا، يجب أن تكون المعاملة ذاتها للأوكران". علق أحد الفيسبوكيين، مطالبا بالتضامن مع شعب أوكرانيا من دون اعتبار لجحود غربي ضد الشعوب العربية وشعوب البلدان الفقيرة، وعلينا ألا نتقدم إلى العالم كأننا "يتامى التاريخ".

وبالعودة إلى المواطن السوفياتي - الأوكراني، ليون تروتسكي، الثوري المغامر كما يوصف،  لنتساءل، عماذا كان سيكون موقفه، لو كان اليوم بيننا، إزاء التدخل الروسي اليوم في بلده الأصلي أوكرانيا.

 هل كان تروتسكي، من منطلق الحنين سينهض لإحياء المارد السوفياتي، وانسجاما مع نظريته القائلة بـ"الثورة الدائمة" لنشر هيمنة الإيديولوجيا الروسية السابقة في العالم، سينضم إلى بوتين في مواجهته للإمبريالية الغربية، ويساند القوات الروسية وريثة "الجيش الأحمر" الذي أسسه تروتسكي وبنى قواعده، لما كان عضوا بالمكتب السياسي في الحزب البلشفي؟ 

أم أن روح الانتقام من قتلته، من عصابة السوفياتي- الجيورجيي الرجل الفولاي، ستغلي صدره، وتؤججه بمزيد من العداء للرفيق جوزيف ستالين، فيتراجع عن أفكاره المتطرفة، خصوصا وهو يشاهد المدينة التي رأى بها النور في عهد الامبراطورية الروسية، مدينة "خيرسون" تسقط  بيد القوات الروسية، فينقل سلاحه من كتف إلى كتف لمساندة الرئيس الأوكراني لتحرير الوطن من الغزاة، ويعتبر أن والدي الكوميدي فولوديمير زيلنسكي هما من نفس ديانة والدي تروتسكي، وأن اليهودية شكلت بالنسبة له عائقا واضحا، وإن لم يقف عنده طويلا، بينما هي من أسباب عدم اعتلائه عرش الكرملين ببلد غالبيته مسيحية أرثوذكسية؟  

هنا سيقسو قلبه. وساعتها سنقتبس بتصرف ما قاله برنارد شو مرة عن تروتسكي:

"لا شك أن تروتسكي سيسعى لقتل وريث الدكتاتورية الستالينية، وسيحمل رأس بوتين المقطوع عاليا ويعرضه أمام الكاميرات، صائحا: أنظروا.. لا يوجد دماغ داخله".

كيف بالإمكان مقارنة رأس برأس؟ فما بالك برأس تروتسكي، الذي أقض مضجع عدوه حتى وهو في الأقاصي البعيدة بأميركا اللاتينية، فأرسل إليه من تولى مهمة تفجير دماغه، ذات صيف حارق بمنجل جليدي في عام 1940 بالمكسيك.

وإن كان الاسباني عميل الـ"الكا جي بي" الذي نفذ اغتيال ليون تروتسكي جرت محاكمته وحكم عليه بالسجن في المكسيك، فإن هناك من يتربص اليوم لاغتيال الكاتب الروسي فيدور دوستويفسكي والاعتداء على تراثه الخالد، وقد كان دوستويفسكي مؤيدا للحرب، وقاتل كجندي ضمن جيش القيصر، لكن معاصرين أوربيين من أعداء الروسي بوتين، ممن لم يطالعوا مطلقا أدب هذا الروائي العالمي العظيم، يحاكمونه الآن كمجرم حرب، كأنه هو من وراء غزو الجيران الأوكران وتحويلهم إلى لاجئين. وقد بدأوا معاقبته بإحراق كتبه، وهذا الفعل الجنوني ولا ريب لهو أكبر من "جريمة بلا عقاب".

لكن الحروب في حقيقتها جرائم بلا عقاب، مهما حكم على مرتكبيها يظل العقاب دون الجريمة.

هي الحرب، تترصد الوجود البشري على هذه الأرض، وتتوعده بالفناء، لتمضي في تسطير نهاية الإنسان بيده، مرة بالحجارة والنبال والرماح، وتارة بالسيوف والسكاكين والمناجل والراجمات، وحينا بالبنادق والمسدسات والمدافع، وطورا بالصواريخ والقنابل النووية. حتى الطلقة الأخيرة وآخر السطر..

ونقطة النهاية.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).