Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"نوستالجيا" اليسار تقابلها على الضفة "الإسلامية" رغبات بالثأر وتصفية حسابات
"نوستالجيا" اليسار تقابلها على الضفة "الإسلامية" رغبات بالثأر وتصفية حسابات

عريب الرنتاوي

عبّر تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" نشرته في الثاني من مارس، وأعده كل من ديفيد كلاود وبينويت فوكون وسومر سعيد، وجاء بعنوان: "U.S.Diplomatic Push for Ukraine Falters in Middle East Influenced by Russia"، عبّر التقرير عن المصاعب التي واجهتها الولايات المتحدة، في حشد حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط، لدعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي.. إسرائيل تمتنع عن تزويد أوكرانيا بدفاعات جوية متطورة، وتتلعثم في التعبير عن إدانتها للغزو، وتعرض دورها كوسيط بين الفرقاء بدل أن تكون داعماً لفريق ضد آخر.. دول الخليج، تمتنع عن زيادة إنتاجها من النفط، وتكتفي بتحويل بعض شحنات الغاز من آسيا لأوروبا، فيما تبرم إحداها (الإمارات) صفقة مع روسيا قوامها: الامتناع عن التصويت في الأمم المتحدة مقابل إحجام روسيا عن استخدام "الفيتو" ضد قرار بإدراج الحوثيين في قوائم الإرهاب.. مصر والأردن، لم تكونا في حال مختلف، وكذا بعض دول المغرب العربي الصديقة لواشنطن.

والحقيقة أن تقرير الصحيفة الأميركية لم يأتنا بجديد، نحن أبناء المنطقة، فقد كنّا نتلمس حجم التطور في العلاقات الروسية مع الإقليم، وتوسع شبكة المصالح والعلاقات الني نسجتها روسيا مع دوله في السنوات الأخيرة، مستفيدة من تراجع الدور الأميركي في المنطقة، والمخاوف بشأن "تخلي" واشنطن عن حلفائها وخذلانها لهم، سيما بعد الانسحاب من أفغانستان واقتراب إحياء الاتفاق النووي مع إيران...وعلى موقع الحرة (20 فبراير)، أي قبل الغزو بأربعة أيام، كنا ذهبنا في الاتجاه الذي ذهب إليه تقرير الصحيفة الأميركية، ولفتنا في مقالة تحت عنوان: "الإقليم والأزمة الأوكرانية: حين يلتزم حلفاء واشنطن "الصمت" و"الهدوء"؟"، إلى المصاعب التي ستواجه واشنطن مع حلفائها، وهي تسعى في تحشيدهم خلف قيادتها لـ"المنازلة الكبرى" مع روسيا.. ولعلنا فيما ذهبنا إليه، لم نكن "نضرب بالرمل"، بل نقرأ في معطيات الإقليم من حولنا، وأدوار اللاعبين الدوليين المتغيرة على امتداد مساحته.

على أننا ونحن نرقب زيادة الاهتمام الإعلامي والسياسي بتتبع مواقف العواصم العربية والإقليمية من الأزمة الأوكرانية، لم نجد اهتماماً مماثلاً، بتتبع وتحليل اتجاهات الرأي العام العربي حيال هذه الأزمة، ومردّ ذلك في ظني، يعود لسببين اثنين: الأول؛ محدودية الدور الذي يضطلع به الرأي العام في صياغة السياسات العمومية لأنظمتنا وحكوماتنا والتأثير على قراراتها وتوجهاتها.. والثاني؛ صعوبة الغوص في ثنايا ودهاليز الأدوات والوسائل التي يعبر بها المواطنون العرب عن مواقفهم وتوجهاتهم، سواء حيال هذه الأزمة أو غيرها من الأزمات.. هنا، وفي هذه المقالة، سنتوقف عند بعضٍ من أبرز الاتجاهات والظاهرات التي طفت على سطح التعليقات والمواقف العربية، غير الرسمية.

المفارقة الأكثر لفتاً للانتباه، هي انقسام التيارات الفكرية الرئيسة حول الموقف من الأزمة، وفقاً لخطوط التماس الإيديولوجية التي تفصل بينها بالأساس، وكان لافتاً أن معظم، إن لم نقل جميع، قوى اليسار والقوميين العرب، ذهبت إلى تأييد الكرملين من دون تحفظ، حتى أنك تشعر وأنت تقرأ بعض المواقف والتعليقات، أن "القوم" لم يصلهم بعد، نبأ انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، وأنهم يتعاملون مع بوتين وحزبه، بوصفهما امتداداً للحقبة الشيوعية، أو "الستالينية" في ثوبٍ جديد.

بعض "عقلاء اليسار" كانوا أكثر ذكاءً في تبرير دعمهم للاجتياح الروسي لأوكرانيا، فهم عللوا مواقفهم تلك، بالقول إن مصلحة العالم الثالث والعالم العربي وقوى التحرر، إنما تكمن في الخلاص من براثن نظام "القطب الواحد"، وولوج عتبات نظام تعددي القطبية، ناهيك بالطبع، عن سيل لا ينقطع من الأحاديث عن "فظائع" السياسات الأميركية والغربية على امتداد المنطقة.

واللافت للانتباه، أن اليساريين والقوميين ليسوا وحدهم، من لا يزال يتصرف مع روسيا بوصفها طبعة منقحة عن الاتحاد السوفيتي، فالإسلاميون كذلك، وعلى اختلاف مدارسهم ومشاربهم، سلكوا الطريق ذاته، وإن بهدف الوصول إلى "نهايات" مغايرة، فحملات الشجب والإدانة لروسيا، لم يوازيها في خطاب هؤلاء، سوى الاحتفاء باستنفار الغرب بعمومه ضد روسيا و"القيصر" وإقدامه عن فرض أقصى العقوبات وأشدها في التاريخ، على الاتحاد الروسي.

"نوستالجيا" اليسار والقوميين لزمن الاتحاد السوفيتي، تقابلها على الضفة "الإسلامية"، رغبات بالثأر وتصفية حسابات بائتة، من أفغانستان إلى الشيشان.. الفريق الأول، لا يعطي وزناً لكل الآراء التي تتحدث عن أحلام "امبراطورية" روسية، أو قل "إمبريالية جديدة"، تدمج في ثنايا خطابها القومي-الروسي بالديني-الأرثوذكسي.. أما الفريق الثاني، فلا يتردد في استحضار مقولات غريبة عن خطابه المُؤَسس، من نوع: حقوق الانسان والتعددية والديمقراطية، فينخرط متحمساً في معركة الخير على الشر، والحرية على الاستبداد، والنور ضد الظلام، في تماهٍ ليس جديداً عليه، مع حروب الغرب ومعاركه، زمن الحرب الباردة.

مفارقة ثانية، تصدر عن شعوب عربية محتلة، كلياً أو جزئياً.. فأنت تُصدم حين ترى فلسطينيين أو سوريين وليبيين وعراقيين ويمنيين، يدافعون عن قرار روسيا باحتلال أوكرانيا، وتغيير نظامها السياسي بالقوة، وتجريدها من السلاح لضمان حيادها، واقتطاع أجزاء منها بقوة الأمر الواقع، بل والطلب إلى كييف الاعتراف بكل هذه المطالب والاقتطاعات.. مع أن هذه الشعوب، سبق لها وأن خبرت الاحتلالات والتهجير لأزيد من سبعين عاماً (الفلسطينيون بخاصة)، وكانت ضحية "حروب الوكالة" بين أطراف إقليمية طامعة وتدخلية، ومرت بتجربة "تغيير النظام" بالقوة (قوة الخارج)، وانتهت إلى ما هي عليه، من فوضى وخراب واحتراب.

مفارقة ثالثة، تتجلى في شغف الرأي العام العربي، أو قسم كبير منه على الأقل، بفكرة "المستبد القوي"، عادلاً كان أم ظالماً.. منتخباً كان أو انقلابياً.. فثمة موجة من الارتياح لما فعله بوتين، لأنه استحق صورة "البطل" الذي تحدى واشنطن وأوروبا والناتو، مبقياً صندوق الأزرار النووية على مقربة منه دائماً.. وهو ذاته الذي ألهب "المخيال الشعبي"، كما فعل صدام حسين من قبل، وكما يفعل رجب طيب إردوغان من بعد... بوتين تفوق على هذين الأخيرين، لأن حربه مع الولايات المتحدة، أكبر مدى وأوسع نطاقاً، ولأن أدواته فيها أكثر فتكاً وتدميراً.. وإذا ما سقطت صورة "البطل" هذه، على مزاج شعبي عام، مناهض تاريخياً للولايات المتحدة، فإن الصورة ستتضخم وتأخذ أبعاداً جديدة من دون شك.

المفارقة الرابعة، وتحديداً لدى شعوب الدول العربية الأكثر فقراً، والمستهلكة للطاقة بكل أنواعها، أنها في الوقت الذي تأخذها فيه الحماسة، لأبعد مدى في تأييد هذا الفريق أو الانحياز لذاك، فإن أعمق المخاوف تجتاحها من مغبة تفاقم أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ومستويات دخلها ومعيشتها، جراء تفاقم الأزمة الأوكرانية وامتدادها.. "عنتريات" الدعم والتأييد هنا، لا تصمد طويلاً، أمام مخاوف ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود والقمح هناك، سيما في المجتمعات التي تقف غالبية مواطنيها، على عتبة الفقر أو تقبع في قعره.

لكن هذه المفارقات على بؤسها، وبؤس العقل الذي انتجها، لا تحجب للحظة واحدة، حقيقة أن ثمة أصواتاً عربية عاقلة، تعلمت من دروس التاريخ، قديمة وحديثة، وتنظر للمسألة بعقل بارد، وليس بمشاعر جيّاشة أو غرائز منفلتة.. قراءات موضوعية وهادئة لأسباب الأزمة وسياقاتها، ودوافع أطرافها، ومآلاتها، وانعكاساتها على المنطقة، صدرت عن "أقلية" من قادة الفكر والنشطاء، لا نعرف حجمها.. الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى هذه "الأصوات" والإشادة به، فهل بصيص ضوء في نهاية النفق، والشاهد على أن ثمة عرباً ما زلوا يرفضون تأجير عقولهم أو الدفع بها للاستقالة.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).