Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

زيلينسكي أيد الضربات الإسرائيلية في غزة
زيلينسكي أيد الضربات الإسرائيلية في غزة

عبد الرحيم التوراني

... وكما أن منطق الحروب، لا يمكن تبريره أو تمريره، خصوصا في هذا العصر، تفاجئنا الحرب الروسية في أوكرانيا بكثير من اللامنطق، وبإنتاج مزيد من أثقال المواقف المتناقضة، كونها موغلة في الكيل بأكثر من مكيال.  

إن الهجوم بالأسلحة الفتاكة ضد مدنيين عزل يتطلب الإدانة المطلقة، لا إضفاء الشرعية عليه، أو إهماله وتجاهله، والتعامل معه وفق حسابات عنصرية.  

ولنضرب مثلا قريبا، تدمير منازل الفلسطينيين وتقتيلهم وتشريدهم، يعتبر لدى البعض دفاعا شرعيا لإسرائيل. بالمقابل، الهجوم الروسي، الحاصل اليوم على أوكرانيا، يواجه بالشجب والتنديد بكل قوة، ويستوجب التضامن مع الضحايا الأوكرانيين، واحتضانهم ومساعدة اللاجئين منهم، ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلا.  

فجأة، تُقلب قواميس السياسة لتفتح على معان وتعريفات "إنسانية" جديدة وغريبة.  

انتبهوا جيدا، لفظة "لاجئ" ليس لها المعنى ذاته. هناك فرق بين لاجئ وآخر. ولتبدأ بتفحص شكله ولون بشرته وعينيه، وإذا اقتضى الأمر التأكد من عقيدته الدينية. ولست مطالبا بمثل هذا العبء إذا كنت أمام  لاجئ أفغاني أو سوري أو إفريقي، إن هيئته تخبرك عنه وتفضحه عن بعد، ولك كامل الحق في ممارسة ما يمليه عليك مخزونك من مواقف قد يعدونها "غير أخلاقية"، ودعك من إحساس بالذنب أو شعور بوعي شقي! 

*** 

رغم أن مروجي الأخبار الزائفة غير مرغوب في سلوكهم ولا في بضاعتهم المضللة، فإننا نرفع القبعة عالية، لنؤدي التحية لمن كان وراء كشف الزيف الذي تنهجه جهات غربية بلا أدنى خجل، حين عمد إلى نشر صورة لانهيار مبنى عالٍ (من 15 طابقا)، وأرفقها بتعليق يقول إنها صورة من فعل الصواريخ الروسية بأوكرانيا.  

كان ضروريا أن تستقطب هذه الصورة المأساوية كامل التنديد والغضب الشديد، والتضامن والتعاطف القوي مع الضحايا الذين قضوا تحت الأنقاض والردم. لكن سرعان ما كشف الخبراء حقيقة تلك الصورة، إذ لم تكن قادمة للتو من "حرب بوتين على أوكرانيا"، ولكنها صورة توثق لانهيار برج "الشروق" وسط غزة، جراء قصف الجيش الإسرائيلي بالطائرات الحربية وتدميره بالكامل، بتاريخ 12 ماي 2020. 

صورة غزة المطابقة لصورة أوكرانيا، كانت تذكيرا بزيف وظلم عالم واسع من المتواطئين، وفضحا للنفاق ولمدى ازدواجية المقاييس. 

بالمناسبة، استعاد المتتبعون تصريحات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنيسكي، كان أعرب فيها عن دعمه الكامل وغير المشروط للهجوم الإسرائيلي على غزة ذلك العام. بالرغم من أن القصف الصاروخي له لغة مدمرة واحدة، وقتلاه نالوا المصير نفسه لقتلى المباني المنهارة بأوكرانيا اليوم، والنساء الثكالى ووجعهن وآلامهن هي ذات الأوجاع والآلام التي تكبدتها نساء غزة، والأطفال من الجرحى والمصابين والمصدومين في غزة، هم من بني البشر، وقع لهم ما يقع الآن لأطفال العاصمة كييف وأخواتها...  

يومها لم يتعاطف زيلينسكي مطلقا مع محنة اللاجئين الفلسطينيين، ولم يعتبرهم ضحايا لأية جريمة. 

هنا نقف أمام "عدالة" الكارثة، بخلاف سلالات محسوبة على بني البشر، إذ أن كوارث الحرب لا تمارس التمييز العنصري حين تمضي في أهدافها فاتكة بضحاياها.  

ما معنى التعاطف مع ضحايا حرب أبرياء، والتغاضي عن ضحايا حرب أخرى؟ 

كيف يجري الترحيب باللاجئين، إذا كانوا من ذوي البشرة البيضاء والعيون الزرق، وكيف تغلق الحدود وتقفل الأبواب في وجوه لاجئين آخرين، لأن هيأتهم هي "تهمتهم"، كانوا عربا أو أفارقة أو أسيويين؟؟ 

إن ثلاثية "اللون والدين والعرق" تتحول إلى جواز المرور الوحيد المعترف به في مثل هذه الأحوال "الإنسانية" العصيبة! 

*** 

في المراكز الحدودية تجري عملية فرز الطوابير الممتدة. وكأنه يوم القيامة وساعة الحساب. المؤمنون، (البيض البشرة) مأواهم الجنة، والمذنبون (الملونون) إلى جهنم وبئس المصير!  

قليل على مثل هذه المواقف إذا وصفناها بالعنصرية وبالمعاداة للآخر، الآخر المختلف المنتمي لأعراق وثقافات مغايرة. 

لسنا بصدد استنكار التعاطف الإنساني مع ضحايا الحرب في أوكرانيا، ولكننا نعبر عن رفض المواقف المارقة والبغيضة، التي لا تقل فتكا وخطورة عما تمارسه النخب السياسية الغربية وبعض وسائل الإعلام المساندة لها، من تضليل وخداع أخلاقي، لما تلجأ إلى تغطية (بمعنى إخفاء) الأفعال العنصرية لتلك النخب المسيطرة والحاكمة، وتجتهد لتوفير الحصانة لمن لا يستحقها من القتلة والمجرمين، مممن لم يتخلصوا من أحلام زمن مقيت، حتى أن بعضهم لم يعد يجد أدنى حرج في الجهر بعنصريته والتعبير عن حنينه الاستعماري.  

كما لسنا بصدد إيجاد تبريرات للتدخل الروسي في أوكرانيا، هذا التدخل الذي تحول معه بوتين إلى "شخص منبوذ"، بل مطلوب لجرجرته أمام المحاكم الدولية بصفته مجرم حرب... 

 لكن، مهلا.. ماذا يسمى ما فعلته بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الغربي العريض، حين أعطي الأمر لجحافل الجيوش المدججة بغزو العراق وأفغانستان؟  

أليس هذا من صميم ما فعله اليوم الرئيس الروسي بوتين، وهو يعتدي على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وينتهك القانون الدولي؟ 

هنا نعود إلى نقطة البداية، أي الكيل بمكيالين واقتراف ازدواجية المعايير! 

*** 

ولأن أول ضحايا الحرب هي "الحقيقة"، فإن الواحد تتقلص قدرته على الفهم والتركيز، وهو تحت شلالات منهمرة من أحاديث الخبراء العسكريين والمسؤولين السياسيين والمحللين الإعلاميين، فيحار في إدراك الخبر الحقيقي من الزائف المضلل والدعائي (البروباغندا).  

وقد سمعنا بوتين يكرر زعمه بأنه "يحارب النازيين". هل هي استعارة لفظية فارغة مقتبسة من الحرب العالمية الثانية، 

 أم هي حقيقة جلية لا غبار عليها؟ 

الواقع هو أن هناك فعلا ميليشيات "نازية جديدة" في أوكرانيا. وسبق لوسائل الإعلام الغربية الكبرى أن تحدثت عنها قبل نشوب الحرب. فقبل حوالي خمس سنوات، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تحقيقا عن "النازيين الجدد" بأوكرانيا، ذكرت فيه أنهم "جماعات شبه عسكرية، لا تتورع عن استخدام العنف لتحقيق أهدافها التي تتعارض بالتأكيد مع الديمقراطية المتسامحة ذات التوجه الغربي".  

كما أن تقارير عديدة تحدثت عن عنف اليمين المتطرف والقومية المتطرفة وتآكل الحريات الأساسية في أوكرانيا. واستعرضت مذابح النازيين الجدد ضد الغجر، وهجماتهم الواسعة النطاق على الحركات النسوية ومجموعات المثليين. مع الإشارة إلى تمجيد الدولة في أوكرانيا لهذه الميليشيات العسكرية، ومنها كتيبة "آزوف" التي حظيت بدعاية كبيرة، وتشتهر بتبنيها لإيديولوجية "النازيين الجدد". كما تجدر الإشارة إلى أن حزبا من اليمين المتطرف، هو حزب "سفوبودا"، ممثل في البرلمان الأوكراني. 

لكن "واشنطن بوست"عادت اليوم لنسخ ما نشرته بالأمس، قائلة إن هذا الوصف مجرد "اتهام كاذب".  

وعلى خطى الصحيفة الأميركية صار المحللون الغربيون اليوم بنفي تلك "المزاعم والادعاءات"، واعتبارها دعاية روسية محضة.  

ورغم أن حجج بوتين التي يقدمها في هذا الصدد لا تبرر الغزو بأي حال من الأحوال، فإن البعض يجدها تتطلب لزوم الوقوف عندها ومنحها ولو بعض الاهتمام. 

*** 
حتى عندما يتم التعبير عن التضامن الإنساني للغرب مع أوكرانيا بشكل ملائم ومنطقي ووجيه، فإن الخلفيات العنصرية والتحيز الأوروبي لا يمكن التغاضي عنه بهذا الشأن. ووفق ما صرح به الخبير العسكري والباحث الفرنسي بيير كونيسا أن "الساسة في أوروبا يتصورون الأرض مسطحة والغرب هو مركزها، وكل شيء على الهامش هو أرض بربرية يمكن اجتياحها والتدخل فيها". 

إنها الحرب.. يعتقد البشر الغافل أنه يسيطر على مقاليده، وأنها يتقاذفها كما شاء بين أرجله كالكرة، في حين أنها هي من تطوح به إلى المجهول وإلى الفناء الذي يصنعه بيده.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).