Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم
يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم

رستم محمود

في شهر مارس من كل عام، وبينما تحتفل العديد من الحكومات والمؤسسات التربوية في دول المنطقة بمناسبة "يوم المُعلم"، فإن ملفا ضخما وحساسا في هذا القطاع يتم غض النظر عنه وتجاوزه تماما، يتعلق بكمية العنف الجسدي والنظري واللفظي التي يستخدمها قطاع واسع من المُعلمين تجاه الملايين من طلبتهم. 

إذ ثمة سجل عارم "غير مُفكر به"، يتمركز حول آليات استغلال هؤلاء المعلمين لعدد من خصائص الحياة العامة، للاستمرار في أفعالهم تلك، دون أية خشية من المتابعة والمحاسبة والعِقاب. تمتد من طبائع الفضاء الاجتماعي، الذي يمنح المُعلمين قداسة ما، متأتية من التقدير العالي الذي يتحلى به التعليم نفسه. وتمتد لترسانة القوانين والأعراف التربوية، التي تمنح المعلمين حمائية شبه مُطلقة، مقابل هشاشة جدار الحماية الذي يحظى به الطلبة. ولا تنتهي بالطبيعة البنيوية للمؤسسة التربوية، كواحدة من أجهزة الحُكم الرديفة للنُظام السياسي، وأهم أدواتها في إخضاع المجتمعات. 

كما كُل القضايا الحساسة والجذرية الأخرى في منطقتنا، فإنه ليس من إحصاءات دقيقة تحدد نسبة الطلبة وكمية ونوعية العنف الذي يتعرضون له في المدارس، لكن المؤشرات الانطباعية المباشرة تُشير بوضوح إلى أن النسبة العُظمى من المُدرسين يُمارسون أنواع مُركبة من ذلك العنف، بشكل شبه يومي، وبحق القاعدة الأوسع من الطلب، وأن أعدادا قليلة من هؤلاء المُعلمين يتعرضون للمساءلة والمحاسبة على أفعالهم تلك. 

من هنا بالضبط تتولد أكبر أوجه المعضلة، فعنف المدرسين تجاه طلبتهم يكاد أن يكون أكثر فضاءات الشأن العام عتمة، بالرغم من فظاعة تأثيراته على الحياة العامة، من خلال ما يتركه من رضوض وآثار نفسية على شخصيات القواعد الاجتماعية الأوسع، وبشكل مستمر. إذ لا دراسات بحثية ذات قيمة ومضمون تابعت ذلك، ولا نصوص أدبية أو أعمال فنية راصدة ومتابعة له، والأهم لا كلام اجتماعيا أو ثقافيا أو معرفيا حوله، وطبعاً ليس من أي تناول سياسي أو إيديولوجي له، بالرغم من خطورته وجذرية تأثيره. 

لا يعني الأمر تعميما مُطلقا بأي شكل، إذ دون شك، ثمة معلمين ومدارس بدون عنف تجاه الطلبة. لكن وقوع العنف على النسبة الأكبر من الطلبة، واستمراره بشكل متواتر، وعدم خضوعه لآليات المراقبة والمحاسبة، إنما يحوله إلى ظاهرة حقيقية، تكاد أن تكون بنية.  

قبل عدة أعوام، كان كاتب هذه السطور قد أعد كتابا بعنوان "صفحات من دفتر قديم"، نشرته دار المتوسط الإيطالية، سرد وشرح من خلاله سبعة كُتابٍ وروائيين سوريين، من سبعة أجيال متتالية بشكل منظم، سردوا مذكراتهم المدرسية، بحيث كانت النتيجة المباشرة المستخلصة من تلك السرديات المتلاحقة، اكتشاف مدى الترابط الطردي الحتمي بين الأوضاع السياسية والقانونية والاجتماعية العامة في دولة مثل سوريا وبين "جودة العملية التعليمية والتربوية"، حيث أن كمية وشكل ممارسة العنف المدرسي من قِبل المُعلمين تجاه طلبتهم تقف على رأس سلم "جودة التعليم" ذاك، ومؤشراته. وكيف أن تلك الممارسات التي يُمكن تصنيفها تحت يافطة "الانتهاك العام"، تساهم بدورها بإنتاج خصائص وفضاءات عامة، تمتاز بهيمنة العنف وانتشار الذكورة وسيادة العسكرة وانتشار التطرف، لأنها تُجهز العالم النفسي للقواعد الاجتماعية الأوسع لأن تكون ملبية لتلك الشروط. 

لذلك، وبناء على دراسات أخرى، أغلبيتها أنتجت في خارج منطقتنا مع الأسف، يُمكن رسم مماثلة دائمة بين العالمين السياسي والتربوي في أية دولة كانت.

لا يمكن فعل ذلك لأن التعليم واحد من مؤسسات الدولة التي يصبغها النظام السياسي الحاكم ببصمته فحسب، بل أيضاً للسعي الحثيث من قِبل قطاع واسع من طبقة المُدرسين هؤلاء لاستخدام نفس الأدوات والآليات الحمائية التي تتستر وتمركز حولها نُخب الحُكم في تشييد سُلطتها وتغييب أفعالها، فالمعلمون في المحصلة مثل باقي أفراد المجتمع، متلهفون لمراكمة سُلطة ما، أيا كانت، وتحصينها بالأدوات اللازمة، التي يُمكن تصنيفها أساساً إلى ثلاثة:

من جهة أولى، ثمة لهاث من قِبل الفضاء التعليمي لمنح المُعلمين مكانة مُقدسة، متعالية ومتجاوزة لأية هوية تعاقدية وظيفية مدنية/علمانية. فالمُدرسون يستميتون في أخذ مكانة تجمع فوقية الأبوة مع سطوة الشخصية المشيخية. يرفع عنهم ذلك الموقع أية إمكانية للملاحظة والنقد، وتاليا لإمكانية المراقبة والضبط والمحاسبة. فالمُدرسون في الفضاء التعليمي، وفي وعيهم لذاتهم، ليسوا مُجرد موظفين عمومين، مُعينون حسب عقود قانونية تفترض بهم أداء خدمة عامة مقابل أجر، ضمن حقوق وواجبات محددة، بل مُعتبرون ككائنات خاصة للغاية، بالذات في علاقتهم مع طلبتهم. 

يطابق ذلك تماما الأنظمة الشمولية العنيفة، التي تستميت بدورها في استحصال أبوية متفوقة على أي دستور أو قانون مدني. فالحاكم في الممارسة الفعلية وفي وعيه لنفسه، ليس مُجرد موظف في الجهاز الحكومي، حسب تعاقد دستوري يُحدد سُلطته وحقوقه وواجبه، بل هو الإله الأرضي، الممثل لكل القيم المجيدة، من أبوة فوقية ومكانة مُقدسة ودور نبيل، متجاوز لأي قانون أو مراقبة ومحاسبة. 

من جهة أخرى، فإن عالم المُدرسين كان على طول الطريق مستفيدا من البنيان والسلطة الجهازية التي تتلحى بها المؤسسة التربوية، مقابل هشاشة فردانية الطالب. بالضبط أيضا، شيء يشبه النظام العام للحاكم الشمولي وأجهزته الأمنية والعسكرية، من حيث علاقتهم مع المواطنين الأفراد. 

فالمُدرسون غالبا ما يملكون تضامنا داخلياً فيما بينهم، لو مارس أحدهم أي شكل من العنف تجاه الطلاب. بينما لا يملك الطلبة ذلك النوع من الوعي والإرادة والآلية التضامنية، وهُم ممنوعون عنها حتى لو انزاحوا لذلك. فالمعلمون المُعنِفون جماعة منظمة متضامنة، بينما الطلبة المُعنَفون أفراد دون أية هيكلية ناظمة أو مؤازرة متبادلة. 

كذلك ثمة تواطؤ كبير من قِبل القانون الناظم للعمل التربوي مع نُخبة المُدرسين هؤلاء في ممارستهم العنف ضد الطلبة.

فكما هي علاقة الحكام الشموليين مع دساتير بلادهم، فإن القوانين التربوية وإن كانت تمنع ممارسة العنف من قِبل المُدرسين ضد الطلبة، فإنها لا تُسخر أية ديناميكية تنظيمية جدية للمراقبة والمحاسبة. يحدث ذلك بدلالة ندرة حالات المحاسبة والعقاب على مستوى بلداننا، بالرغم من فداحة ممارسة العنف اليومي المنظم في الفضاء التعليمي. 

لكن الميزة المؤسساتية لعنف المُعملين تجاه طلبتهم تتكثف في علاقة مؤسستهم التربوية مع غيرها من المؤسسات الحاكمة، المعاضدة لها بالضرورة، من أجهزة الأمن وأقسام الشرطة، مرورا بالقضاء والقوى السياسية والنقابية. فتقريبا لم تشهد أي من دول منطقتنا حملات أو محاكمات أو ادعاءات ذات سياق، تم فيها القِصاص للطلبة من معلميهم المعنِفين، قامت به مؤسسة عمومية ما ضد المؤسسة التربوية. 

أخيراً، فإن البيئة الاجتماعية هي الفضاء الأكثر مساهمة تشييد هذه الظاهرة القاتمة، من خلال خلقها وتبنيها لمزيج من هالة القداسة وموقع الاستثناء الذي يحظى به المعلمون في الوعي الاجتماعي. هذه القداسة التي تمنح المعلمين روح استسهال ممارسة العنف تجاه الطلبة، والإفلات الدائم من العقاب. 

فطبقة صغيرة جدا من المجتمع تتحلى بوعي مدني تعاقدي تجاه المؤسسة التربوية، تملك وحدها ديناميكيات وشجاعة الدفاع عن حقوق أطفالها في الفضاء التعليمي، بينما تغرق النسبة الأكبر من هذه البيئة في غمامة تقديس المدرسين وملامة أبنائهم، أياَ كانت فداحة الأفعال التي يمارسها المُعلمون تجاه هؤلاء الأطفال. 

عادة ما يكون هؤلاء الأهل دون وعي إدراكي مناسب للحقوق وأشكال الحماية التي يوفرها القانون لأبنائهم، ويأخذون أدوار المعلمين وسلوكياتهم بإيجابية فائضة، ويحملون أبناءهم وزر ما يتعرضون له تعنيف، ويعتبرون أن المحصلة النهائية لهذا العنف المدرسي قد تكون لصالح أبنائهم. وهي كلها قضايا أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية والتربوية تهافتها وخطأها المُطلق.

على نفس المستوى، فإن الأهل بالعموم يستشعرون حرجا داخليا في رفض العنف الذي يمارسه المُعلمون تجاه أبنائهم، في وقت هُم أنفسهم يمارسون أنواعا من العنف تجاه أطفالهم في المنازل. فوق ذلك، لا يحملون وعيا فسيحا لإدراك الآثار المستقبلية لهذه العنف المدرسي على تكوين أبناءهم وشخصياتهم. 

في المحصلة، لو جمعنا العوامل الرئيسية الثلاثة في هذه الظاهرة، أي فوقية المكانة المقدسة مع الأدوار الحمائية التي توفرها المؤسساتية إلى جانب هشاشة قدرة الطلبة على حماية أنفسهم، فإنه لن يُنتج إلا الظلامة، وحيث في الظلام تُمارس كل الأفعال الشريرة، التي فوق شرها لا تُرى، وتاليا لا تُناقش وترُاقب، وبذا لا تُحاسب، بل تُنتج الآلام فحسب.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).