Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم
يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم

رستم محمود

في شهر مارس من كل عام، وبينما تحتفل العديد من الحكومات والمؤسسات التربوية في دول المنطقة بمناسبة "يوم المُعلم"، فإن ملفا ضخما وحساسا في هذا القطاع يتم غض النظر عنه وتجاوزه تماما، يتعلق بكمية العنف الجسدي والنظري واللفظي التي يستخدمها قطاع واسع من المُعلمين تجاه الملايين من طلبتهم. 

إذ ثمة سجل عارم "غير مُفكر به"، يتمركز حول آليات استغلال هؤلاء المعلمين لعدد من خصائص الحياة العامة، للاستمرار في أفعالهم تلك، دون أية خشية من المتابعة والمحاسبة والعِقاب. تمتد من طبائع الفضاء الاجتماعي، الذي يمنح المُعلمين قداسة ما، متأتية من التقدير العالي الذي يتحلى به التعليم نفسه. وتمتد لترسانة القوانين والأعراف التربوية، التي تمنح المعلمين حمائية شبه مُطلقة، مقابل هشاشة جدار الحماية الذي يحظى به الطلبة. ولا تنتهي بالطبيعة البنيوية للمؤسسة التربوية، كواحدة من أجهزة الحُكم الرديفة للنُظام السياسي، وأهم أدواتها في إخضاع المجتمعات. 

كما كُل القضايا الحساسة والجذرية الأخرى في منطقتنا، فإنه ليس من إحصاءات دقيقة تحدد نسبة الطلبة وكمية ونوعية العنف الذي يتعرضون له في المدارس، لكن المؤشرات الانطباعية المباشرة تُشير بوضوح إلى أن النسبة العُظمى من المُدرسين يُمارسون أنواع مُركبة من ذلك العنف، بشكل شبه يومي، وبحق القاعدة الأوسع من الطلب، وأن أعدادا قليلة من هؤلاء المُعلمين يتعرضون للمساءلة والمحاسبة على أفعالهم تلك. 

من هنا بالضبط تتولد أكبر أوجه المعضلة، فعنف المدرسين تجاه طلبتهم يكاد أن يكون أكثر فضاءات الشأن العام عتمة، بالرغم من فظاعة تأثيراته على الحياة العامة، من خلال ما يتركه من رضوض وآثار نفسية على شخصيات القواعد الاجتماعية الأوسع، وبشكل مستمر. إذ لا دراسات بحثية ذات قيمة ومضمون تابعت ذلك، ولا نصوص أدبية أو أعمال فنية راصدة ومتابعة له، والأهم لا كلام اجتماعيا أو ثقافيا أو معرفيا حوله، وطبعاً ليس من أي تناول سياسي أو إيديولوجي له، بالرغم من خطورته وجذرية تأثيره. 

لا يعني الأمر تعميما مُطلقا بأي شكل، إذ دون شك، ثمة معلمين ومدارس بدون عنف تجاه الطلبة. لكن وقوع العنف على النسبة الأكبر من الطلبة، واستمراره بشكل متواتر، وعدم خضوعه لآليات المراقبة والمحاسبة، إنما يحوله إلى ظاهرة حقيقية، تكاد أن تكون بنية.  

قبل عدة أعوام، كان كاتب هذه السطور قد أعد كتابا بعنوان "صفحات من دفتر قديم"، نشرته دار المتوسط الإيطالية، سرد وشرح من خلاله سبعة كُتابٍ وروائيين سوريين، من سبعة أجيال متتالية بشكل منظم، سردوا مذكراتهم المدرسية، بحيث كانت النتيجة المباشرة المستخلصة من تلك السرديات المتلاحقة، اكتشاف مدى الترابط الطردي الحتمي بين الأوضاع السياسية والقانونية والاجتماعية العامة في دولة مثل سوريا وبين "جودة العملية التعليمية والتربوية"، حيث أن كمية وشكل ممارسة العنف المدرسي من قِبل المُعلمين تجاه طلبتهم تقف على رأس سلم "جودة التعليم" ذاك، ومؤشراته. وكيف أن تلك الممارسات التي يُمكن تصنيفها تحت يافطة "الانتهاك العام"، تساهم بدورها بإنتاج خصائص وفضاءات عامة، تمتاز بهيمنة العنف وانتشار الذكورة وسيادة العسكرة وانتشار التطرف، لأنها تُجهز العالم النفسي للقواعد الاجتماعية الأوسع لأن تكون ملبية لتلك الشروط. 

لذلك، وبناء على دراسات أخرى، أغلبيتها أنتجت في خارج منطقتنا مع الأسف، يُمكن رسم مماثلة دائمة بين العالمين السياسي والتربوي في أية دولة كانت.

لا يمكن فعل ذلك لأن التعليم واحد من مؤسسات الدولة التي يصبغها النظام السياسي الحاكم ببصمته فحسب، بل أيضاً للسعي الحثيث من قِبل قطاع واسع من طبقة المُدرسين هؤلاء لاستخدام نفس الأدوات والآليات الحمائية التي تتستر وتمركز حولها نُخب الحُكم في تشييد سُلطتها وتغييب أفعالها، فالمعلمون في المحصلة مثل باقي أفراد المجتمع، متلهفون لمراكمة سُلطة ما، أيا كانت، وتحصينها بالأدوات اللازمة، التي يُمكن تصنيفها أساساً إلى ثلاثة:

من جهة أولى، ثمة لهاث من قِبل الفضاء التعليمي لمنح المُعلمين مكانة مُقدسة، متعالية ومتجاوزة لأية هوية تعاقدية وظيفية مدنية/علمانية. فالمُدرسون يستميتون في أخذ مكانة تجمع فوقية الأبوة مع سطوة الشخصية المشيخية. يرفع عنهم ذلك الموقع أية إمكانية للملاحظة والنقد، وتاليا لإمكانية المراقبة والضبط والمحاسبة. فالمُدرسون في الفضاء التعليمي، وفي وعيهم لذاتهم، ليسوا مُجرد موظفين عمومين، مُعينون حسب عقود قانونية تفترض بهم أداء خدمة عامة مقابل أجر، ضمن حقوق وواجبات محددة، بل مُعتبرون ككائنات خاصة للغاية، بالذات في علاقتهم مع طلبتهم. 

يطابق ذلك تماما الأنظمة الشمولية العنيفة، التي تستميت بدورها في استحصال أبوية متفوقة على أي دستور أو قانون مدني. فالحاكم في الممارسة الفعلية وفي وعيه لنفسه، ليس مُجرد موظف في الجهاز الحكومي، حسب تعاقد دستوري يُحدد سُلطته وحقوقه وواجبه، بل هو الإله الأرضي، الممثل لكل القيم المجيدة، من أبوة فوقية ومكانة مُقدسة ودور نبيل، متجاوز لأي قانون أو مراقبة ومحاسبة. 

من جهة أخرى، فإن عالم المُدرسين كان على طول الطريق مستفيدا من البنيان والسلطة الجهازية التي تتلحى بها المؤسسة التربوية، مقابل هشاشة فردانية الطالب. بالضبط أيضا، شيء يشبه النظام العام للحاكم الشمولي وأجهزته الأمنية والعسكرية، من حيث علاقتهم مع المواطنين الأفراد. 

فالمُدرسون غالبا ما يملكون تضامنا داخلياً فيما بينهم، لو مارس أحدهم أي شكل من العنف تجاه الطلاب. بينما لا يملك الطلبة ذلك النوع من الوعي والإرادة والآلية التضامنية، وهُم ممنوعون عنها حتى لو انزاحوا لذلك. فالمعلمون المُعنِفون جماعة منظمة متضامنة، بينما الطلبة المُعنَفون أفراد دون أية هيكلية ناظمة أو مؤازرة متبادلة. 

كذلك ثمة تواطؤ كبير من قِبل القانون الناظم للعمل التربوي مع نُخبة المُدرسين هؤلاء في ممارستهم العنف ضد الطلبة.

فكما هي علاقة الحكام الشموليين مع دساتير بلادهم، فإن القوانين التربوية وإن كانت تمنع ممارسة العنف من قِبل المُدرسين ضد الطلبة، فإنها لا تُسخر أية ديناميكية تنظيمية جدية للمراقبة والمحاسبة. يحدث ذلك بدلالة ندرة حالات المحاسبة والعقاب على مستوى بلداننا، بالرغم من فداحة ممارسة العنف اليومي المنظم في الفضاء التعليمي. 

لكن الميزة المؤسساتية لعنف المُعملين تجاه طلبتهم تتكثف في علاقة مؤسستهم التربوية مع غيرها من المؤسسات الحاكمة، المعاضدة لها بالضرورة، من أجهزة الأمن وأقسام الشرطة، مرورا بالقضاء والقوى السياسية والنقابية. فتقريبا لم تشهد أي من دول منطقتنا حملات أو محاكمات أو ادعاءات ذات سياق، تم فيها القِصاص للطلبة من معلميهم المعنِفين، قامت به مؤسسة عمومية ما ضد المؤسسة التربوية. 

أخيراً، فإن البيئة الاجتماعية هي الفضاء الأكثر مساهمة تشييد هذه الظاهرة القاتمة، من خلال خلقها وتبنيها لمزيج من هالة القداسة وموقع الاستثناء الذي يحظى به المعلمون في الوعي الاجتماعي. هذه القداسة التي تمنح المعلمين روح استسهال ممارسة العنف تجاه الطلبة، والإفلات الدائم من العقاب. 

فطبقة صغيرة جدا من المجتمع تتحلى بوعي مدني تعاقدي تجاه المؤسسة التربوية، تملك وحدها ديناميكيات وشجاعة الدفاع عن حقوق أطفالها في الفضاء التعليمي، بينما تغرق النسبة الأكبر من هذه البيئة في غمامة تقديس المدرسين وملامة أبنائهم، أياَ كانت فداحة الأفعال التي يمارسها المُعلمون تجاه هؤلاء الأطفال. 

عادة ما يكون هؤلاء الأهل دون وعي إدراكي مناسب للحقوق وأشكال الحماية التي يوفرها القانون لأبنائهم، ويأخذون أدوار المعلمين وسلوكياتهم بإيجابية فائضة، ويحملون أبناءهم وزر ما يتعرضون له تعنيف، ويعتبرون أن المحصلة النهائية لهذا العنف المدرسي قد تكون لصالح أبنائهم. وهي كلها قضايا أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية والتربوية تهافتها وخطأها المُطلق.

على نفس المستوى، فإن الأهل بالعموم يستشعرون حرجا داخليا في رفض العنف الذي يمارسه المُعلمون تجاه أبنائهم، في وقت هُم أنفسهم يمارسون أنواعا من العنف تجاه أطفالهم في المنازل. فوق ذلك، لا يحملون وعيا فسيحا لإدراك الآثار المستقبلية لهذه العنف المدرسي على تكوين أبناءهم وشخصياتهم. 

في المحصلة، لو جمعنا العوامل الرئيسية الثلاثة في هذه الظاهرة، أي فوقية المكانة المقدسة مع الأدوار الحمائية التي توفرها المؤسساتية إلى جانب هشاشة قدرة الطلبة على حماية أنفسهم، فإنه لن يُنتج إلا الظلامة، وحيث في الظلام تُمارس كل الأفعال الشريرة، التي فوق شرها لا تُرى، وتاليا لا تُناقش وترُاقب، وبذا لا تُحاسب، بل تُنتج الآلام فحسب.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).