Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم
يمارس بعض المعلمين العنف بحق طلبتهم

رستم محمود

في شهر مارس من كل عام، وبينما تحتفل العديد من الحكومات والمؤسسات التربوية في دول المنطقة بمناسبة "يوم المُعلم"، فإن ملفا ضخما وحساسا في هذا القطاع يتم غض النظر عنه وتجاوزه تماما، يتعلق بكمية العنف الجسدي والنظري واللفظي التي يستخدمها قطاع واسع من المُعلمين تجاه الملايين من طلبتهم. 

إذ ثمة سجل عارم "غير مُفكر به"، يتمركز حول آليات استغلال هؤلاء المعلمين لعدد من خصائص الحياة العامة، للاستمرار في أفعالهم تلك، دون أية خشية من المتابعة والمحاسبة والعِقاب. تمتد من طبائع الفضاء الاجتماعي، الذي يمنح المُعلمين قداسة ما، متأتية من التقدير العالي الذي يتحلى به التعليم نفسه. وتمتد لترسانة القوانين والأعراف التربوية، التي تمنح المعلمين حمائية شبه مُطلقة، مقابل هشاشة جدار الحماية الذي يحظى به الطلبة. ولا تنتهي بالطبيعة البنيوية للمؤسسة التربوية، كواحدة من أجهزة الحُكم الرديفة للنُظام السياسي، وأهم أدواتها في إخضاع المجتمعات. 

كما كُل القضايا الحساسة والجذرية الأخرى في منطقتنا، فإنه ليس من إحصاءات دقيقة تحدد نسبة الطلبة وكمية ونوعية العنف الذي يتعرضون له في المدارس، لكن المؤشرات الانطباعية المباشرة تُشير بوضوح إلى أن النسبة العُظمى من المُدرسين يُمارسون أنواع مُركبة من ذلك العنف، بشكل شبه يومي، وبحق القاعدة الأوسع من الطلب، وأن أعدادا قليلة من هؤلاء المُعلمين يتعرضون للمساءلة والمحاسبة على أفعالهم تلك. 

من هنا بالضبط تتولد أكبر أوجه المعضلة، فعنف المدرسين تجاه طلبتهم يكاد أن يكون أكثر فضاءات الشأن العام عتمة، بالرغم من فظاعة تأثيراته على الحياة العامة، من خلال ما يتركه من رضوض وآثار نفسية على شخصيات القواعد الاجتماعية الأوسع، وبشكل مستمر. إذ لا دراسات بحثية ذات قيمة ومضمون تابعت ذلك، ولا نصوص أدبية أو أعمال فنية راصدة ومتابعة له، والأهم لا كلام اجتماعيا أو ثقافيا أو معرفيا حوله، وطبعاً ليس من أي تناول سياسي أو إيديولوجي له، بالرغم من خطورته وجذرية تأثيره. 

لا يعني الأمر تعميما مُطلقا بأي شكل، إذ دون شك، ثمة معلمين ومدارس بدون عنف تجاه الطلبة. لكن وقوع العنف على النسبة الأكبر من الطلبة، واستمراره بشكل متواتر، وعدم خضوعه لآليات المراقبة والمحاسبة، إنما يحوله إلى ظاهرة حقيقية، تكاد أن تكون بنية.  

قبل عدة أعوام، كان كاتب هذه السطور قد أعد كتابا بعنوان "صفحات من دفتر قديم"، نشرته دار المتوسط الإيطالية، سرد وشرح من خلاله سبعة كُتابٍ وروائيين سوريين، من سبعة أجيال متتالية بشكل منظم، سردوا مذكراتهم المدرسية، بحيث كانت النتيجة المباشرة المستخلصة من تلك السرديات المتلاحقة، اكتشاف مدى الترابط الطردي الحتمي بين الأوضاع السياسية والقانونية والاجتماعية العامة في دولة مثل سوريا وبين "جودة العملية التعليمية والتربوية"، حيث أن كمية وشكل ممارسة العنف المدرسي من قِبل المُعلمين تجاه طلبتهم تقف على رأس سلم "جودة التعليم" ذاك، ومؤشراته. وكيف أن تلك الممارسات التي يُمكن تصنيفها تحت يافطة "الانتهاك العام"، تساهم بدورها بإنتاج خصائص وفضاءات عامة، تمتاز بهيمنة العنف وانتشار الذكورة وسيادة العسكرة وانتشار التطرف، لأنها تُجهز العالم النفسي للقواعد الاجتماعية الأوسع لأن تكون ملبية لتلك الشروط. 

لذلك، وبناء على دراسات أخرى، أغلبيتها أنتجت في خارج منطقتنا مع الأسف، يُمكن رسم مماثلة دائمة بين العالمين السياسي والتربوي في أية دولة كانت.

لا يمكن فعل ذلك لأن التعليم واحد من مؤسسات الدولة التي يصبغها النظام السياسي الحاكم ببصمته فحسب، بل أيضاً للسعي الحثيث من قِبل قطاع واسع من طبقة المُدرسين هؤلاء لاستخدام نفس الأدوات والآليات الحمائية التي تتستر وتمركز حولها نُخب الحُكم في تشييد سُلطتها وتغييب أفعالها، فالمعلمون في المحصلة مثل باقي أفراد المجتمع، متلهفون لمراكمة سُلطة ما، أيا كانت، وتحصينها بالأدوات اللازمة، التي يُمكن تصنيفها أساساً إلى ثلاثة:

من جهة أولى، ثمة لهاث من قِبل الفضاء التعليمي لمنح المُعلمين مكانة مُقدسة، متعالية ومتجاوزة لأية هوية تعاقدية وظيفية مدنية/علمانية. فالمُدرسون يستميتون في أخذ مكانة تجمع فوقية الأبوة مع سطوة الشخصية المشيخية. يرفع عنهم ذلك الموقع أية إمكانية للملاحظة والنقد، وتاليا لإمكانية المراقبة والضبط والمحاسبة. فالمُدرسون في الفضاء التعليمي، وفي وعيهم لذاتهم، ليسوا مُجرد موظفين عمومين، مُعينون حسب عقود قانونية تفترض بهم أداء خدمة عامة مقابل أجر، ضمن حقوق وواجبات محددة، بل مُعتبرون ككائنات خاصة للغاية، بالذات في علاقتهم مع طلبتهم. 

يطابق ذلك تماما الأنظمة الشمولية العنيفة، التي تستميت بدورها في استحصال أبوية متفوقة على أي دستور أو قانون مدني. فالحاكم في الممارسة الفعلية وفي وعيه لنفسه، ليس مُجرد موظف في الجهاز الحكومي، حسب تعاقد دستوري يُحدد سُلطته وحقوقه وواجبه، بل هو الإله الأرضي، الممثل لكل القيم المجيدة، من أبوة فوقية ومكانة مُقدسة ودور نبيل، متجاوز لأي قانون أو مراقبة ومحاسبة. 

من جهة أخرى، فإن عالم المُدرسين كان على طول الطريق مستفيدا من البنيان والسلطة الجهازية التي تتلحى بها المؤسسة التربوية، مقابل هشاشة فردانية الطالب. بالضبط أيضا، شيء يشبه النظام العام للحاكم الشمولي وأجهزته الأمنية والعسكرية، من حيث علاقتهم مع المواطنين الأفراد. 

فالمُدرسون غالبا ما يملكون تضامنا داخلياً فيما بينهم، لو مارس أحدهم أي شكل من العنف تجاه الطلاب. بينما لا يملك الطلبة ذلك النوع من الوعي والإرادة والآلية التضامنية، وهُم ممنوعون عنها حتى لو انزاحوا لذلك. فالمعلمون المُعنِفون جماعة منظمة متضامنة، بينما الطلبة المُعنَفون أفراد دون أية هيكلية ناظمة أو مؤازرة متبادلة. 

كذلك ثمة تواطؤ كبير من قِبل القانون الناظم للعمل التربوي مع نُخبة المُدرسين هؤلاء في ممارستهم العنف ضد الطلبة.

فكما هي علاقة الحكام الشموليين مع دساتير بلادهم، فإن القوانين التربوية وإن كانت تمنع ممارسة العنف من قِبل المُدرسين ضد الطلبة، فإنها لا تُسخر أية ديناميكية تنظيمية جدية للمراقبة والمحاسبة. يحدث ذلك بدلالة ندرة حالات المحاسبة والعقاب على مستوى بلداننا، بالرغم من فداحة ممارسة العنف اليومي المنظم في الفضاء التعليمي. 

لكن الميزة المؤسساتية لعنف المُعملين تجاه طلبتهم تتكثف في علاقة مؤسستهم التربوية مع غيرها من المؤسسات الحاكمة، المعاضدة لها بالضرورة، من أجهزة الأمن وأقسام الشرطة، مرورا بالقضاء والقوى السياسية والنقابية. فتقريبا لم تشهد أي من دول منطقتنا حملات أو محاكمات أو ادعاءات ذات سياق، تم فيها القِصاص للطلبة من معلميهم المعنِفين، قامت به مؤسسة عمومية ما ضد المؤسسة التربوية. 

أخيراً، فإن البيئة الاجتماعية هي الفضاء الأكثر مساهمة تشييد هذه الظاهرة القاتمة، من خلال خلقها وتبنيها لمزيج من هالة القداسة وموقع الاستثناء الذي يحظى به المعلمون في الوعي الاجتماعي. هذه القداسة التي تمنح المعلمين روح استسهال ممارسة العنف تجاه الطلبة، والإفلات الدائم من العقاب. 

فطبقة صغيرة جدا من المجتمع تتحلى بوعي مدني تعاقدي تجاه المؤسسة التربوية، تملك وحدها ديناميكيات وشجاعة الدفاع عن حقوق أطفالها في الفضاء التعليمي، بينما تغرق النسبة الأكبر من هذه البيئة في غمامة تقديس المدرسين وملامة أبنائهم، أياَ كانت فداحة الأفعال التي يمارسها المُعلمون تجاه هؤلاء الأطفال. 

عادة ما يكون هؤلاء الأهل دون وعي إدراكي مناسب للحقوق وأشكال الحماية التي يوفرها القانون لأبنائهم، ويأخذون أدوار المعلمين وسلوكياتهم بإيجابية فائضة، ويحملون أبناءهم وزر ما يتعرضون له تعنيف، ويعتبرون أن المحصلة النهائية لهذا العنف المدرسي قد تكون لصالح أبنائهم. وهي كلها قضايا أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية والتربوية تهافتها وخطأها المُطلق.

على نفس المستوى، فإن الأهل بالعموم يستشعرون حرجا داخليا في رفض العنف الذي يمارسه المُعلمون تجاه أبنائهم، في وقت هُم أنفسهم يمارسون أنواعا من العنف تجاه أطفالهم في المنازل. فوق ذلك، لا يحملون وعيا فسيحا لإدراك الآثار المستقبلية لهذه العنف المدرسي على تكوين أبناءهم وشخصياتهم. 

في المحصلة، لو جمعنا العوامل الرئيسية الثلاثة في هذه الظاهرة، أي فوقية المكانة المقدسة مع الأدوار الحمائية التي توفرها المؤسساتية إلى جانب هشاشة قدرة الطلبة على حماية أنفسهم، فإنه لن يُنتج إلا الظلامة، وحيث في الظلام تُمارس كل الأفعال الشريرة، التي فوق شرها لا تُرى، وتاليا لا تُناقش وترُاقب، وبذا لا تُحاسب، بل تُنتج الآلام فحسب.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).