سناء العاجي
في لقاء عن دور التلفزيون والدراما في تكريس الصور النمطية تم تنظيمه منذ أسابيع على هامش مهرجان سينما المرأة بسلا (المغرب)، بشراكة مع المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري في المغرب، اعتبر عدد من المتدخلين، بينهم سينمائيون وكتاب سيناريو ومخرجو تلفزيون، أن الحرية في الإبداع تقتضي ألا نفرض على المبدع ما الذي يجب أن يكتبه.
معظمنا، بالتأكيد، يتفق مع مبدأ الحرية في التعبير. لكن، حين تمرر الدراما عددا من الصور النمطية، ألا يساهم هذا الأمر في تكريس تلك الصور داخل الذهنية المشتركة:
- الأم التي لا هدف لها في الحياة إلا التضحية من أجل أبنائها، وكل لحظة سعادة شخصية تجعلها تشعر بالذنب إزاء نفسها وتتعرض للوم من طرف محيطها،
- السيدة التي تهتم بحياتها المهنية هي بالضرورة أم وزوجة فاشلة،
- الشخص الذي يشرب الكحول هو بالضرورة شخص منحل فاسد. إذا كان زوجا، فهو خائن مهمل، وإن كان أبا فهو أب عديم المسؤولية... أما إذا كانت امرأة تشرب الكحول، فهذا يلصق بها كل التصورات اللاأخلاقية،
- الفتاة المتحررة هي بالضرورة فتاة فاسدة بدون أخلاق،
- المسؤوليات المنزلية والأسرية تقوم بها الزوجة\الأم بشكل حصري،
- الزوج الذي يعيش علاقة ثانية خارج الزواج هو بالضرورة ضحية لزوجة مهملة لا تهتم بأنوثتها (وهي طبعا نفس الزوجة التي يطلب منها أن تقوم بكل المسؤوليات المنزلية... والتي عليها في نفس الوقت أن تتحلى بكامل أنوثتها وعطرها مساء).
- الشخص الذي ترك حبيبته يندم بالضرورة على انفصاله عنها ويحاول العودة حين يكتشف أنها امرأة استثنائية "تخدمه" وتحبه، وهي بالضرورة تكون جد سعيدة حين يقرر العودة لها،
- الغني دائما شرير والفقير دائما بقيم وأخلاق عالية،
- ...
وغير ذلك من الصور النمطية التي لم تنجح إلا أعمال درامية قليلة في تجاوزها.
أتذكر فترة شاهدت خلالها، في فترات متقاربة، فيلمين تلفزيونيين تركيين يموت فيهما أحد بطلي القصة، ويتبرع بعضو من أعضائه للحبيب الذي عاش بعده والذي كان يعيش مشاكل صحية (قلب ضعيف في أحد الفيلمين، ومرض في العين يهدد بالعمى في الفيلم الثاني). فهمت حينها أن الأمر، على الأغلب، ليس صدفة. هي على الأرجح استراتيجية للدولة برمتها للتوعية بقضية التبرع بالأعضاء. والتوعية هنا تتم بالتعليم والندوات والبرامج الحوارية... لكن أيضا بالدراما. العديد من القضايا نستطيع استيعابها بشكل أفضل حين نتعاطف معها دراميا ونرى كيف يمكن أن تغير فعليا حياة الأشخاص.
في مثال آخر، بقدر ما أزعجني كثيرا مسلسل "عايزة أتجوز" بتكريسه للضغط المجتمعي على الفتيات من أجل الزواج، وبتقديمه للخطبات العائلية التي تتحول فيها الفتاة لسلعة يتم تقييمها في السوق، على أنها أمر عادي ومقبول وطبيعي، بل وهدف في حد ذاته؛ بقدر ما وجدت رائعا أن يقدم الجزء الثاني من المسلسل، وعنوانه "البحث عن علا" (بطولة هند صبري) صورة إيجابية عن الطلاق، لا الزوج فيها شخص شرير في المطلق ولا الزوجة تنهار وتنتهي حياتها ولا هي تبدأ حياة أفضل مع شخص أفضل؛ بما أن زوجها لم يكن شخصا شريرا ولا سيئا، لا قبل الطلاق ولا بعده. مسلسل ينقل لنا تعقيدات شخصياتنا وتقلباتها مع تقدمنا في العمر والتجارب، بأسلوب ممتع.
كما تابعت النقاشات التي خلفها مسلسل "ليه لأ"، والذي لعبت بطولته منة شلبي، وتأثيره على أرقام طلبات الكفالة في مصر، لأنه ساهم في تغيير التصورات الخاطئة حول الكفالة وإمكانيات السعادة الإنسانية التي يمكن أن تقدمها للأسر وللأطفال.
هذا بالتحديد ما يمكن أن تغيره الدراما، وقد كانت في سينما دول المنطقة نماذج إيجابية كثيرة أدت لتغيير قوانين ولطرح نقاشات مجتمعية هائلة.
ليس مطلوبا من كتاب السيناريو والمخرجين والممثلين لأن يتحولوا لمصلحين اجتماعيين ولا لمنظرين. هم بالأساس فنانون مبدعون... لكن دور المبدع هو أيضا أن يساهم في تحولات المجتمع وأن يساهم في نقاشاته بشكل إيجابي.
------------------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
