Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أحداث شغب عقب مباراة كرة القدم بين نادي الجيش الملكي والمغرب الفاسي
أحداث شغب عقب مبارة كرة القدم بين نادي الجيش الملكي والمغرب الفاسي

عبد الرحيم التوراني

عرفت نهاية الأسبوع، المصادفة لتاريخ الأحد 13 مارس 2022، أحداث شغب وعنف دامية، خلال المباراة التي جمعت نادي الجيش الملكي (من الرباط)، ونادي المغرب الفاسي، (من مدينة فاس كما يدل اسمه)، وذلك برسم منافسات الدور 16 لإقصائيات كأس العرش. 

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات توثق لمجريات تفشي العنف ومدى احتدامه، وتظهر هجوم جماعات من أنصار الفريق العسكري، أرغمت رجال الأمن على التراجع، قبل أن تتجه هذه الجماعات المسلحة بالحجارة والعصي والسكاكين، صوب الاعتداء على جماهير نادي المغرب الفاسي.

وحسب بيان صادر عن المديرية العامة للأمن الوطني، فإن أحداث الشغب بـ"ملعب الأمير مولاي عبد الله" في العاصمة، خلفت عشرات الإصابات المتفاوتة الخطورة بين أفراد الأمن والجمهور. مع إلحاق خسائر مادية بالعديد من مرافق ملعب الأمير مولاي عبد الله، وإضرام النار، وتكسير 33 مركبة وناقلة، تتنوع ما بين مركبات تابعة للشرطة وسيارات أخرى في ملك الخواص...". وذكر البلاغ أنه تم توقيف 160 شخصا، بينهم 90 قاصرا، وتقديم 70 من هؤلاء إلى المحكمة بتهم "ارتكاب أعمال الشغب المرتبطة بالرياضة، وحيازة أسلحة بيضاء، والسكر العلني البين والتراشق بالحجارة المقرون بإلحاق خسائر مادية بممتلكات خاصة وعامة، وإضرام النار عمدا في سيارة". 

لم تمض ثلاثة أيام، أي بحلول يوم الأربعاء 16 مارس 2022، حتى اندلعت أعمال شغب وعنف مماثل لما جرى في العاصمة وغير بعيد عنها، في بلدة المنصورية المحاذية لمدينة المحمدية، وذلك بين جمهوري نادي المنصورية والنادي المكناسي، في مباراة جمعتهما برسم الدورة 23 من بطولة المغرب لقسم الهواة. إذ تم التراشق بالكراسي والمقذوفات، واقتحام المشجعين لأرضية الملعب لتتوقف المباراة مدة من الزمن. 

ليست هذه الأحداث، المتسمة بمنسوب عالِ من درجات الشغب والعنف، جديدة على الساحة الرياضية في المغرب، ولكنها تحصل بعد حوالي أسبوعين من قرار حكومي قضى بإعادة فتح الملاعب الرياضية بوجه الجمهور، بعد عامين من إغلاقها ضمن تدابير احترازية فرضها انتشار وباء كورونا. 

لكن الأذهان استعادت قصصا خطيرة وأحداثا مشابهة لما حصل، وقعت في الأعوام الماضية بين أسوار ملاعب الكرة بالمغرب، بشكل واسع النطاق، بعضها أسفرت عن ضحايا. 

كما استعاد آخرون، من الأجيال السابقة، كيف كانت تجري مباريات الكرة في ظروف مدنية وسلمية، وكيف كانت أعداد كبيرة من الجمهور الرياضي تتجه لحضور مباريات الكرة في حلل متأنقة، وكأنهم ذاهبون لحفل أو لسهرة فنية، بل حتى مباريات "الديربي" بين أبرز وأشهر فريقين في البلاد، أي الغريمين، الوداد والرجاء بالدار البيضاء، كانت غالبا ما تتم في أجواء حماسية عالية من دون إفراط في تعصب أعمى، إذ في نهاية المباراة تهيمن الروح الرياضية. بينما كانت أعمال الشغب الناتج عن الكرة أحداثا نادرة ومحدودة، وكان الغضب في الغالب لا يتجاوز الاحتجاج ضد حكم المباراة بصيحات: "وااا "لارْبيطْ" (الحكم) يا مسخوط الوالدين!). هذا في زمن كانت فيه الملاعب الأوروبية تسجل تصاعد أعمال شغب وغليان مثير بدوريات كرة القدم. 

لقد باتت الكرة بمثابة "أفيون الشعوب" كما يحلو لكثيرين وصفها، إلا أن الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل"، يذهب أبعد من ذلك، عندما يشبه كرة القدم بكونها "مرآة العالم"، التي تنعكس على صفحتها قصص المجد والاستغلال، وحكايات الحب والبؤس، ويتبدّى فيها الصراع بين الحرية والخوف، وأن "العالم اليوم يبدو وكأنه ملعب عملاق يستضيف مباراة نهائية، ولكن من دون جمهور. المدن من دون أهلها تكون كئيبة مظلمة، وكذلك الملاعب التي تغيب عنها أصوات جماهيرها. صيحاتهم عند الفوز، والشتائم عند الخسارة، والدموع في الحالتَين. عندما تدور الكرة فإنّ العالم كلّه يدور". 

لذلك انتبه النظام في المغرب مبكرا غداة الاستقلال، إلى أهمية رياضة كرة القدم، فأحكم السيطرة على تسيير أنديتها الكبرى. وعملت الدولة على "مخزنة الكرة"، حين حرصت باستمرار على تعيين وزراء وأمنيين وشخصيات موالية للقصر في تسيير أندية الكرة، بل إن رئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم (فيدرالية الكرة) آلت مرات لجنرالات وضباط من الجيش المغربي، مثل الكولونيل المهدي بلمجدوب، والكولونيل إدريس باموس، والكولونيل ماجور حسين الزموري، والجنرال دوكور دارمي حسني بن سليمان، وهذا الأخير شغل أيضا لسنوات منصب رئاسة اللجنة الأولمبية المغربية. أما رئيس فيدرالية كرة القدم الحالي (فوزي لقجع) فهو من مسيري حزب القصر (الأصالة والمعاصرة)، وعضو بحكومة عزيز أخنوش الحالية. 

كما أن ميزانيات كبيرة تصرف بالمليارات على لعبة كرة القدم في المغرب، نكتفي بذكر أن منتخب المغرب يعد أغنى منتخب في أفريقيا، لكنه لا يحقق النتائج التي يسعى إليها المسؤولون، بغاية امتصاص الغضب الجماهيري وإلهاء الشباب. ولا يجب أن ننسى أن المغرب تقدم خمس مرات بملف ترشيحه لاحتضان نهائيات مونديال الكرة، وسيكون ترشيحه لنهائيات 2030 هو السادس. 

هذا هو ما عناه حقا إدواردو غاليانو في حديثه عن كرة القدم "التي توجّه، عادة، من قبل رجال أعمال وسياسيين يستخدمون كرة القدم كمنجنيق دعائي للوصول إلى الصدارة". 

في العهد الجديد تولت أمر الكرة شخصيات معروفة بولائها للسلطات، وليس من الصدف أن يضم البرلمان الحالي عددا من النواب، غير معروف من قبل اهتمامهم بالسياسة، بل هم من رؤساء ومسيري الأندية الوطنية في كرة القدم، فباسم حزب "الأصالة والمعاصرة" صعد إلى مجلس النواب كل من سعيد الناصري، رئيس نادي الوداد، وهشام آيت منا، رئيس فريق شباب المحمدية، ونور الدين البيضي، رئيس فريق يوسفية برشيد. أما باسم حزب التجمع الوطني للأحرار فنجد محمد بودريقة الرئيس السابق لفريق الرجاء الرياضي، وحسن الدرهم، رئيس فريق شباب المسيرة بمدينة العيون، وإسماعيل الزيتوني، رئيس فريق أولمبيك الدشيرة، ومحمد هوار، رئيس فريق مولودية وجدة. وباسم حزب الاستقلال نجد حكيم بنعبد الله، رئيس نهضة بركان. وباسم حزب الاتحاد الدستوري محمد جودار، النائب الثاني لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وهذه الأحزاب هي التي تكون اليوم الحكومة والأغلبية. 

بعد انتشار ظاهرة "الألتراس"، أصبح أغلب متزعميها تحت إشراف وتأطير مباشر من ضباط ولايات الأمن، قبل أن تتعدد فصائلها ويحدث التمرد، لترفع جماهير أكثر من "ألتراس" بمختلف المدن، لافتات وأهازيج ثائرة، تمتح من معين شعارات المعارضة الرافضة لسياسة الحكومة والنظام. وكان لافتا أن إحدى جمعيات "الألتراس" المشجعة لنادي الرجاء البيضاوي، رفعت "تيفو" حول "الغرفة 101"، التي تحيل على أشهر رواية للبريطاني جورج أرويل (1984)، ورقم الغرفة، كما في الرواية، هو لزنزانة تعذيب سجناء سياسيين. ما يعني أن الاستخفاف بمستوى جمهور الكرة ليس حقيقة مطلقة، وأنهم ليسوا مرضى نفسيين من نزلاء "جناح 36" بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، كما يصورهم البعض، بعدما تبين أن جمعيات "الألتراس" تحتضن أفرادا متعلمين وذوي مستوى ثقافي ووعي سياسي معين. 

لكن الأهزوجة التي طبقت الآفاق وتحدثت عنها نشرات الأخبار في تلفزيونات العالم، هي التي أبدعتها جماهير الرجاء وحولتها إلى نشيد رسمي لها، أهزوجة "في بلادي ظلموني" التي تنتقد سياسة الدولة والمسؤولين وتهميشهم للشباب. وسبقتها شعارات أخرى مماثلة، يرددها الجمهور وهو في شوارع المدينة قبل وصوله إلى الملعب (ما بغاوْنا نقْراوْ.. ما بغاونا نوْعاوْ../  أي: لا يريدون لنا أن نتعلم، لا يريدون لنا أن نمتلك الوعي..). وإلى جانب القضايا المحلية اهتمت جماهير الكرة بالمغرب بالقضية الفلسطينية، ورفعت شعار "رجاوي فلسطيني"، حتى صار للفريق المغربي أنصار ومشجعون في قطاع غزة وسائر الأراضي الفلسطينية. 

من التعليقات التي انتشرت إثر أحداث الشغب الأخيرة بالرباط، أن الحكومة أعادت فتح الملاعب لإلهاء الجمهور، فانفجر الجمهور ضد سياساتها اللاشعبية. 

وعلق آخرون على صورة مركبة من لقطتين، الأولى توثق لهراوات رجال الأمن يقمعون مظاهرة لحركة المتعاقدين مع وزارة التربية الوطنية، والثانية تظهر رجال أمن مهزومين تحت حجارة جمهور الكرة، وكتب تحت الصورة: (اعتديتم على العلم، فاعتدى عليكم الجهل!). 

وكما يعرف جمهور الكرة بالسلوك غير المنضبط، فإنه أيضا يشتهر بسخريته وشتائمه اللاذعة، والنابية أحيانا كثيرة، وفي هذا الصدد نشر مدونون خبرا عن الرئيس الأوكراني الذي طلب مساعدة لوجيستية من جمهور نادي الجيش الملكي لكرة القدم، في حربه ضد الروس. 

أغلب المعلقين على ما حدث، هاجموا جمهور الكرة المتسبب في الشغب، بل هناك من رموا بوجه هؤلاء الشباب تهمة الإرهاب، واكتفوا بالتأكيد على تعاطيهم للمخدرات وللكحول، وترويج بيع بطاقات دخول الملعب بالسوق السوداء، وعدوانيتهم ضد رجال الشرطة، مطالبين السلطات الضرب بيد من حديد على مثيري الشغب في كرة القدم، واتخاذ تدابير أكثر صرامة في التعامل معهم، من دون استحضار الأسباب الاجتماعية والسياسية الرئيسية المتصلة بالظاهرة، النابعة من عنف مجتمعي أكبر، في ظل الغلاء وانعدام فرص التشغيل والرشوة والفساد، واتساع الفرق بين طبقات عليا تعيش الغنى الفاحش، وطبقات دنيا تعيش في الإدقاع والبؤس والتفكك الأسري، وانسداد الآفاق، وهي الطبقات التي ينتمي إليها جل مناصري كرة القدم ومثيري الشغب. 

أضف إلى هذا تدني وتراجع مستوى التعليم في المغرب بشكل مهول، مع غياب التأطير الجمعوي والحزبي، بعد أن شجعت الدولة الجمعيات الانتهازية في إطار ما يسمى بـ"المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، في حين يقبع المغرب منذ أعوام متتالية بأسفل سلم ترتيب قائمة التنمية البشرية عالميا. وبعدما كانت الدولة تجتهد للاستقطاب الأفقي للفاعلين السياسيين والأطر الحزبية، عملت عموديا على وضع كل الأحزاب تحت مظلتها، بما فيها الأحزاب التي كانت بالأمس في المعارضة الراديكالية، مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي بعد أربعة عقود من المعارضة المبدئية تحول إلى حزب مخزني صرف، وانتفت عنه كل مصداقية لدى الجماهير. لذلك ليس مفاجئا أن ينتقل شغب وعنف الملاعب إلى الطرقات والأماكن العامة، حيث تكثر جرائم التحرش ضد النساء، ونشل الهواتف والمحفظات اليدوية، وعدم احترام المرافق العامة. 

ألا يوجد أي منفذ للسخط الاجتماعي سوى مدرجات الملاعب؟ لماذا يلجأ الشباب إلى تحويل فضاء اللعب إلى فضاء للاحتجاج وتصريف العنف؟   

سؤال يطرحه الباحث المغربي عبد الرحيم أزرويل، ويجيب عنه بعرضه لحقيقة إفلاس الهيئات السياسية، التي من "المفروض فيها التعبير عن مطالب الجماهير وتقنين سخطها" بأسلوب سلمي. إن السبب - في رأيه - كامن في "فراغ الفضاء السياسي، من هيئات تمثيلية تقدم خطابا يتماهى معه "الجمهور". 

لذلك علينا أن نوضح هنا، أكثر، عبارة غاليانو المثيرة: "كرة القدم مرآة العالم"، لأن الأصح هو أنها "مرآة السياسة". يكفي الاطلاع على كيف تسير شؤون الكرة لمعرفة كيف تمشي وتدور باقي الأمور.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).