Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أحداث شغب عقب مباراة كرة القدم بين نادي الجيش الملكي والمغرب الفاسي
أحداث شغب عقب مبارة كرة القدم بين نادي الجيش الملكي والمغرب الفاسي

عبد الرحيم التوراني

عرفت نهاية الأسبوع، المصادفة لتاريخ الأحد 13 مارس 2022، أحداث شغب وعنف دامية، خلال المباراة التي جمعت نادي الجيش الملكي (من الرباط)، ونادي المغرب الفاسي، (من مدينة فاس كما يدل اسمه)، وذلك برسم منافسات الدور 16 لإقصائيات كأس العرش. 

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات توثق لمجريات تفشي العنف ومدى احتدامه، وتظهر هجوم جماعات من أنصار الفريق العسكري، أرغمت رجال الأمن على التراجع، قبل أن تتجه هذه الجماعات المسلحة بالحجارة والعصي والسكاكين، صوب الاعتداء على جماهير نادي المغرب الفاسي.

وحسب بيان صادر عن المديرية العامة للأمن الوطني، فإن أحداث الشغب بـ"ملعب الأمير مولاي عبد الله" في العاصمة، خلفت عشرات الإصابات المتفاوتة الخطورة بين أفراد الأمن والجمهور. مع إلحاق خسائر مادية بالعديد من مرافق ملعب الأمير مولاي عبد الله، وإضرام النار، وتكسير 33 مركبة وناقلة، تتنوع ما بين مركبات تابعة للشرطة وسيارات أخرى في ملك الخواص...". وذكر البلاغ أنه تم توقيف 160 شخصا، بينهم 90 قاصرا، وتقديم 70 من هؤلاء إلى المحكمة بتهم "ارتكاب أعمال الشغب المرتبطة بالرياضة، وحيازة أسلحة بيضاء، والسكر العلني البين والتراشق بالحجارة المقرون بإلحاق خسائر مادية بممتلكات خاصة وعامة، وإضرام النار عمدا في سيارة". 

لم تمض ثلاثة أيام، أي بحلول يوم الأربعاء 16 مارس 2022، حتى اندلعت أعمال شغب وعنف مماثل لما جرى في العاصمة وغير بعيد عنها، في بلدة المنصورية المحاذية لمدينة المحمدية، وذلك بين جمهوري نادي المنصورية والنادي المكناسي، في مباراة جمعتهما برسم الدورة 23 من بطولة المغرب لقسم الهواة. إذ تم التراشق بالكراسي والمقذوفات، واقتحام المشجعين لأرضية الملعب لتتوقف المباراة مدة من الزمن. 

ليست هذه الأحداث، المتسمة بمنسوب عالِ من درجات الشغب والعنف، جديدة على الساحة الرياضية في المغرب، ولكنها تحصل بعد حوالي أسبوعين من قرار حكومي قضى بإعادة فتح الملاعب الرياضية بوجه الجمهور، بعد عامين من إغلاقها ضمن تدابير احترازية فرضها انتشار وباء كورونا. 

لكن الأذهان استعادت قصصا خطيرة وأحداثا مشابهة لما حصل، وقعت في الأعوام الماضية بين أسوار ملاعب الكرة بالمغرب، بشكل واسع النطاق، بعضها أسفرت عن ضحايا. 

كما استعاد آخرون، من الأجيال السابقة، كيف كانت تجري مباريات الكرة في ظروف مدنية وسلمية، وكيف كانت أعداد كبيرة من الجمهور الرياضي تتجه لحضور مباريات الكرة في حلل متأنقة، وكأنهم ذاهبون لحفل أو لسهرة فنية، بل حتى مباريات "الديربي" بين أبرز وأشهر فريقين في البلاد، أي الغريمين، الوداد والرجاء بالدار البيضاء، كانت غالبا ما تتم في أجواء حماسية عالية من دون إفراط في تعصب أعمى، إذ في نهاية المباراة تهيمن الروح الرياضية. بينما كانت أعمال الشغب الناتج عن الكرة أحداثا نادرة ومحدودة، وكان الغضب في الغالب لا يتجاوز الاحتجاج ضد حكم المباراة بصيحات: "وااا "لارْبيطْ" (الحكم) يا مسخوط الوالدين!). هذا في زمن كانت فيه الملاعب الأوروبية تسجل تصاعد أعمال شغب وغليان مثير بدوريات كرة القدم. 

لقد باتت الكرة بمثابة "أفيون الشعوب" كما يحلو لكثيرين وصفها، إلا أن الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل"، يذهب أبعد من ذلك، عندما يشبه كرة القدم بكونها "مرآة العالم"، التي تنعكس على صفحتها قصص المجد والاستغلال، وحكايات الحب والبؤس، ويتبدّى فيها الصراع بين الحرية والخوف، وأن "العالم اليوم يبدو وكأنه ملعب عملاق يستضيف مباراة نهائية، ولكن من دون جمهور. المدن من دون أهلها تكون كئيبة مظلمة، وكذلك الملاعب التي تغيب عنها أصوات جماهيرها. صيحاتهم عند الفوز، والشتائم عند الخسارة، والدموع في الحالتَين. عندما تدور الكرة فإنّ العالم كلّه يدور". 

لذلك انتبه النظام في المغرب مبكرا غداة الاستقلال، إلى أهمية رياضة كرة القدم، فأحكم السيطرة على تسيير أنديتها الكبرى. وعملت الدولة على "مخزنة الكرة"، حين حرصت باستمرار على تعيين وزراء وأمنيين وشخصيات موالية للقصر في تسيير أندية الكرة، بل إن رئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم (فيدرالية الكرة) آلت مرات لجنرالات وضباط من الجيش المغربي، مثل الكولونيل المهدي بلمجدوب، والكولونيل إدريس باموس، والكولونيل ماجور حسين الزموري، والجنرال دوكور دارمي حسني بن سليمان، وهذا الأخير شغل أيضا لسنوات منصب رئاسة اللجنة الأولمبية المغربية. أما رئيس فيدرالية كرة القدم الحالي (فوزي لقجع) فهو من مسيري حزب القصر (الأصالة والمعاصرة)، وعضو بحكومة عزيز أخنوش الحالية. 

كما أن ميزانيات كبيرة تصرف بالمليارات على لعبة كرة القدم في المغرب، نكتفي بذكر أن منتخب المغرب يعد أغنى منتخب في أفريقيا، لكنه لا يحقق النتائج التي يسعى إليها المسؤولون، بغاية امتصاص الغضب الجماهيري وإلهاء الشباب. ولا يجب أن ننسى أن المغرب تقدم خمس مرات بملف ترشيحه لاحتضان نهائيات مونديال الكرة، وسيكون ترشيحه لنهائيات 2030 هو السادس. 

هذا هو ما عناه حقا إدواردو غاليانو في حديثه عن كرة القدم "التي توجّه، عادة، من قبل رجال أعمال وسياسيين يستخدمون كرة القدم كمنجنيق دعائي للوصول إلى الصدارة". 

في العهد الجديد تولت أمر الكرة شخصيات معروفة بولائها للسلطات، وليس من الصدف أن يضم البرلمان الحالي عددا من النواب، غير معروف من قبل اهتمامهم بالسياسة، بل هم من رؤساء ومسيري الأندية الوطنية في كرة القدم، فباسم حزب "الأصالة والمعاصرة" صعد إلى مجلس النواب كل من سعيد الناصري، رئيس نادي الوداد، وهشام آيت منا، رئيس فريق شباب المحمدية، ونور الدين البيضي، رئيس فريق يوسفية برشيد. أما باسم حزب التجمع الوطني للأحرار فنجد محمد بودريقة الرئيس السابق لفريق الرجاء الرياضي، وحسن الدرهم، رئيس فريق شباب المسيرة بمدينة العيون، وإسماعيل الزيتوني، رئيس فريق أولمبيك الدشيرة، ومحمد هوار، رئيس فريق مولودية وجدة. وباسم حزب الاستقلال نجد حكيم بنعبد الله، رئيس نهضة بركان. وباسم حزب الاتحاد الدستوري محمد جودار، النائب الثاني لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وهذه الأحزاب هي التي تكون اليوم الحكومة والأغلبية. 

بعد انتشار ظاهرة "الألتراس"، أصبح أغلب متزعميها تحت إشراف وتأطير مباشر من ضباط ولايات الأمن، قبل أن تتعدد فصائلها ويحدث التمرد، لترفع جماهير أكثر من "ألتراس" بمختلف المدن، لافتات وأهازيج ثائرة، تمتح من معين شعارات المعارضة الرافضة لسياسة الحكومة والنظام. وكان لافتا أن إحدى جمعيات "الألتراس" المشجعة لنادي الرجاء البيضاوي، رفعت "تيفو" حول "الغرفة 101"، التي تحيل على أشهر رواية للبريطاني جورج أرويل (1984)، ورقم الغرفة، كما في الرواية، هو لزنزانة تعذيب سجناء سياسيين. ما يعني أن الاستخفاف بمستوى جمهور الكرة ليس حقيقة مطلقة، وأنهم ليسوا مرضى نفسيين من نزلاء "جناح 36" بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، كما يصورهم البعض، بعدما تبين أن جمعيات "الألتراس" تحتضن أفرادا متعلمين وذوي مستوى ثقافي ووعي سياسي معين. 

لكن الأهزوجة التي طبقت الآفاق وتحدثت عنها نشرات الأخبار في تلفزيونات العالم، هي التي أبدعتها جماهير الرجاء وحولتها إلى نشيد رسمي لها، أهزوجة "في بلادي ظلموني" التي تنتقد سياسة الدولة والمسؤولين وتهميشهم للشباب. وسبقتها شعارات أخرى مماثلة، يرددها الجمهور وهو في شوارع المدينة قبل وصوله إلى الملعب (ما بغاوْنا نقْراوْ.. ما بغاونا نوْعاوْ../  أي: لا يريدون لنا أن نتعلم، لا يريدون لنا أن نمتلك الوعي..). وإلى جانب القضايا المحلية اهتمت جماهير الكرة بالمغرب بالقضية الفلسطينية، ورفعت شعار "رجاوي فلسطيني"، حتى صار للفريق المغربي أنصار ومشجعون في قطاع غزة وسائر الأراضي الفلسطينية. 

من التعليقات التي انتشرت إثر أحداث الشغب الأخيرة بالرباط، أن الحكومة أعادت فتح الملاعب لإلهاء الجمهور، فانفجر الجمهور ضد سياساتها اللاشعبية. 

وعلق آخرون على صورة مركبة من لقطتين، الأولى توثق لهراوات رجال الأمن يقمعون مظاهرة لحركة المتعاقدين مع وزارة التربية الوطنية، والثانية تظهر رجال أمن مهزومين تحت حجارة جمهور الكرة، وكتب تحت الصورة: (اعتديتم على العلم، فاعتدى عليكم الجهل!). 

وكما يعرف جمهور الكرة بالسلوك غير المنضبط، فإنه أيضا يشتهر بسخريته وشتائمه اللاذعة، والنابية أحيانا كثيرة، وفي هذا الصدد نشر مدونون خبرا عن الرئيس الأوكراني الذي طلب مساعدة لوجيستية من جمهور نادي الجيش الملكي لكرة القدم، في حربه ضد الروس. 

أغلب المعلقين على ما حدث، هاجموا جمهور الكرة المتسبب في الشغب، بل هناك من رموا بوجه هؤلاء الشباب تهمة الإرهاب، واكتفوا بالتأكيد على تعاطيهم للمخدرات وللكحول، وترويج بيع بطاقات دخول الملعب بالسوق السوداء، وعدوانيتهم ضد رجال الشرطة، مطالبين السلطات الضرب بيد من حديد على مثيري الشغب في كرة القدم، واتخاذ تدابير أكثر صرامة في التعامل معهم، من دون استحضار الأسباب الاجتماعية والسياسية الرئيسية المتصلة بالظاهرة، النابعة من عنف مجتمعي أكبر، في ظل الغلاء وانعدام فرص التشغيل والرشوة والفساد، واتساع الفرق بين طبقات عليا تعيش الغنى الفاحش، وطبقات دنيا تعيش في الإدقاع والبؤس والتفكك الأسري، وانسداد الآفاق، وهي الطبقات التي ينتمي إليها جل مناصري كرة القدم ومثيري الشغب. 

أضف إلى هذا تدني وتراجع مستوى التعليم في المغرب بشكل مهول، مع غياب التأطير الجمعوي والحزبي، بعد أن شجعت الدولة الجمعيات الانتهازية في إطار ما يسمى بـ"المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، في حين يقبع المغرب منذ أعوام متتالية بأسفل سلم ترتيب قائمة التنمية البشرية عالميا. وبعدما كانت الدولة تجتهد للاستقطاب الأفقي للفاعلين السياسيين والأطر الحزبية، عملت عموديا على وضع كل الأحزاب تحت مظلتها، بما فيها الأحزاب التي كانت بالأمس في المعارضة الراديكالية، مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي بعد أربعة عقود من المعارضة المبدئية تحول إلى حزب مخزني صرف، وانتفت عنه كل مصداقية لدى الجماهير. لذلك ليس مفاجئا أن ينتقل شغب وعنف الملاعب إلى الطرقات والأماكن العامة، حيث تكثر جرائم التحرش ضد النساء، ونشل الهواتف والمحفظات اليدوية، وعدم احترام المرافق العامة. 

ألا يوجد أي منفذ للسخط الاجتماعي سوى مدرجات الملاعب؟ لماذا يلجأ الشباب إلى تحويل فضاء اللعب إلى فضاء للاحتجاج وتصريف العنف؟   

سؤال يطرحه الباحث المغربي عبد الرحيم أزرويل، ويجيب عنه بعرضه لحقيقة إفلاس الهيئات السياسية، التي من "المفروض فيها التعبير عن مطالب الجماهير وتقنين سخطها" بأسلوب سلمي. إن السبب - في رأيه - كامن في "فراغ الفضاء السياسي، من هيئات تمثيلية تقدم خطابا يتماهى معه "الجمهور". 

لذلك علينا أن نوضح هنا، أكثر، عبارة غاليانو المثيرة: "كرة القدم مرآة العالم"، لأن الأصح هو أنها "مرآة السياسة". يكفي الاطلاع على كيف تسير شؤون الكرة لمعرفة كيف تمشي وتدور باقي الأمور.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).