Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

في التيه

22 مارس 2022

ابتهال الخطيب

 

الشعوب العربية شعوب تائهة تيه بني إسرائيل، لا مستقر لها ولا خلاص يتجلى في الأفق. لقد جاء ظهور الإسلام في شبه الجزيرة ليبرز المنطقة على الخريطة ويخلق لها ثقلا ويمهد لحضارة لاحقة، وإن كانت قصيرة الأمد كمعظم الحضارات الإمبراطورية القديمة. إلا أن التسييس الصارخ للرسالة قلبها من فلسفية روحانية إلى عسكرية حربية خالصة، لتفقد العقيدة روحانيتها العميقة وتتحول إلى مجموعة من الأوامر والنواهي اليومية التي تتدخل في أدق تفاصيل الحياة والتي تعتمد اعتمادا كليا على العبادات التكنيكية المبتعدة عن روحها الحقيقية.

في ظل هذه الهيمنة السياسية-الدينية على كل مناحي الحياة، فقد الفرد العربي المسلم فرديته، بل وفقد قدرته على اتخاذ موقف أو قرار ألا يقع في المحظور، وتم اعتماد مفهوم "التبعية" لرجل الدين بأشكاله المختلفة عند الطوائف الإسلامية، تبعية تُحَمِّل رجل الدين إثم الخطأ في حال اتباع نصحه وتُخْلي مسؤولية الفرد الذي سلم عقله ومعه إرادته ليصبح غير قابل للمحاكمة، مجرد تابع ليس له أو عليه، حسب اعتقاده، أن يدفع للمسؤولية والقرار أي ثمن.

في هذا الجو الشمولي دخل الاستعمار الذي أرضخ شعوبا قابلة للرضوخ أصلا، وعلى أن هناك حركات عربية تحررية مثيرة للإعجاب والفخر فعلا، إلا أن التحرير النهائي، في اختصار تبسيطي هنا، أتى بعد الحربين العالميتين وبعد تغيير منظومة الفكر الإنساني الحقوقي وتشكيل الأمم المتحدة التي ساهمت في صياغة مفاهيم الاستقلالية و"الدولانية" محاولة رفع الهيمنات الغربية عن مناطق لا تمت لها بصلة. هل كانت الدول العربية بحدودها وتشكيلاتها الحالية لتتحرر لولا التدخل الدولي؟ فلسطين لا تزال رازخة تحت الاحتلال لأن الإرادة الدولية ليست معها، فما هو موقف الشعوب العربية من قضيتها الأكبر والأخطر في الزمن المعاصر؟

لقد أصابتنا أنظمتنا السياسية المبنية على هذا التاريخ الغائر من الشمولية والسيادية—ليس بمعناها الحديث، ولكن بمعناها الحرفي لسيادة بشر على بشر—التاريخ المؤسّس على فكرة "خليفة الله في الأرض" الذي من المؤثم والمخزي عصيانه، بكسل شديد ناتج عن تبعية مزمنة لا تزول ولا يبدو أن أحدا يرغب في زوالها. نحن شعوبا لا تعرف فعليا كيف تقيِّم سياسيا أو نتخذ قرارات فردانية بسبب من سيادة أنظمة معجونة بتاريخ ديني سلطوي طويل، أنظمة ذات وجه ديموقراطي وقلب شمولي ديكتاتوري لربما في داخلها تعتقد فعلا أنها مرسلة من السماء، وتكفر فعلا بحقنا في تقرير المصير، وتهدد دوما بنتاج أي ديموقراطية حقيقية في محيطنا السياسي الغريب.

دوما ما تنذرنا حكوماتنا ضمنيا أن الديمقراطية ستنتج تطرفا وستولي علينا جماعات كالإخوان المسلمين في أحسن الظروف وداعش في أسوأها، ليفوتنا حقيقة أن أمر نتاج الديموقراطية في أيادينا. ليس علينا أن ننتج الأسوء، يمكن أن نختار الأفضل، فلماذا، إذا كنا كلنا مستائين، لا نفعل؟ 

كشعوب مدمنة ديكتاتورية ومزمنة الأمراض القمعية نعاني جمعيا من جهل حقيقي، نحن لا نعرف كيف نوصل الأفضل ليشرع لنا تشريعا مدنيا يخدمنا في حياتنا اليومية ويطور ظروفها المعيشية ويجعلنا شعوب تتذوق السعادة والرفاه، ذلك أننا لا نفصل الديني عن المدني، لتأتي خياراتنا على أساس مدى "تدين" ساستنا، وهؤلاء "المتدينين"بدورهم يأتون محملين بفكرة المسؤولية الدينية وتطبيق حكم الخالق على الأرض، منتجين عمل سياسي هجين قبيح، لا حصل دول دنيوية ناجحة ولا أنظمة دينية راسخة.

في واقع الحال، نحن لا نعرف كيف نختار سياسيا أو مشرعا "مدنيا" من دون النظر لتوجهه الديني، ذلك أننا تبرمجنا لنا ألف وخمسمئة سنة الآن، على أن المشرع أو السياسي الجيد يجب أن يكون مسلما جيدا، ولأننا بعد لا نعرف من هو المسلم الجيد، نتخبط نحن من حينها في صراعات وفسادات وهيمنات "كبار" وليناهم بأنفسنا ثم عبدناهم وهم على كراسيهم المرتفعة، لنَشْرع بعدها نبرر فسادهم و"نتفهم" قمعهم ونمعن في امتداحهم والدفاع عنهم بشكل يُخجل حتى العبد المملوك من غابر الزمان الذي لم يعرف في حياته سوى الطاعة والرضوخ.

لا أعرف إن كان لدينا بقية أمل بعد سنوات من القمع الديني-السياسي الذي أفرز ممارسات طائفية ومحاصصات طبقية كلها ألزمتنا زمن الحكم العشائري، حتى ولو بدا النظام ببدلة وكرافته، زمن غابر لا نعرف منه فكاكا. ولأننا في النهاية، وبعد أن نقاد قطيعا بسياط مخاوفنا الدينية ورسوخ الأفكارالغابرة السلطوية في ضمائرنا والتي تلزمنا اختيار جزارينا بأنفسنا، نريد أن نعيش، تجدنا نختار الفساد من هنا ونحاربه بشكل ناعم وبفساد أكبر منه هناك، فنعتمد على المحاصصات الطائفية والقبلية، ونُعمِل الوساطة التي تأكل حقوق من هم أضعف منا، وندور ونلف لنتحصل على فتوى تبرر فسادنا وتخفف من وقع البلوى التي صنعناها بأنفسنا. 

لقد فسد ذوقنا العام وانعطبت قدراتنا الاختيارية والتقريرية وأصبحنا على كثرتنا عاجزين فعلا عن اتخاذ قرار ينفعنا. نحن فقط قادرين على، بل ولربما بارعين في، اتخاذ القرارات التي تخلق الديكتاتوريين وتعزز الفساد، فنحن لم نعرف غيرهما منذ زمن طويل.

أخيرا: فقدت الكويت مؤخرا اثنين من أهم رموزها الوطنية الليبرالية التقدمية ولربما يصح القول اليسارية كذلك، الدكتور أحمد الخطيب والأستاذ عبدالله النيباري، كلاهما كان نائب سابق في البرلمان ، وكلاهما له بصمة واضحة وكبيرة على طريق الدفاع عن ديموقراطية الكويت ومحاربة الفساد فيها.

الدكتور أحمد كان أحد مؤسسي الدستور الكويتي، والأستاذ عبدالله كان رمزا لمحاربة الفساد حتى أنه فقد القدرة على استعمال أحد ذراعيه على إثر محاولة اغتيال تعرض لها في 1997. ولأن الأحزان ماطرة في عالمنا، ولأن الأنقياء يفضلون صحبة الأنقياء، أتى خبر وفاة الأستاذ عبدالله إبان حفل تأبين الدكتور أحمد، فكانت فاجعة الكويت فاجعتين. رحم الله الرجلين المخلصين وأحسن مثواهما. للشعب الكويتي والعربي عظيم التعازي وجميل المواساة.

 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).