Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"فالخارج دائما هو الذي يقرر، بينما الداخل لا حول له ولا قوة!"
"فالخارج دائما هو الذي يقرر، بينما الداخل لا حول له ولا قوة!"

عمران سلمان

كثيرون عبروا عن غضبهم لأن بعض الدول الأوروبية عاملت اللاجئين الأوكرانيين على نحو أفضل من باقي اللاجئين وخاصة القادمين من الدول العربية والإسلامية، لكن لا أحد تساءل لماذا يوجد في الأساس لاجئون من هذه الدول في أوروبا؟ 

وإذا كان من المفهوم لجوء الأوكرانيين أو غيرهم بسبب الحرب فلماذا لا يزال حتى اليوم يهرب السوري والعراقي واللبناني والجزائري والمصري والمغربي والأفغاني والإيراني.. إلخ من بلاده؟

هي إذا ليست مشكلة أوروبية، ولكنها مشكلة هذه المجتمعات التي تنتج اللاجئين بدلا من توفير فرص العمل والحياة الكريمة لمواطنيها. هي مشكلة هذه المجتمعات التي تتفاخر بقوانينها وتشريعاتها المشبعة بثقافة التمييز على أساس الدين والعرق والجنس والطاردة لكل قيمة حضارية وإنسانية!  

وعليه فالغضب يجب أن يوجه ناحية هذه المجتمعات وليس للآخرين أيا تكن قوانينهم وطريقة تعاملهم، إذ لا يوجد سبب أو منطق يجعل دول العالم تتحمل تبعات فشل الدول العربية والإسلامية في إدارة شؤونها. 

وبالمثل يجد الكثير من الفلسطينيين في الحرب الحالية فرصة للشكوى والتذمر مما يعتبرونه تمييزا من قبل المجتمع الدولي في حملته ضد روسيا ووقوفه إلى جانب أوكرانيا، بينما لا يكترث لما تفعله إسرائيل مع الفلسطينيين!

وهنا أيضا نجد مغالطة كبرى. فلا القضية الفلسطينية يمكن مقارنتها بالحرب الروسية على أوكرانيا، ولا الأطراف هنا تشبه الأطراف هناك، ولا الظروف أو الملابسات أو طبيعة النزاع هي ذاتها.

ومع ذلك فليس صحيحا أن العالم قد أدار ظهره للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. الواقع أن هذا الصراع أخذ من الوقت والجهد والأموال من المجتمع الدولي (ولا يزال) ما لم تأخذه أي قضية أخرى. 

لكن المشكلة أن الفلسطينيين والإسرائيليين لا يريدون حلا دوليا لهذا النزاع. كلاهما وخاصة الفلسطينيين، رفضوا ويرفضون جميع المبادرات التي قدمت لهم من أجل الحل. وهؤلاء بالذات مثلهم مثل المجتمعات العربية المنتجة للاجئين، فاشلون في الإدارة وفاشلون في السياسة وفاشلون في الاقتصاد ولا يفعل قادتهم سوى تعليق مسؤولية هذا الفشل على عاتق الآخرين.

بالطبع هذه الشكوى وذلك التذمر لن يجلبا حلا ولن يجعلا المشاكل تختفي من تلقاء نفسها. ومهما فعل المجتمع الدولي من جهود أو اجترح من حلول فلن يكتب لها النجاح ما لم يعترف هؤلاء بالتقصير أولا ويقومون بإصلاح أنفسهم ثم إصلاح مجتمعاتهم.   

والحال أن الغضب الأكبر الذي نشهده في معظم وسائل الإعلام العربية، سواء في موضوع معاملة اللاجئين أو التعامل الدولي مع الحرب في أوكرانيا، هو مؤشر مقلق على أن ثقافة التسيب والتملص من المسؤولية عميقة الجذور ومنتشرة بصورة تمنع أي فرصة للإصلاح. 

ولعله من المثير للسخرية أن البعض يرد على ذلك بالقول إن الدول الغربية هي المسؤولة عما آل إليه الوضع في الدول العربية بسبب فترة الاستعمار وبسبب تدخلاتها في شؤون هذه الدول وبالتالي عليها أن تتحمل مشكلة اللاجئين مثلا!

وهذا منطق معوج وعقيم، يجمع الخطل إلى الفساد. فهو إضافة إلى أنه يجعل الإصلاح موضوعا للمناكفة بين الدول، كما لو أنه كرة تتقاذفها هذه الأطراف فيما بينها، فإنه أيضا يخلق طبقة كثيفة عازلة تقضي على أي أمل للإصلاح في الدول العربية والإسلامية. فمادام أن الدول الغربية تتدخل وهي سوف تفعل ذلك بصورة أو بأخرى في المستقبل أيضا، فإنه يمكن تبرير الفساد والاستبداد والتسلط الديني والكسل المجتمعي.

فالخارج دائما هو الذي يقرر، بينما الداخل لا حول له ولا قوة!

حين انسحبت القوات الأميركية من أفغانستان ورأينا كيف فضل بعض الأفغان المساكين التعلق بعجلات الطائرات بدلا من العيش في ظل حكم طالبان، كان لسان حال البعض هنا هو أن هؤلاء يستحقون ما يجري لهم لأنهم عملاء للقوات الأجنبية!

لكن هؤلاء المتنمرين والمفتونين بعودة "الحكم الإسلامي" قد فوتوا المغزى الحقيقي للظاهرة والمتمثل في الإجابة على السؤال التالي: لماذا وكيف وصل الحال بأناس أن يفضلوا الموت على أن يحكموا من قبل عصابات طالبان! 

وهو المغزى ذاته الذي يمكن استخلاصه من اللاجئين الذين يقذفون بأنفسهم في البحر وفي الغابات وفي الجليد من أجل أن يصلوا إلى أوروبا. ترى لماذا يفعل هؤلاء ما يفعلونه؟ 

هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل ويؤرق بال الكثيرين حتى يجيبوا عليه إجابة مقنعة.  

ولا تصدقوا أن الفقر هو السبب الوحيد لهذه الظاهرة. فالفقر موجود في العديد من دول العالم، من شرق آسيا إلى أميركا الجنوبية، ومع ذلك فالقليل من الدول فقط هي التي تقذف مواطنيها إلى خارج حدودها على هذا النحو! بل الواقع أن العديد من اللاجئين من الدول العربية والإسلامية لديهم ما يكفي من المال لتغطية تكاليف الرحلة والدفع للمهربين من أجل الوصول إلى وجهاتهم. 

إن ما يدفع هؤلاء للمغامرة بأرواحهم والمشي على الحد الفاصل بين الحياة والموت هو أنهم لم يعودوا يرون أن ثمة حدا فاصلا بين الاثنين في مجتمعاتهم، حيث ينعدم الأمل وينعدم المستقبل. وإذا لم تكن هذه هي قمة الفشل فماذا تكون إذا؟

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"
"لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة"

ابتهال الخطيب

استكمالاً لما ناقشته في المقال السابق، أعود لموضوع النضال النسوي العربي تحديداً والمتفرع عن النضال الحقوقي الإنساني العام كأحد أهم قضاياه القديمة المتجددة.

مستجد على الساحة اليوم ما أشرت له في المقال السابق من تغير الصورة التقليدية للبطل، هذا الذي أصبحت أهم وسائل معركة المعاصر منه هو كلماته وأهم ساحاتها هي وسائل التواصل الإلكترونية، لتدور رحى حرب التعريف والتوعية بالقضية كلها على ساحات تويتر وانستغرام وغيرها، ولتعطي هذه الساحات الفرص اللانهائية للناشطين عليها لقول ما يريدون وكيفما يريدون. من هنا أصبحت أهم مواصفات البطل المعاصر هو غضبه المستعر، وهذا مهم وإيجابي، ثم عنفه اللغوي وسخريته الحارقة، وهذان فاعلان كذلك وإن ليس إيجابياً دائماً خصوصاً إذا ما استمرا لوقت طويل واستفردا بساحة النضال.  

وعودة للموضوع الرئيسي، مرة أخرى أؤكد على ضرورة أن يكون، ولا مفر من أن يكون، الخطاب الغاضب والقاسي بل وما قد يعرف على أنه بذيء، جزءا من الحراك الحقوقي النسوي، حيث أن هناك مبحثا نسويا طويلا حول اللغة، حول طبيعتها الذكورية وإمكانية ترويضها وتطويعها، ليس فقط دفاعاً عن المرأة ولكن كذلك ترويجاً لتجاربها و"تطبيعاً" لطبيعتها النفسية والبيولوجية كذلك ضمن الاتجاه السائد العام. الكثير من النسويات الغربيات ومنذ بدايات القرن العشرين كن يدعين لغرس تجارب المرأة في اللغة، ولتطويع اللغة تعبيراً عن جسدها الذي كان لا يزال "تابو" مجتمعيا وتعبيريا. هذا المنحى أخذ شكلا أكثر تطوراً اليوم، حيث تذهب بعض التجارب الحالية للدفع بالتحرر التام من كل العوائق الأدبية والأخلاقية للغة، تحريراً للتجربة الجندرية و"تطبيعاً" للجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، في اللغة وبالتالي في الحياة، وهذه مناحي عظيمة في تطورها وأبعادها غير المسبوقة.   

إلا أنني أؤكد كذلك أنه، في رأيي، لا يجب أن يكون هذا المنحى هو الحراك كله، وألا يتم طرد من لا تعتقد به أسلوباً أو طريقة مقاومة خارج حدوده. من الملاحظ أنه، في خضم الغضب تجاه "التقليديات" من النساء، أن "تطورت" لغة الشابات مؤخراً بقاموس قاس متجدد من مصطلحات الأحكام التي تطلقها هذه الشابات تجاه بعضهن البعض بداية من المصطلح المعتاد "الأبويات" تطوراً إلى "الذكوريات" وإمعاناً في التوصيف القاس مؤخراً المتمثل في "عبدات الذكور،" وفي هذا القاموس المستخدم بين الناشطات على الساحة الكثير من العنف ضد بعضهن البعض. أتصور أن شابات اليوم، مرة أخرى خصوصاً في منطقة الخليج، ومن منطلق معاناتهن الواضحة، يردن (وهنا أنا أتكلم عن أغلبية ناشطة على وسائل التواصل حد تشكيلها لظاهرة) تحديد شكل ومضمون واحد للاضطهاد وأسلوب منفرد في مقاومته يوحي بأن كل مشكلات النساء متشكلة في قالب واحد والذي يعيد صياغة المعاناة في شكل واحد كما ويعيد صياغة المقاومة في أسلوب واتجاه أوحدين، وفي ذلك تتمثل صورة من صور الوصاية والأبوية التي تحاول الناشطات جدياً مقاومتها.  

المعاناة، مهما بلغت، ليست مسوغاً لفرض رؤية موحدة، كما وأن الراحة والحظ الأوفر المتوفر لبعضنا ليسا مسوغين لفرض رؤية موحدة كذلك. أتصور أن سطحية نجومية السوشل ميديا أثرت إلى حد كبير في أسلوب الحراك النسوي الخليجي الشاب، تلك النجومية التي لا تتحقق، انطلاقاً من طبيعة السوشل ميديا القائمة على المكتوب والمنظور، إلا من خلال المزايدة اللفظية، أذ كلما كنت أكثر جرأة وقسوة وحتى بذاءة، كلما ازداد انتشار الرسالة وازدادت معرفة الناس بصاحبها. هذه أداة مهمة وناجحة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تكون الأداة الوحيدة، وهي لن تحقق تغيير ملموس خارج نطاق العالم الالكتروني إذا ما لم يتم تفعيل مخرجاتها بشكل عملي وحقيقي على أرض الواقع. لقد استخدمنا، ولا نزال، تويتر على سبيل المثال للتواصل حول الحالات الخفية للمضطهدات، لإيصال صوت من لا صوت لهن، لاستعراض قصصنا الحياتية الخفية و"المستورة" قسراً، وحتى للتنفيس عن داخلنا وللتواصل مع بعضنا البعض للتخفيف من الشعور بالوحدة والانعزال في التجارب القاسية والمرعبة أحياناً. وكم من حالة تمكنا كنساء من التفاعل معها والوصول لها بل وإنقاذها، وكم من قصص تكشفت للعالم أجمع ليتدخل المجتمع الدولي بمؤسساته المدنية الإنسانية وأحياناً حتى بحكوماته لإنقاذ صاحباتها. لقد جمعنا تويتر على اختلاف مشاربنا في مساحة واحدة، أشعرنا أننا لسنا وحيدات في مساحاتنا المختلفة، وأن المعاناة، على اختلاف أنواعها، ليست حكراً على صاحباتها. لقد قلل تويتر من الشعور بالوحدة والتفرد في التجارب القاسية، وهذه إيجابية غير مسبوقة بدرجاتها الحالية في الحراك النسوي. لقد قدمت وسائل التواصل خدمة مهمة ومميزة ليس فقط على مستوى الإنقاذ الحقيقي، ولكن كذلك على مستوى التنفيس الحيوي لنا كنساء والسرد التوثيقي والتأريخ المرحلي للحراك والذي تقدمه المشاركات في الحوار للعالم كله. 

وتبقى رغم كل هذه الإيجابيات وكل هذه السلبيات حقيقة أننا لن نصل لأسلوب موحد ولن نتفق على صيغة نعلنها هي الوحيدة الصحيحة والفاعلة للحراك. من هذا المنطلق ستبقى المراجعات والنقد الذاتي مهمين، وإعادة النظر في مسار الحراك مطلوب، ألا يتحول كله للطف وسلمية خاضعين أو لغضب وعنف كارهين. إن سيادة أي توجه وانفراده على الساحة سيتسبب في إفقار خطير للتوجهات والأساليب الأخرى، فمن الملاحظ أنه مع تسيد الأسلوب اللغوي الغاضب الحاد في النضال، عانى الإنتاج العلمي النسوي العربي، على سبيل المثال، والذي يمر بأفقر حالاته في الفترة الراهنة إنتاجاً وقراءة وتداولاً في الأوساط النسوية. كما وأنه من المهم ألا تستعدي الناشطات في المجال بقية المجتمع وينعزلن عنه بخطاب لا يستطيع البقية التواصل معه، ذلك أن القضية إنسانية، تخص البشر كلهم كما وأنها مسؤوليتهم كلهم. إنصاف النساء ليس مسؤولية النساء فقط بكل تأكيد.  الغضب الذي قد يتطور إلى كراهية هو عارض للمرض الذي تعاني منه النساء، مرض القمع والاضطهاد والتعذيب النفسي والجسدي، وهو عارض يحتاج لمداواة تشفي النفس منه ومن آلامه لا لمعالجة تحوله إلى أداة ثابتة وهدف منشود. الغضب وحتى الكراهية يشكلان وسيلة وليس غاية، علينا ألا ننسى ذلك، وألا نعتاد على ذلك، فنحن نستحق أن نحقق أهدافنا ونحيا بحرية وسلام.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).