Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لحرب النووية تهدد العالم بالفناء
لحرب النووية تهدد العالم بالفناء

عبد الرحيم التوراني

قبل ثلاثة عقود، في عام 1992، خرج فيلسوف أمريكي ليعلن للعالم "نهاية التاريخ". حدث ذلك مباشرة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي، وانتهاء ما سمي بالحرب الباردة. 

بنى هذا الفيلسوف، الياباني الأصل، أطروحته على أساس أن النموذج المثالي الذي أثبت وجاهته الفكرية والإنسانية اقتصاديا هو النظام الرأسمالي الليبرالي. ثم بشر بسقوط عصر الإيديولوجيات.  

إثرها قام مفكرون بدحض هذه النظرية، بل لم يتردد البعض في تسفيهها، بالكشف عن كون "الياباني المتأمرك" هو واحد من سدنة معسكر "المحافظين الجدد" في أمريكا.  

إجمالا، يمكن القول إنه لم يتم الانتباه بعمق، أو الوقوف طويلا عند "نبوءة" هذا الفيلسوف السياسي، الذي لم يقرأ كثيرون مؤلفه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، رغم ترجماته المتعددة، بل منهم من لا يعرف سوى اسمه، وهو فرانسيس فوكوياما. ليظل الأمر محصورا في نطاق النخب والمهتمين، حيث أثارت أطروحته المدهشة جدلا واسعا بينهم في الأوساط الثقافية. 

أما اليوم، فقد وصل من ينبئنا بنهاية العالم. وليس نهاية التاريخ فحسب. 

تعددت النبوءات بنهاية العالم في كل حقبة، وكانت دائمة الحضور في التراث الديني والمعتقدات الغيبية المختلفة. ولأنها تدخل في مجال استشراف المستقبل، فقد التصقت غالبا بالمنجمين وبالسحرة، قبل الكهنة ورجال الدين. فجميع الأديان السماوية تجمع على وجود "عالم آخر" بعد فناء هذا العالم، يبدأ بموعد من أسمائه "يوم الميعاد"، و"يوم الساعة"، و"يوم الحساب" و"يوم البعث" و"يوم الحشر"، و"القيامة". يوم يتم فيه إيقاظ الموتى وإحياؤهم بغاية محاسبتهم على ما فعلوه وقاموا به في الدنيا من سيئات وحسنات، من رجحت كفة حسناته سينال الجنة ونعائمها، ومن رجحت سيئاته سيدخل جهنم "وبئس المصير". 

فالإنسان كائنٌ فانٍ، والدنيا فانية وزائلة، "ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام (قرآن). 

في الديانة العبرية والنصوص المقدسة الإسلامية نعثر على قصص وحكايات عن نهاية العالم و"قيام الساعة"، ولها علامات تؤشر على التنبؤ بقربها، منها ظهور "المسيح الدجال"، و"يأجوج ومأجوج"، ولدى الشيعة عودة "المهدي المنتظر". 

لكن موضوع " الساعة" ودنو أجل "القيامة" لم يبق في العصر الحديث موضوعا غيبيا، متروكا للسحرة والكهنة والمنجمين، أو للكتب السماوية والأديان، بل صار ضمن العلوم القائمة الذات، ومنها علم "دراسة مخاطر الوجود". كما صارت من اختصاص علماء الذرة في الجامعات والمختبرات العالمية، بالولايات المتحدة الأمريكية على الأخص.  

منذ اختراع القنابل الذرية وبناء المفاعلات النووية، يجري السهر باستمرار على تطوير التكنولوجيات المدمرة بسرعة فائقة ومذهلة، ومما يتداول بهذا الشأن، أنهم توصلوا إلى صنع قنبلة واحدة تفجيرُها بإمكانه محو مدينة بالكامل. لقد أصبحت عقارب "الساعة" تسمع دقاتها وتلمس حقيقتها فعلا، بعدما تلازمت حركاتها مع حركات عقارب السلاح النووي، وصارت المخاطر الكارثية التي تهدد الوجود البشري حقيقة ماثلة، لا خرافة من نسج السحرة والمنجمين، بل بات السحرة الفعليون هم علماء الذرة، وصار الكهنة هم الفرق العلمية والعسكرية والصناعية المختصة في خلق التجارب النووية، وبعضها من شأنه إحراق الغلاف الجوي للأرض في دقائق معدودة. 

*** 

أمام التلفزيون، جلستُ أتابع تطورات الحرب الروسية في أوكرانيا، أتنقل بالريموت كنترول بين قناة وأخرى، وبرامج القنوات أمست برنامجا واحدا مخصصا لموضوع الحرب. عندما توقفت عند قناة قسمت شاشتها إلى ثمانية أجزاء بين مراسليها الحربيين في جبهات القتال بالشرق الأوروبي، فجأة اختفى المراسلون وتوحدت الشاشة لتمتلىء بعبارة بالبنط العريض: "الاستعداد لنهاية العالم". 

 لم أصدق ما رأت عيناي، بل إني في الوهلة الأولى قرأتها هكذا: "الاستعداد لنهاية كأس العالم"، خاصة وأني من أنصار كرة القدم، أتابع أهم مبارياتها، كما أترقب تنظيم "المونديال" الذي سيحتضنه لأول مرة في التاريخ بلد عربي، ولا تفصلنا عنه سوى أشهر. 

بعد التدخل الروسي في أوكرانيا تلقت موسكو جملة من العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية، من ضمنها قرار "الفيفا" المنظمة الأممية لكرة القدم، مقاطعة جميع الأنشطة الخاصة بهذه الرياضة في روسيا. فلم تعد الرياضة، كما عهدنا في السابق، شأن بعيد عن السياسة. 

 وجاء الرد سريعا من مواطن مغربي، يبدو من لهجته وطريقة كلامه أنه قروي، وذلك في تسجيل صوتي متداول على الواتساب والفيس بوك، وقد تولى الرد على قرار "الفيفا" مكان الرئيس بوتين، قال المواطن القروي بأسلوبه الساخر: "لقد أجابهم بوتين بما يلي: حتى يبقى العالم، ساعتها تعالوا لننظم "كأس العالم"... ويضيف بعد أن سخر من الرئيس الأوكراني ومن الغرب: "لقد ضحك منهم بوتين لما سألهم: وأين هو العالم أولا، ليكون هناك "كأس العالم"؟".  

*** 

مع اندلاع الحرب الروسية، هدد الرئيس بوتين بإمكانية لجوئه إلى استعمال السلاح النووي. الجميع ساوره القلق الشديد من مخاطر رعونة هذا الفعل الأهوج، آخرون رأوا في تهديداته مجرد تخويف لفظي ليس غير. لكن مخابرات "السي أي إيه" الأمريكية، تكون، ولا شك، درست بعمق وتفصيل، شخصية فيلادمير بوتين ونفسيته، هو ومن معه، ومن الأكيد أن لديها "الملف السري" الذي يحتوي على معطيات دقيقة حول مدى احتمالات لجوء الرئيس الروسي لاستخدام سلاح الدمار الشامل. لذلك يبقى قرار الحفاظ على سلامة العالم بيد هؤلاء الأمريكيين، أكثر مما هو بيد رجل مصاب باضطرابات البارانويا وبأعراض هتلرية، رجل يمكن أن تكون آخر كلماته، في لحظة يأس قاتلة، هي: "علي وعلى أعدائي". 

*** 

يذهب آخرون، من المؤمنين بما يطلق عليه "نظرية المؤامرة"، إلى أن مستقبل العالم مهدد بصورة أكثر مما يمكن التشكيك فيها. ويضيفون إن نشر جائحة كورونا في العالم كانت بداية حرب بيولوجية، تدخل ضمن المؤامرة العالمية الكبرى، التي تلتها مباشرة عملية إشعال الحرب في أوكرانيا. كما يتجاوزون في تحليلاتهم انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وندرة الطاقة والمجاعة التي تهدد كل أطراف الدنيا، بأن العالم منذ القدم مر بسلسلة من الكوارث والأوبئة والمجاعات، لكنه ظل هو العالم الذي نعرفه، ونهض الناس بعدها بكامل الإرادة والعزيمة والعناد ليستكملوا صنع الحياة، ولينشدوا سبل السلم. 

 لكن لم تكن هناك أسلحة دمار شامل كما هي الحال عليه اليوم.  

في كل الأحداث الكارثية السابقة التي مر منها العالم ظل الفناء مؤجلا، ولو كانت بيد هتلر وأمثاله ترسانة نووية لما ترددوا في استخدامها. 

*** 

سبق للخبراء المتخصصين في "علم دراسات مخاطر البشرية" أن تكلموا عن احتمالات البقاء البشري على هذا الكوكب. ومنهم عالم الكونيات والفلك البريطاني مارتن ريس، الذي صرح في بداية الألفية الجديدة (2003)، أنه يعتقد أن "الحياة على الأرض حتى نهاية القرن الحالي لا تتجاوز خمسين في المئة".  

وفي سياق تقلبات السياسة والدبلوماسية والصراعات الدولية، تابعنا كيف كانت الأنظار في الأعوام الأخيرة متجهة صوب كوريا الشمالية ومنصات صواريخها النووية، وفي الفترة الحالية انشغلت الأخبار بأزمة التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، لكن الحرب الروسية في أوكرانيا كانت الأسبق. 

الحرب العالمية الثالثة إذا انتشرت شرارتها  فبعدها لن تقوم للعالم سوى "القيامة" أي النهاية.  

 القيامة بالباب. فمن سيؤجل دخولها وهي تتهيأ له من أوسع الأبواب، باب الحرب النووية المشرعة، من سيمنعها من إنهاء الكوكب وزواله بالمرة، لإسدال الستار بعد أن تتنافس الصواريخ ذات الرؤوس النووية لوضع عبارة "النهاية" أو "انتهت اللعبة" Gam over بحبرها القاتل.  

لا أحد يتمنى الفناء والدمار، أو "المحرقة النووية العالمية"، كما صورها كتاب الخيال العلمي ومخرجو أفلام السينما، ولا كما يحللها الآن خبراء عسكريون وسياسيون على الشاشات، فالإنسان بطبعه محب للحياة، وقد بذل في سبيل ذلك جهودا خارقة، في مجالات محاربة الإرهاب والتطرف، ومعالجة مشكلات المناخ العالمي وطبقة الأوزون والاحتباس الحراري من أجل تحسين الحياة على الكوكب. والجميع يردد مع شاعرنا العربي الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". 

 لكن هل الساسة والقادة العسكريون وصناع الأسلحة النووية يقرأون الشعر، وإذا قرأوه هل يفهمونه، وإذا فهموه فهل سيتركون فرص الحياة أمام محبيها لينعموا بها؟! 

من ينهي الحرب المضطرمة اليوم في أوكرانيا؟ ويغير كتابة السيناريو الصادم إلى "نهاية سعيدة". لأن جمهور العالم "عايز كده". 

أمام نهاية العالم صار أمر "نهاية التاريخ" التي أخبرنا عنها فوكوياما مسألة هينة. ولينته التاريخ وأب التاريخ، ولتعش البشرية. لكن، ما هو التاريخ إن لم يكن تاريخ البشر على هذه الأرض وهو ابنه وأبوه وجده؟! 

لقد أصبح العالم يحن اليوم إلى زمن "الحرب الباردة"، التي ولدت من رماد الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك ظل العالم خلال سنواتها وعقودها يبحث بلا كلل عن توطيد السلم وإقامة أسس السلام بلا  توقف. 

 لأجل هذا، لتكن النهاية مباراة في الكرة، لا نهاية العالم الكوكب.  

ففي الكرة حرب حضارية بديلة، هناك دفاع وهجوم وأجنحة ورأس حربة، وأنصار وخصوم.. هي لغة حرب أخرى ابتدعها البشر للحد من طباع العنف المتأصل، ولتشفي غليله في الصراع القتالي، ولترتقي به صوب مراتب التمدن ودرجات السمو الإنساني.  

من سيدفن إذن شرارة العدم في العدم؟ ليتابع الإنسان طريقه نحو تغيير العالم، ويكمل سيره نحو دنيا الأمن والسلام، باتجاه الأحسن والأرقى والأجمل والأكثر إنسانية وعدالة، ذلكم التغيير الذي ما انفك الشعراء والفنانون والمكافحون يحلمون به عبر الأزمنة، في سعيهم لتخليص البشر من محنة البشر.  

أم أن العالم مصمم على السقوط نحو العدم، كما تكلم نعوم تشومسكي.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).