Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لحرب النووية تهدد العالم بالفناء
لحرب النووية تهدد العالم بالفناء

عبد الرحيم التوراني

قبل ثلاثة عقود، في عام 1992، خرج فيلسوف أمريكي ليعلن للعالم "نهاية التاريخ". حدث ذلك مباشرة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي، وانتهاء ما سمي بالحرب الباردة. 

بنى هذا الفيلسوف، الياباني الأصل، أطروحته على أساس أن النموذج المثالي الذي أثبت وجاهته الفكرية والإنسانية اقتصاديا هو النظام الرأسمالي الليبرالي. ثم بشر بسقوط عصر الإيديولوجيات.  

إثرها قام مفكرون بدحض هذه النظرية، بل لم يتردد البعض في تسفيهها، بالكشف عن كون "الياباني المتأمرك" هو واحد من سدنة معسكر "المحافظين الجدد" في أمريكا.  

إجمالا، يمكن القول إنه لم يتم الانتباه بعمق، أو الوقوف طويلا عند "نبوءة" هذا الفيلسوف السياسي، الذي لم يقرأ كثيرون مؤلفه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، رغم ترجماته المتعددة، بل منهم من لا يعرف سوى اسمه، وهو فرانسيس فوكوياما. ليظل الأمر محصورا في نطاق النخب والمهتمين، حيث أثارت أطروحته المدهشة جدلا واسعا بينهم في الأوساط الثقافية. 

أما اليوم، فقد وصل من ينبئنا بنهاية العالم. وليس نهاية التاريخ فحسب. 

تعددت النبوءات بنهاية العالم في كل حقبة، وكانت دائمة الحضور في التراث الديني والمعتقدات الغيبية المختلفة. ولأنها تدخل في مجال استشراف المستقبل، فقد التصقت غالبا بالمنجمين وبالسحرة، قبل الكهنة ورجال الدين. فجميع الأديان السماوية تجمع على وجود "عالم آخر" بعد فناء هذا العالم، يبدأ بموعد من أسمائه "يوم الميعاد"، و"يوم الساعة"، و"يوم الحساب" و"يوم البعث" و"يوم الحشر"، و"القيامة". يوم يتم فيه إيقاظ الموتى وإحياؤهم بغاية محاسبتهم على ما فعلوه وقاموا به في الدنيا من سيئات وحسنات، من رجحت كفة حسناته سينال الجنة ونعائمها، ومن رجحت سيئاته سيدخل جهنم "وبئس المصير". 

فالإنسان كائنٌ فانٍ، والدنيا فانية وزائلة، "ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام (قرآن). 

في الديانة العبرية والنصوص المقدسة الإسلامية نعثر على قصص وحكايات عن نهاية العالم و"قيام الساعة"، ولها علامات تؤشر على التنبؤ بقربها، منها ظهور "المسيح الدجال"، و"يأجوج ومأجوج"، ولدى الشيعة عودة "المهدي المنتظر". 

لكن موضوع " الساعة" ودنو أجل "القيامة" لم يبق في العصر الحديث موضوعا غيبيا، متروكا للسحرة والكهنة والمنجمين، أو للكتب السماوية والأديان، بل صار ضمن العلوم القائمة الذات، ومنها علم "دراسة مخاطر الوجود". كما صارت من اختصاص علماء الذرة في الجامعات والمختبرات العالمية، بالولايات المتحدة الأمريكية على الأخص.  

منذ اختراع القنابل الذرية وبناء المفاعلات النووية، يجري السهر باستمرار على تطوير التكنولوجيات المدمرة بسرعة فائقة ومذهلة، ومما يتداول بهذا الشأن، أنهم توصلوا إلى صنع قنبلة واحدة تفجيرُها بإمكانه محو مدينة بالكامل. لقد أصبحت عقارب "الساعة" تسمع دقاتها وتلمس حقيقتها فعلا، بعدما تلازمت حركاتها مع حركات عقارب السلاح النووي، وصارت المخاطر الكارثية التي تهدد الوجود البشري حقيقة ماثلة، لا خرافة من نسج السحرة والمنجمين، بل بات السحرة الفعليون هم علماء الذرة، وصار الكهنة هم الفرق العلمية والعسكرية والصناعية المختصة في خلق التجارب النووية، وبعضها من شأنه إحراق الغلاف الجوي للأرض في دقائق معدودة. 

*** 

أمام التلفزيون، جلستُ أتابع تطورات الحرب الروسية في أوكرانيا، أتنقل بالريموت كنترول بين قناة وأخرى، وبرامج القنوات أمست برنامجا واحدا مخصصا لموضوع الحرب. عندما توقفت عند قناة قسمت شاشتها إلى ثمانية أجزاء بين مراسليها الحربيين في جبهات القتال بالشرق الأوروبي، فجأة اختفى المراسلون وتوحدت الشاشة لتمتلىء بعبارة بالبنط العريض: "الاستعداد لنهاية العالم". 

 لم أصدق ما رأت عيناي، بل إني في الوهلة الأولى قرأتها هكذا: "الاستعداد لنهاية كأس العالم"، خاصة وأني من أنصار كرة القدم، أتابع أهم مبارياتها، كما أترقب تنظيم "المونديال" الذي سيحتضنه لأول مرة في التاريخ بلد عربي، ولا تفصلنا عنه سوى أشهر. 

بعد التدخل الروسي في أوكرانيا تلقت موسكو جملة من العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية، من ضمنها قرار "الفيفا" المنظمة الأممية لكرة القدم، مقاطعة جميع الأنشطة الخاصة بهذه الرياضة في روسيا. فلم تعد الرياضة، كما عهدنا في السابق، شأن بعيد عن السياسة. 

 وجاء الرد سريعا من مواطن مغربي، يبدو من لهجته وطريقة كلامه أنه قروي، وذلك في تسجيل صوتي متداول على الواتساب والفيس بوك، وقد تولى الرد على قرار "الفيفا" مكان الرئيس بوتين، قال المواطن القروي بأسلوبه الساخر: "لقد أجابهم بوتين بما يلي: حتى يبقى العالم، ساعتها تعالوا لننظم "كأس العالم"... ويضيف بعد أن سخر من الرئيس الأوكراني ومن الغرب: "لقد ضحك منهم بوتين لما سألهم: وأين هو العالم أولا، ليكون هناك "كأس العالم"؟".  

*** 

مع اندلاع الحرب الروسية، هدد الرئيس بوتين بإمكانية لجوئه إلى استعمال السلاح النووي. الجميع ساوره القلق الشديد من مخاطر رعونة هذا الفعل الأهوج، آخرون رأوا في تهديداته مجرد تخويف لفظي ليس غير. لكن مخابرات "السي أي إيه" الأمريكية، تكون، ولا شك، درست بعمق وتفصيل، شخصية فيلادمير بوتين ونفسيته، هو ومن معه، ومن الأكيد أن لديها "الملف السري" الذي يحتوي على معطيات دقيقة حول مدى احتمالات لجوء الرئيس الروسي لاستخدام سلاح الدمار الشامل. لذلك يبقى قرار الحفاظ على سلامة العالم بيد هؤلاء الأمريكيين، أكثر مما هو بيد رجل مصاب باضطرابات البارانويا وبأعراض هتلرية، رجل يمكن أن تكون آخر كلماته، في لحظة يأس قاتلة، هي: "علي وعلى أعدائي". 

*** 

يذهب آخرون، من المؤمنين بما يطلق عليه "نظرية المؤامرة"، إلى أن مستقبل العالم مهدد بصورة أكثر مما يمكن التشكيك فيها. ويضيفون إن نشر جائحة كورونا في العالم كانت بداية حرب بيولوجية، تدخل ضمن المؤامرة العالمية الكبرى، التي تلتها مباشرة عملية إشعال الحرب في أوكرانيا. كما يتجاوزون في تحليلاتهم انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وندرة الطاقة والمجاعة التي تهدد كل أطراف الدنيا، بأن العالم منذ القدم مر بسلسلة من الكوارث والأوبئة والمجاعات، لكنه ظل هو العالم الذي نعرفه، ونهض الناس بعدها بكامل الإرادة والعزيمة والعناد ليستكملوا صنع الحياة، ولينشدوا سبل السلم. 

 لكن لم تكن هناك أسلحة دمار شامل كما هي الحال عليه اليوم.  

في كل الأحداث الكارثية السابقة التي مر منها العالم ظل الفناء مؤجلا، ولو كانت بيد هتلر وأمثاله ترسانة نووية لما ترددوا في استخدامها. 

*** 

سبق للخبراء المتخصصين في "علم دراسات مخاطر البشرية" أن تكلموا عن احتمالات البقاء البشري على هذا الكوكب. ومنهم عالم الكونيات والفلك البريطاني مارتن ريس، الذي صرح في بداية الألفية الجديدة (2003)، أنه يعتقد أن "الحياة على الأرض حتى نهاية القرن الحالي لا تتجاوز خمسين في المئة".  

وفي سياق تقلبات السياسة والدبلوماسية والصراعات الدولية، تابعنا كيف كانت الأنظار في الأعوام الأخيرة متجهة صوب كوريا الشمالية ومنصات صواريخها النووية، وفي الفترة الحالية انشغلت الأخبار بأزمة التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، لكن الحرب الروسية في أوكرانيا كانت الأسبق. 

الحرب العالمية الثالثة إذا انتشرت شرارتها  فبعدها لن تقوم للعالم سوى "القيامة" أي النهاية.  

 القيامة بالباب. فمن سيؤجل دخولها وهي تتهيأ له من أوسع الأبواب، باب الحرب النووية المشرعة، من سيمنعها من إنهاء الكوكب وزواله بالمرة، لإسدال الستار بعد أن تتنافس الصواريخ ذات الرؤوس النووية لوضع عبارة "النهاية" أو "انتهت اللعبة" Gam over بحبرها القاتل.  

لا أحد يتمنى الفناء والدمار، أو "المحرقة النووية العالمية"، كما صورها كتاب الخيال العلمي ومخرجو أفلام السينما، ولا كما يحللها الآن خبراء عسكريون وسياسيون على الشاشات، فالإنسان بطبعه محب للحياة، وقد بذل في سبيل ذلك جهودا خارقة، في مجالات محاربة الإرهاب والتطرف، ومعالجة مشكلات المناخ العالمي وطبقة الأوزون والاحتباس الحراري من أجل تحسين الحياة على الكوكب. والجميع يردد مع شاعرنا العربي الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". 

 لكن هل الساسة والقادة العسكريون وصناع الأسلحة النووية يقرأون الشعر، وإذا قرأوه هل يفهمونه، وإذا فهموه فهل سيتركون فرص الحياة أمام محبيها لينعموا بها؟! 

من ينهي الحرب المضطرمة اليوم في أوكرانيا؟ ويغير كتابة السيناريو الصادم إلى "نهاية سعيدة". لأن جمهور العالم "عايز كده". 

أمام نهاية العالم صار أمر "نهاية التاريخ" التي أخبرنا عنها فوكوياما مسألة هينة. ولينته التاريخ وأب التاريخ، ولتعش البشرية. لكن، ما هو التاريخ إن لم يكن تاريخ البشر على هذه الأرض وهو ابنه وأبوه وجده؟! 

لقد أصبح العالم يحن اليوم إلى زمن "الحرب الباردة"، التي ولدت من رماد الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك ظل العالم خلال سنواتها وعقودها يبحث بلا كلل عن توطيد السلم وإقامة أسس السلام بلا  توقف. 

 لأجل هذا، لتكن النهاية مباراة في الكرة، لا نهاية العالم الكوكب.  

ففي الكرة حرب حضارية بديلة، هناك دفاع وهجوم وأجنحة ورأس حربة، وأنصار وخصوم.. هي لغة حرب أخرى ابتدعها البشر للحد من طباع العنف المتأصل، ولتشفي غليله في الصراع القتالي، ولترتقي به صوب مراتب التمدن ودرجات السمو الإنساني.  

من سيدفن إذن شرارة العدم في العدم؟ ليتابع الإنسان طريقه نحو تغيير العالم، ويكمل سيره نحو دنيا الأمن والسلام، باتجاه الأحسن والأرقى والأجمل والأكثر إنسانية وعدالة، ذلكم التغيير الذي ما انفك الشعراء والفنانون والمكافحون يحلمون به عبر الأزمنة، في سعيهم لتخليص البشر من محنة البشر.  

أم أن العالم مصمم على السقوط نحو العدم، كما تكلم نعوم تشومسكي.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).