Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لحرب النووية تهدد العالم بالفناء
لحرب النووية تهدد العالم بالفناء

عبد الرحيم التوراني

قبل ثلاثة عقود، في عام 1992، خرج فيلسوف أمريكي ليعلن للعالم "نهاية التاريخ". حدث ذلك مباشرة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي، وانتهاء ما سمي بالحرب الباردة. 

بنى هذا الفيلسوف، الياباني الأصل، أطروحته على أساس أن النموذج المثالي الذي أثبت وجاهته الفكرية والإنسانية اقتصاديا هو النظام الرأسمالي الليبرالي. ثم بشر بسقوط عصر الإيديولوجيات.  

إثرها قام مفكرون بدحض هذه النظرية، بل لم يتردد البعض في تسفيهها، بالكشف عن كون "الياباني المتأمرك" هو واحد من سدنة معسكر "المحافظين الجدد" في أمريكا.  

إجمالا، يمكن القول إنه لم يتم الانتباه بعمق، أو الوقوف طويلا عند "نبوءة" هذا الفيلسوف السياسي، الذي لم يقرأ كثيرون مؤلفه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، رغم ترجماته المتعددة، بل منهم من لا يعرف سوى اسمه، وهو فرانسيس فوكوياما. ليظل الأمر محصورا في نطاق النخب والمهتمين، حيث أثارت أطروحته المدهشة جدلا واسعا بينهم في الأوساط الثقافية. 

أما اليوم، فقد وصل من ينبئنا بنهاية العالم. وليس نهاية التاريخ فحسب. 

تعددت النبوءات بنهاية العالم في كل حقبة، وكانت دائمة الحضور في التراث الديني والمعتقدات الغيبية المختلفة. ولأنها تدخل في مجال استشراف المستقبل، فقد التصقت غالبا بالمنجمين وبالسحرة، قبل الكهنة ورجال الدين. فجميع الأديان السماوية تجمع على وجود "عالم آخر" بعد فناء هذا العالم، يبدأ بموعد من أسمائه "يوم الميعاد"، و"يوم الساعة"، و"يوم الحساب" و"يوم البعث" و"يوم الحشر"، و"القيامة". يوم يتم فيه إيقاظ الموتى وإحياؤهم بغاية محاسبتهم على ما فعلوه وقاموا به في الدنيا من سيئات وحسنات، من رجحت كفة حسناته سينال الجنة ونعائمها، ومن رجحت سيئاته سيدخل جهنم "وبئس المصير". 

فالإنسان كائنٌ فانٍ، والدنيا فانية وزائلة، "ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام (قرآن). 

في الديانة العبرية والنصوص المقدسة الإسلامية نعثر على قصص وحكايات عن نهاية العالم و"قيام الساعة"، ولها علامات تؤشر على التنبؤ بقربها، منها ظهور "المسيح الدجال"، و"يأجوج ومأجوج"، ولدى الشيعة عودة "المهدي المنتظر". 

لكن موضوع " الساعة" ودنو أجل "القيامة" لم يبق في العصر الحديث موضوعا غيبيا، متروكا للسحرة والكهنة والمنجمين، أو للكتب السماوية والأديان، بل صار ضمن العلوم القائمة الذات، ومنها علم "دراسة مخاطر الوجود". كما صارت من اختصاص علماء الذرة في الجامعات والمختبرات العالمية، بالولايات المتحدة الأمريكية على الأخص.  

منذ اختراع القنابل الذرية وبناء المفاعلات النووية، يجري السهر باستمرار على تطوير التكنولوجيات المدمرة بسرعة فائقة ومذهلة، ومما يتداول بهذا الشأن، أنهم توصلوا إلى صنع قنبلة واحدة تفجيرُها بإمكانه محو مدينة بالكامل. لقد أصبحت عقارب "الساعة" تسمع دقاتها وتلمس حقيقتها فعلا، بعدما تلازمت حركاتها مع حركات عقارب السلاح النووي، وصارت المخاطر الكارثية التي تهدد الوجود البشري حقيقة ماثلة، لا خرافة من نسج السحرة والمنجمين، بل بات السحرة الفعليون هم علماء الذرة، وصار الكهنة هم الفرق العلمية والعسكرية والصناعية المختصة في خلق التجارب النووية، وبعضها من شأنه إحراق الغلاف الجوي للأرض في دقائق معدودة. 

*** 

أمام التلفزيون، جلستُ أتابع تطورات الحرب الروسية في أوكرانيا، أتنقل بالريموت كنترول بين قناة وأخرى، وبرامج القنوات أمست برنامجا واحدا مخصصا لموضوع الحرب. عندما توقفت عند قناة قسمت شاشتها إلى ثمانية أجزاء بين مراسليها الحربيين في جبهات القتال بالشرق الأوروبي، فجأة اختفى المراسلون وتوحدت الشاشة لتمتلىء بعبارة بالبنط العريض: "الاستعداد لنهاية العالم". 

 لم أصدق ما رأت عيناي، بل إني في الوهلة الأولى قرأتها هكذا: "الاستعداد لنهاية كأس العالم"، خاصة وأني من أنصار كرة القدم، أتابع أهم مبارياتها، كما أترقب تنظيم "المونديال" الذي سيحتضنه لأول مرة في التاريخ بلد عربي، ولا تفصلنا عنه سوى أشهر. 

بعد التدخل الروسي في أوكرانيا تلقت موسكو جملة من العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية، من ضمنها قرار "الفيفا" المنظمة الأممية لكرة القدم، مقاطعة جميع الأنشطة الخاصة بهذه الرياضة في روسيا. فلم تعد الرياضة، كما عهدنا في السابق، شأن بعيد عن السياسة. 

 وجاء الرد سريعا من مواطن مغربي، يبدو من لهجته وطريقة كلامه أنه قروي، وذلك في تسجيل صوتي متداول على الواتساب والفيس بوك، وقد تولى الرد على قرار "الفيفا" مكان الرئيس بوتين، قال المواطن القروي بأسلوبه الساخر: "لقد أجابهم بوتين بما يلي: حتى يبقى العالم، ساعتها تعالوا لننظم "كأس العالم"... ويضيف بعد أن سخر من الرئيس الأوكراني ومن الغرب: "لقد ضحك منهم بوتين لما سألهم: وأين هو العالم أولا، ليكون هناك "كأس العالم"؟".  

*** 

مع اندلاع الحرب الروسية، هدد الرئيس بوتين بإمكانية لجوئه إلى استعمال السلاح النووي. الجميع ساوره القلق الشديد من مخاطر رعونة هذا الفعل الأهوج، آخرون رأوا في تهديداته مجرد تخويف لفظي ليس غير. لكن مخابرات "السي أي إيه" الأمريكية، تكون، ولا شك، درست بعمق وتفصيل، شخصية فيلادمير بوتين ونفسيته، هو ومن معه، ومن الأكيد أن لديها "الملف السري" الذي يحتوي على معطيات دقيقة حول مدى احتمالات لجوء الرئيس الروسي لاستخدام سلاح الدمار الشامل. لذلك يبقى قرار الحفاظ على سلامة العالم بيد هؤلاء الأمريكيين، أكثر مما هو بيد رجل مصاب باضطرابات البارانويا وبأعراض هتلرية، رجل يمكن أن تكون آخر كلماته، في لحظة يأس قاتلة، هي: "علي وعلى أعدائي". 

*** 

يذهب آخرون، من المؤمنين بما يطلق عليه "نظرية المؤامرة"، إلى أن مستقبل العالم مهدد بصورة أكثر مما يمكن التشكيك فيها. ويضيفون إن نشر جائحة كورونا في العالم كانت بداية حرب بيولوجية، تدخل ضمن المؤامرة العالمية الكبرى، التي تلتها مباشرة عملية إشعال الحرب في أوكرانيا. كما يتجاوزون في تحليلاتهم انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وندرة الطاقة والمجاعة التي تهدد كل أطراف الدنيا، بأن العالم منذ القدم مر بسلسلة من الكوارث والأوبئة والمجاعات، لكنه ظل هو العالم الذي نعرفه، ونهض الناس بعدها بكامل الإرادة والعزيمة والعناد ليستكملوا صنع الحياة، ولينشدوا سبل السلم. 

 لكن لم تكن هناك أسلحة دمار شامل كما هي الحال عليه اليوم.  

في كل الأحداث الكارثية السابقة التي مر منها العالم ظل الفناء مؤجلا، ولو كانت بيد هتلر وأمثاله ترسانة نووية لما ترددوا في استخدامها. 

*** 

سبق للخبراء المتخصصين في "علم دراسات مخاطر البشرية" أن تكلموا عن احتمالات البقاء البشري على هذا الكوكب. ومنهم عالم الكونيات والفلك البريطاني مارتن ريس، الذي صرح في بداية الألفية الجديدة (2003)، أنه يعتقد أن "الحياة على الأرض حتى نهاية القرن الحالي لا تتجاوز خمسين في المئة".  

وفي سياق تقلبات السياسة والدبلوماسية والصراعات الدولية، تابعنا كيف كانت الأنظار في الأعوام الأخيرة متجهة صوب كوريا الشمالية ومنصات صواريخها النووية، وفي الفترة الحالية انشغلت الأخبار بأزمة التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، لكن الحرب الروسية في أوكرانيا كانت الأسبق. 

الحرب العالمية الثالثة إذا انتشرت شرارتها  فبعدها لن تقوم للعالم سوى "القيامة" أي النهاية.  

 القيامة بالباب. فمن سيؤجل دخولها وهي تتهيأ له من أوسع الأبواب، باب الحرب النووية المشرعة، من سيمنعها من إنهاء الكوكب وزواله بالمرة، لإسدال الستار بعد أن تتنافس الصواريخ ذات الرؤوس النووية لوضع عبارة "النهاية" أو "انتهت اللعبة" Gam over بحبرها القاتل.  

لا أحد يتمنى الفناء والدمار، أو "المحرقة النووية العالمية"، كما صورها كتاب الخيال العلمي ومخرجو أفلام السينما، ولا كما يحللها الآن خبراء عسكريون وسياسيون على الشاشات، فالإنسان بطبعه محب للحياة، وقد بذل في سبيل ذلك جهودا خارقة، في مجالات محاربة الإرهاب والتطرف، ومعالجة مشكلات المناخ العالمي وطبقة الأوزون والاحتباس الحراري من أجل تحسين الحياة على الكوكب. والجميع يردد مع شاعرنا العربي الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". 

 لكن هل الساسة والقادة العسكريون وصناع الأسلحة النووية يقرأون الشعر، وإذا قرأوه هل يفهمونه، وإذا فهموه فهل سيتركون فرص الحياة أمام محبيها لينعموا بها؟! 

من ينهي الحرب المضطرمة اليوم في أوكرانيا؟ ويغير كتابة السيناريو الصادم إلى "نهاية سعيدة". لأن جمهور العالم "عايز كده". 

أمام نهاية العالم صار أمر "نهاية التاريخ" التي أخبرنا عنها فوكوياما مسألة هينة. ولينته التاريخ وأب التاريخ، ولتعش البشرية. لكن، ما هو التاريخ إن لم يكن تاريخ البشر على هذه الأرض وهو ابنه وأبوه وجده؟! 

لقد أصبح العالم يحن اليوم إلى زمن "الحرب الباردة"، التي ولدت من رماد الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك ظل العالم خلال سنواتها وعقودها يبحث بلا كلل عن توطيد السلم وإقامة أسس السلام بلا  توقف. 

 لأجل هذا، لتكن النهاية مباراة في الكرة، لا نهاية العالم الكوكب.  

ففي الكرة حرب حضارية بديلة، هناك دفاع وهجوم وأجنحة ورأس حربة، وأنصار وخصوم.. هي لغة حرب أخرى ابتدعها البشر للحد من طباع العنف المتأصل، ولتشفي غليله في الصراع القتالي، ولترتقي به صوب مراتب التمدن ودرجات السمو الإنساني.  

من سيدفن إذن شرارة العدم في العدم؟ ليتابع الإنسان طريقه نحو تغيير العالم، ويكمل سيره نحو دنيا الأمن والسلام، باتجاه الأحسن والأرقى والأجمل والأكثر إنسانية وعدالة، ذلكم التغيير الذي ما انفك الشعراء والفنانون والمكافحون يحلمون به عبر الأزمنة، في سعيهم لتخليص البشر من محنة البشر.  

أم أن العالم مصمم على السقوط نحو العدم، كما تكلم نعوم تشومسكي.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).