Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أثينا - تمثال - الثقافة اليونانية - بيغاسوس
أثينا - تمثال - الثقافة اليونانية - بيغاسوس

محمد المحمود

يرى فيلسوف التاريخ الإيطالي، فيكو، (ت1744) أن كل شعب قد مَرَّ بثلاثة عصور تطورية متتابعة: عصر الآلهة، وعصر الأبطال، وعصر البشر، أي عصر الإنسان.

ففي البداية كان ينتظم الوعيَ تصوراتٌ مُتَوهَّمةٌ حول الآلهة المُتعدِّدة التي تُديِر الواقع، ومِن ثَم تُصْبح هي، أي الآلهةُ، محورَ الاشتغال الذهني والعملي. وعندما تتطوّر المجتمعاتُ قليلا، تُحَاول تجاوز هذه المُتَخيَّلات، ولكن بإسقاط صفاتها أو بعض صفاتها على شخصيات واقعية، بل ومن ذات الجنس البشري، حيث تنسب إليها الأفعال الأسطورية التي يعجز عنها الآخرون.

وفي التطوّر الأخير، تتجاوز المجتمعاتُ تلك الأوهام حول البشر الاستثنائيين أو الأسطوريين أو الأبطال، وصولا إلى الاعتراف بأن الجميع يقفون في حدود بشريتهم المُحَدّدة والمحدودة، وأنهم، تبعا لذلك، متساوين.  

يُلاحَظ هنا أن العَصْرين: الأول (عصر الآلهة) والأخير (عصر البشر)، يصدران عن وَعي أولي بالمساواة؛ بقدر ما يُنْتِجَان المساواةَ ويُثَبِّتَانها. وبذا وذاك يَتَخَلَّق الوعيُ العميق بالمساواة، فيتحقّق عصر الإنسان الحر الليبرالي الذي يحكم مصيره بعيدا عن قهر أخيه الإنسان.

بينما نجد أن العصر الثاني (أي الأبطال) هو العصر الذي يُؤمن بتراتبية البشر، أي أن ثمة بشرا أعلى من سائر البشر، وأن "هؤلاء الأعلى"، "هؤلاء الاستثناء" يمتلكون مُمَيّزات نوعية خارقة (ذات مواصفات إلاهيّة !) لا يمتلكها غيرهم من سائر الناس، وبالتالي، يحق لهم ما لا يحق للآخرين، فهم، وفق منطق الادعاء البطولي الزعماتي التقديسي، يقعون خارج قانون الحقوق والواجبات الذي ينتظم الجميع، أو يجب أن ينتظم الجميع.

يزعم فيلسوف التاريخ، فيكو، أن هناك من الشعوب القديمة من عرفت كل هذه العصور وعاشتها. وفي تقديري أن هذا غير صحيح، أو هو غير صحيح بالدرجة الكافية التي تجعل منه تحوّلا نوعيا في حياة مسار شعب ما.

ففي هذا العصر الراهن وحده (العالم المُتَغَرِّب)، هذا العصر الذي هو نتاج تراث التنوير العظيم، ظهرت إنسانية الإنسان بحق، ظهر الإنسان كقيمة بذاته بعيدا عن كل الصفات والانتماءات الإضافية، ظهر على هذه الحال كأنموذج وعي عام مُنَمْذَج؛ بقدر ما هو مُفَلْسَف، نموذج يُرَاد له الرواج؛ بصرف النظر عن الأعطاب التي طالت تحقّقاته الواقعية؛ وبصرف النظر عن التطور المتلاحق الذي جعله مسارا أو صيرورة نحو غاية اكتمال؛ دون أن يبلغها بحال. ولهذا تنوع واختلف في الزمان والمكان. 

على أي حال، لا يعني هذا أن كل المجتمعات في عصرنا قد دخلت إلى فضاء "عصر البشر"، أو، بالتعبير الأدق، إلى فضاء "العصر الإنساني". هناك مجتمعات لا تزال تعيش عصر الآلهة، مع اختلاف في الصياغات اللاّهوتية، وفي صُور التَّعبّد، وفي نوعية المُسْتَهدفات.

وهناك مجتمعات لا تزال تعيش عصر الأبطال، عصر عبادة البشر في صورٍ ونماذجَ شَتىّ. وهناك الآن المجتمعات المُتَغرِّبة المتحضرة التي تعيش بحق عصر الإنسان.    

ولمزيد من الإيضاح أقول: مِنْ حيث التوقيت الفيزيائي، فإن كُلَّ المجتمعات اليوم تعيش عام 2022، ولكن  بالتوقيت الحضاري والإنساني الأمر مختلف ومتباين جدا.

ثمة مجتمعات تعيش بدايات هذا القرن الحادي والعشرين، وهي التي تُشَكّل أفق التوقيت الفيزيائي، ولكن ثمة مجتمعات أخرى تعيش أزمنة حضارية إنسانية مختلفة ومتخلّفة. فمنها ما لا يزال يعيش بداية القرن الثالث عشر؛ لم يتجاوزه بعد، ومنها ما لا يزال يعيش بداية القرن السادس عشر، ومنها ما هو على أعتاب القرن العشرين، يَحُثّ الخُطَى لِيُعَانِق،ولو بعد حين، الأفقَ الحضاري للقرن الحادي والعشرين. 

هنا يأتي سؤال المقال؛ بوصفه مقالا مكتوبا بالعربية، ليستهدف قارئا عربيا بالضرورة: أين تقع المجتمعات العربية؟ في أي عصر يعيش الإنسان العربي اليوم؟ في عصر الآلهة؟ أم في عصر الأبطال؟ أم في عصر البشر أو الإنسان؟

بالنظر إلى الصورة بمجملها، وبالوقوف مُقَاربةً على خطوطها الرئيسة، وبعيدا عن التفاصيل والهوامش والاستثناءات، أستطيع القول: إن المجتمعات العربية تعيش اليوم في مرحلة بَرْزخيّة، في مرحلة التحوّل من عصر الآلهة إلى عصر الأبطال، أو، ومع كثير من التفاؤل، أقول: هي الآن تعيش، بأقصى معقوليتها وبأعلى درجات الفاعلية الوجدانية لديها، في عصر الأبطال.

لقد عشقت الجماهير العربية جمال عبدَ الناصر، ونصّبته "بطلا" في زمن التحرر من الاستعمار، أي بعد أن عانت من الاستعمار التركي لمدة أربعة قرون، ومن الاستعمار الغربي بعده.

هذه الجماهير التي هي نتاج قرون وقرون من العجز وضعف الحيلة، لم تستطع تخيّل أن بإمكانها أن تنجز شيئا بذاتها، فهي ترى نفسها أهون من ذلك بكثير. وحينئذٍ ستعتقد أنه لا بد لها من بطل أعلى منها، نوعيا، بدرجات. ستبحث عنه لاهثة، وحين تجده ستعبده، حتى لو ظهر ذاتَ عَبَثٍ أو ذاتَ تَهوّر؛ فهي سَتَزفّه بطلا، ستصنعه صرحا من خيال.

بل ولو وجدته ساذجا بالغ السذاجة (كعبد الناصر) أو مُجْرِما بالغ الإجرام (كصدام حسين)؛ فستحيل سذاجة الساذج إلى صِدقٍ وحُسْنِ طَويَّة ونزاهة، وستحيل إجرام المجرم إلى ضرورة قومية. ثم، ولكي تصنع البطل على إيقاع تَوَهّماتها، ستمعن في التزييف، وستغالي في خداع نفسها، فتحيل تلك السذاجة إلى مكر ودهاء، وذاك الإجرام إلى إرادة وقدرة وشجاعة في مواجهة الأعداء.

كل هذا ليس غريبا، بل مفهوما، في حال جماهير عربية تجد نفسها في سياق الهزيمة والعجز والاندحار والتفاهة، فضلا عن الفقر والمجاعة.

ما ليس بمفهوم لأول وهلة، أن تتعلق هذه الجماهير العربية البائسة بأي ممثل للقوة أو للعناد أو للتمرد؛ حتى ولو كان من خارجها: ثقافة وعِرْقا ودينا وجغرافيا، كما هو ظاهر في الإعجاب الجماهيري العربي بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خاصة مع الغزو الروسي الغاشم لأوكرانيا.

هناك شريحة جماهيرية عربية تُبْدِي إعجابها بالرئيس الروسي بعد قرار الغزو الغاشم لأوكرانيا، وتتسع أمداءُ هذا الإعجاب؛ كلما أظهر بوتين إصرارا على مواصلة الغزو، واستعدادا لتحمّل التَّبعات. وهو إعجاب يتماهى بلا شك مع مشاعر الضدّية تجاه كل ما هو غربي، ولهذا سياقه.

ولكن الأهم هنا أنه إعجاب أخذ يتطوّر بتوالي "المفرقعات الروسية العنادية"، حتى بدأت ملامح "البطل الروسي" تُداعِب أحلامَ جماهير الغوغاء العربية المأزومة، هذه الجماهير الحائرة التي يبدو وكأن لديها جوعا أزليا لبطل ما، أيا كان هذا البطل، وأيا كان مجال البطولة، بل وأيا كان ضحاياها، حتى ولو كان ملايين الأبرياء.

إنه البطل مقابل الإنسان. ولهذا فإن من المُفْزع حقا أن تجد في جانب هذا الانهماك الجماهيري العربي لصناعة "البطل" في نموذج الرئيس الروسي، انعداما أو شبه انعدام للمشاعر الإنسانية التي ترفض العدوان لمجرد كونه عدوانا، وتأسى للقتلى والجرحى، وترثي لملايين الأبرياء من المُهَجَّرِين، وتتألّم لمشاهد التدمير الحاقد.

فالمهم هنا، وفق المُضْمَر الواعي واللاَّواعي، هو أن يَتَنَمْذَجَ البطلُ، أن تكتمل دورةُ بطولته، وليس مهما، في تصور هذه الجماهير، بشاعة العدوان، ولا انتهاك حقوق الإنسان.

إن عصر الأبطال هو تعبير عن عجز الفاعلية البشرية ذات الطابع الجمعاني المساواتي، أي عصر غياب الوعي الذي يُنْتِج الأنظمةَ والتنظيم والإدارة التي تُرَاكِم المُنْجَزَات وتَسْتَثمر فيها، وبالتالي، تصنع التحولات الحضارية النوعية التي تُسْهِم في المشترك الإنساني؛ فَتُرْوِي ظمأَ الاحتياج المعنوي والاعتباري؛ بقدر ما تُرْوِي ظمأ الاحتياج المادي. 

حين لا يتم ذلك، أي حين يحدث الفشل في تقديم أي منجز حقيقي يروي ظمأ هذا المعنوي وذاك المادي، تشعر الأمة بعجزها وقلة حيلتها وهوانها على الناس؛ يتوجه الاهتمام إلى "المنقذين الاستثنائيين الخارقين"، يتوجه الاهتمام لصنع الأبطال، تُلْقي على هؤلاء الأبطال مهمةَ تحقيق الآمال التي تشعر الأمة، عميقا، بأنها غير قابلة للتحقق، تصنع الأبطال من خلال خيال واسع مشحون بالأمنيات المجهضة، خيال يتمدد فيه اللاَّمعقول بمقدار ما ترتفع درجة استحالة الأمنيات. 

ليتحقق عصر الإنسان؛ لا بد أن يختفي عصر الأبطال. أو من دلائل تحقق عصر الإنسان اختفاء عصر الأبطال.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول
صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول

سناء الحنفي العاجي

تقول الحكاية التي انتشرت في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل: "ﺳﺄﻝ صحافي ذات مرة ﺍﻟﺪالاي لاما: "ﻣﺎﺫﺍ ﺳﺘﻔﻌﻞ ﻟﻮ ﺃﻥ ﺃﺣﺪ الأﺷﺨﺎﺹ ﺃﺧﺬ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳّﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻭﺃﻟﻘﺎﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ؟". ﺃجابه ﺍﻟﺪالاي ﻻﻣﺎ بدون تردد: "ﺳﻴﺪﻱ، ﺇﻥ ﺃﻟﻘﻰ ﺃﺣﺪهم ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻓﺄﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﺳﺄﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ الاتصال ﺑﺴﺒَّﺎﻙ ‏(ﻓﻨﻲ ﺻﺮﻑ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ)".

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻟﺼﺤافي ﻣﻦ ﺿﺤﻜﻪ؛ ﻗﺎﻝ له ﺑﺄﻥ ﻫﺬﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ ﺳﻤﻌﻬﺎ.

وأضاف الدالاي لاما ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻔﺠّﺮ ‏شخص ﻣﺎ تمثالا ﻟﺒﻮﺫﺍ، ﺃﻭ ﻳﺤﺮﻕ معبدا ﺑﻮﺫيا، ﺃﻭ ﻳﻘﺘﻞ ﺭﻫﺒﺎﻧﺎ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺑﻮﺫﻳﻴﻦ ﻭﺑﻮﺫﻳﺎﺕ.. ﻟﻜﻨﻲ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ لمن يرتكب ذلك ﺃﺑﺪﺍ ﺑﺄﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ كديانة عنيفة. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻟﻜﻨﻚ ﺃﺑﺪﺍ ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ولا ﺍﻟﺴﻼﻡ ولا ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ.

"ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ" ﻟﻴﺲ ﻫﻮ "ﺍﻟﺪﻳﻦ"، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺘﻤﺜﺎﻝ، ﻭلا ﺍﻟﻤﻌﺒﺪ. ﻛﻞ هؤلاء ﻫﻢ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ "ﺣﺎﻭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ".

ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻛﺘﺐ ﺃﻛﺜﺮ، ﺑﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﺑﺪ ﺃﻛﺜﺮ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﻤﺮﻳﻦ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺣﻴﻦ ﻧﻔﻘﺪ ﺣﺒﻨﺎ وﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻨﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ولأﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻧﺴﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺳﻴﺬﻫﺐ "ﺍﻟﺪﻳﻦ" ﻛﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ!!".

لا نعرف إذا ما كانت الحكاية صحيحة أم أنها مختلقة. وليس يهم صراحة أن تكون حقيقية فعلا، لأن مغزاها هو الأهم؛ ويمكن تطبيقه على الإسلام واليهودية والمسيحية وكل الديانات والإيديولوجيات والقناعات: هل الأساسي هو "الكتاب" أم ما يحمله من فكر أو روح؟ هل الأساسي هو "المعبد" أم القيم والسلوك والإيمان الروحي التي يفترض أن يتحلى بها المؤمن؟ هل الأساسي هو "رجل الدين" أم قيم وروح الدين؟ 

مناسبة هذا الكلام هو تداعيات وردود الفعل الشعبية والرسمية بعد حادثتي حرق القرآن في كل من السويد وهولندا. 

أن يقوم شخص بحرق القرآن هو بالتأكيد سلوك متطرف، بل وغبي! فهل حرق نسخ من القرآن سيقضي على المسلمين أو سيقضي على قناعاتهم؟ في زمن تطبع فيه المطابع ملايين النسخ سنويا، وتتوفر نسخ على الإنترنت، ما جدوى الحرق سوى الاستفزاز الغبي والعدواني؟

بالتالي، فردود الفعل المتشنجة تغذي تطرف الجهة التي قامت بالحرق وتشبع رغبتها في الاستفزاز. بل أكثر من ذلك، هي تثبت لمن يساندها قليلا أن المسلمين، بالفعل، أشخاص متطرفون وعنيفون في ردود أفعالهم. 

كذلك، متى سنتعلم أن مقدسنا ليس مقدسا عند الآخرين؟ تماما كما قد نستغرب بعض قناعات غيرنا أو حتى نسخر منها، فهناك من لا ينظر للمسجد أو للقرآن بنفس منظار المسلم المتدين. لذلك، فهو لن يستوعب كل ردود الفعل المتشنجة بخصوص حادثتي حرق القرآن. 

كما أن القرآن، ككتاب، هو بالنهاية عنصر مادي. القيمة الفعلية توجد في محتواه وفي روحه وفي القيم التي قد يحملها منه الإنسان المسلم. هذا الحامل المادي قد يتعرض للتلف من طرف المسلمين أنفسهم بسبب حوادث أو بسبب القدم فقط؛ وليس علينا أن نحمل أي تلف طبيعي أو حتى متعمد، تأويلات بعيدة وضخمة.

قيمنا ومقدساتنا قد تكون محط انتقادات من طرف الآخرين. بل ومحط سخرية ومحط أفعال عدوانية من طرف البعض.. وعلينا أن نقبل ذلك لأنه جزء من التعدد الفكري. ما لم تهدد هذه السخرية وهذه الأفعال العدوانية حياة الآخرين وما لم تمس كرامتهم وسلامتهم الجسدية كأفراد، فهي جزء من الحرية التي نطالب بها. كما أن القانون يفترض أن يعاقب كل سلوك يهدد حياة الآخرين وسلامتهم الجسدية. ما دون ذلك، يفترض أن يظل موضوع نقاش وانتقاد هادئ وبدون تشنجات ولا مبالغات.

الحقيقة أنه لا يوجد مسلم واحد سينسى الإسلام بسبب حرق القرآن، كما أن محتوى القرآن كنص لن يضيع بسبب الحرق، لأن النسخ متوفرة بالملايين. في نفس الوقت، فحتى ضمن غير المسلمين، ليس هناك شخص عاقل سيفرح إزاء سلوك غبي وعنصري ومتطرف كهذا الذي قام به من أحرقوا نسخا من القرآن. بالتالي، فكل ردود فعلنا المتشنجة لا تعني أكثر من كوننا مازلنا غارقين في وهم مركزيتنا الكونية.. كما أنها تجعلنا، للأسف، نغذي الخطابات السامة لمتطرفي الطرف الآخر!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).